يتحدث الله معي كأيام الطفولة


 
(لوحة للفنان عبد السلام عبد الله)

يتحدث الله معي كأيام الطفولة
يُوحىٰ إلَيَّ أن أشرب قربة النبيذ كاملة
أن أشربها في فناجين فخارية
تلك التي صنعها المسيح ليلة صلبه
لم يمسسها أحد
يُوحىٰ إلَيَّ أن أركض في قيعان الندى
منه مُغتسل وشراب
لم يتنزل الوحي بقصيدة بائية أو يائية
تصلح للفوز بجائزة دولارية
مهرجانات الإبل والهجن
أسواق النخاسة
باعة الأوطان
فئران سمان
ترقص في حضرة الأمير
تنبش قبر الفيل العظيم
سرقت عصا عمر الجاوي
تسرق ألوان الزبيب اليماني
تسرق رائحة البرقوق وفحولة النخل
تسرق كراسات رسم الأطفال
الأطفال يرسمون وجه الله ضاحكاً
الجدات يُضاحكنه بعد صلاة العشاء
وعند الفجر تحمل الأمهات نصيبه من خبزهن
يصافحه جدي بعد صلاة الضحى
يلعب معه مجانين المدينة.

***
يتحدث الله معي كأيام الطفولة
لا شيء يُوحىٰ إلَيَّ
تخفي العشيقة أصابعها في جيبها
للريح مفارش ممردة من الصقيع
فيها
أحفر بأصابعي العشرة
لعلي أجد قبساً من الظل
تتراكض قوافل النجوم
ينسحب قوس قزح من مهامه.

***
يتحدث الله معي كأيام الطفولة
ترقص بصمات الندى
تغترف منها شمعتي تيممها
هذه أنفاسها الناعسة تمتزج مع خوار الريح
الشتاء لم يقلم أظافره ولم يستخدم مطهراً قبل مجيئه
يتشح الليل بسبع طبقات من الظلمة
أتامل طقوس الأمهات الصباحية
يقذفن السماء بثلاث جمرات من القشً
يطفن ثلاثة أشواط حول المقبرة
يرسمن بروث ثور القرية لوحة سِريَاليَة على فخذ الظل
تصرخ الجنية الساكنة في البئر القديم منذ زواج هابيل
يهديها الرصاص الطيب صمتاً أبدياً.

***
يتحدث الله معي كأيام الطفولة
تقول الجدة الله يمسك سقيفة بقرتها
سأل الطفل اليتيم معلمه
لماذا لا يُوقف الله تساقط سماوتنا؟
أخرصت زعقة الجوع قلب المعلم.
تنسج الحرائق خيوط الغروب عند الظهيرة
الليل تفترسه أعاصير رمادية
دخان يفقع عين القمر
يغادر قطار المساء المزدحم
لا يتسع لكل أرواح موتى النهار
تقوده ملائكة مكافحة الشعب
يقال أن ملائكة الرحمة مددت عطلتها الصيفية
يقال أن طائرات اف 16 وكلت الموت بمهام حميدة
يقال أن ميا خليفة ستتلو بيان النصر
ستتوج تجار الحرب القتلة وتمنحهم ليلة عالمية.
***
يتحدث الله معي كأيام الطفولة
ذلك قبري تنبت فيه طحالب
وبصلة “غضة الأفنان باسقة”
يُقصف قبري الآن
لا عشيقة ترثيني ببعض التنهيدات
وحدها الشمعة همت بالصلاة
لكنها نسيت سورة الميت
أُوحيت إلى مسيلمة قبل أعوام من الحرب
عشر دقائق من الحداد
أحدى عشرة دقيقة برزخية قبل قيام القيامة
يصعب أن تكتمل القصيدة في طقس بارد.

***
يتحدث الله معي كأيام الطفولة
يهتز كأسي
يهش النهر بنقيق ضفادعه ليكسر الملل
الربيع
موسم التناكح
أشتهي سيجارة وعود ثقاب
فراشات ملونة تلهو على قبري.

شارك
المقال السابقالواعظ ومأزق العَلمانية
المقال التالىأفاتار..؟!!
حميد عقبي سينمائي وكاتب يمني مقيم في فرنسا، اخرج خمسة أفلام سينمائية، منها ثلاثة أفلام قصيرة وهي معالجات سينمائية لقصائد شعرية "محاولة الكتابة بدم المقالح"12 دقيقة 1997 ــ بغداد، فيلم 'ستيل لايف"2005 ــ 20 دقيقة فرنسا، فيلم الرتاج المبهور" 2006 فرنسا 32 دقيقة. نشر 21 كتابا إليكترونيا منها 4 مسرحيات،....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد