حالة حقوق الانسان حول العالم يندى لها الجبين


 

” لقد بات من الواضح تماماً، و نحن ندخل العام الذي يكتمل فيه مرور 70 سنة على صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، أنه ليس بوسع أحد منا أن يعتبر حقوقنا الإنسانية من المسلمات ”

(( سليل شيتي، الأمين العام لمنظمة العفو الدولية ))

في مقالتنا السابقة الأسبوع الماضي، تحدثنا عن تقرير الفساد العالمي لعام ٢٠١٧، و كان ما أستعرضناه مؤلما و محزنا و غالبا مخجلا، خاصة ما يتعلق بعدد من الدول العربية و الإسلامية، اليوم نستعرض تقريرا مهما آخرا يستعرض حالات حقوق الإنسان في دول العالم ..

و في الوقت الذي أصبحت للحيوانات في كثير من دول العالم الكثير من الحقوق و الحماية و الضمانات، نجد أن حقوق الكثير من البشر في كثير من دول العالم تتعرض للإنتهاك يوميا على يد حكومات تلك الدول و من يتبعها و يخدمها من أفراد و أجهزة أمن و شرطة و جيش و مخابرات و غيرها، حتى بات من الصعب أحيانا مقارنة ما يحصل عليه الحيوان في العديد من الدول من حقوق و حماية و ضمانات، مع حال الإنسان في بعض الدول، و كمثال سريع اللاجئين و المشردين و المهجرين السوريين و أيضا هؤلاء من طائفة الروهينغا في ماينمار، و اليمنيين من جانب آخر، و ما عاناه و لا زال يعاني منها اللاجئين و المهجرين في الموصل و عدد من المدن العراقية، فالأحوال هناك و في دول و مدن غيرها محزنة و مؤلمة و مقلقة جدا ..

شهدت حالة حقوق الإنسان و مراعاتها و إحترامها و الإهتمام بها في عموم دول العالم تراجعا ملحوظا و غريبا، خاصة خلال العقدين الماضيين، و تفاقما في حجم و نوع التجاوزات عليها، و للأسف هذه الظاهرة لم تكن فقط فيما بين الدول النامية أو المتخلفة أو الديكتاتوريات فقط، بل شملت الكثير من الدول التي تتغنى بالديموقراطية و حقوق الإنسان و الحريات الشخصيات و حريات الإعلام، بل و تلك التي تمنح لنفسها حق متابعة و مراقبة أحوال الديموقراطية و حقوق الإنسان حول العالم، و على رأسها أميركا و روسيا و الصين و أستراليا و مصر و فنزويلا و الفليبين و الكثير من الدول العربية و الأسلامية ..

و يؤكد التقرير الصادر عن منظمة العفو الدولية لأحوال حقوق الإنسان في العالم لعام ٢٠١٧ / ٢٠١٨ و الصادر قبل أسابيع قليلة، في إفتتاحيته : ” ذاق الملايين في شتى أنحاء العالم، طيلة عام ٢٠١٧ ، الثمار المرة لصعود سياسات إلقاء اللوم و إلصاق الشرور، و تجلت نتائجها النهائية واضحة في حملة التطهير العرقي العسكرية المروعة التي استهدفت أبناء طائفة الروهينغيا في ميانمار، و قد أدت هذه الحملة إلى نزوح زهاء ٦٥٥٠٠٠ شخص إلى بنغلادش المجاورة في غضون أسابيع، فيما يُمَثِّلُ أسرع أزمات اللاجئين تفاقما في عام ٢٠١٧ ، و في نهاية العام، كانت آفاق مستقبلهم ما برحت غائمة ضبابية، و لم يدع تقاعس زعماء العالم المستمر عن تقديم حلول حقيقية للاجئين سبباً للتفاؤل ” ..

كما ذكر التقرير في أوائل صفحاته : “ و قد اكتسبت الاعتداءات على القيم الأساسية

التي تقوم عليها حقوق الإنسان، و التي تعترف بالكرامة و المساواة لكل البشر، أبعاداً واسعة، فالصراعات التي تؤججها تجارة السلاح العالمية مستمرة في إنزال خسائر فادحة بالمدنيين، و بشكل متعمد في كثير من الأحيان، و في بعض الأحيان، تخلت أطراف الصراعات العديدة في العالم حتى عن ادعاء احترامها لالتزامها بحماية المدنيين، مثل ما

نشهده في الكارثة الإنسانية في اليمن التي أدى إلى تفاقهما الحصار السعودي، أو في قتل القوات الحكومية و الدولية بلا تمييز للمدنيين الذين تستخدمهم الجماعة المسلحة التي تطلق على نفسها اسم ” الدولة الإسلامية ” دروعاً بشرية في العراق و سوريا، أو في الجرائم المشمولة في القانون الدولي التي تؤدي إلى نزوح أعداد ضخمة من اللاجئين من جنوب السودان ” ..

و يشير التقرير إلى أن الرئيس ترامب ينتهج سياسات من شأنها تقويض حقوق الإنسان في داخل الولايات المتحدة الأمريكية و خارجها، و أتهمته بإنتهاج سياسات تتسم بالكراهية و بأنه يمثل تهديدا لحقوق الإنسان عالميا، و صنفت المنظمة ترامب في ذات المجموعة التي تضم رؤساء مصر و روسيا و الصين و الفليبين و فنزويلا ..

و أشار ساليل شيتي، الأمين العام لهذه المنظمة أن هواجس الحقد و الخوف لها وقع كبير الآن في الوضع الدولي، و ليست هناك إلا القليل من الحكومات التي تدافع عن حقوق الإنسان في هذا الزمن الصعب ، و أكد أن هناك زعماء كالسيسي في مصر و دوتيرتي في الفليبين و مادورا في فنزويلا و بوتين في روسيا و ترامب في أميركا و شي في الصين ينتهكون حقوق الملايين من البشر بشكل مقصود و بإصرار و دون تراجع و لا تردد ..

و أشار شيتي إلى نموذج لأحد قرارات ترامب المسيئة لحقوق الإنسان حول العالم، و هو قراره بمنع دخول مواطني عدد من الدول إلى أميركا، و هو القرار الذي أصدره بعد أيام فقط من تسلمه مهام منصبه، بأنه قرار يتسم بالكراهية، و أضاف أن هذا القرار الذي أستهدف عددا من الدول ذات الغالبية المسلمة فتحت الباب و سنت سنة سيئة إستغلها العديد من الزعماء المسيئين لحقوق الإنسان حول العالم لإيصال سياسة الكراهية إلى أقصى مداها ..

و من ضمن الأمور التي يركز عليها التقرير هذا العام، موضوع التقشف التي بدأت كثير من دول العالم، بما فيها بعض الدول الأوربية و الغربية الغنية، بفرض أنواع من التقشف التي تمس الحاجات الإنسانية الأساسية للمواطنين كالتعليم و الصحة و السكن و غيرها، و يضيف التقرير بهذا الشأن : “ و قد بات التقشف، منذ أزمة ٢٠٠٨ المالية، تعبيراً مألوفاً و واقعاً معاشاً بالنسبة إلى ملايين الناس، و عادة ما تنطوي هذه الظاهرة – التي تعمل في إطارها حكومة ما على خفض عجز في الموازنة العامة، سعياً لخفض الدين العام في المعتاد – على تخفيضات في الإنفاق الحكومي تكون مصحوبة في بعض الأحيان بزيادة الضرائب التي غالباً ما تصيب بأكثر سهامها فتكاً أشد الناس فقراً من خلال رفع أسعار الضروريات الأساسية مثل الغذاء ” ..

كما تؤكد المنظمة في تقريرها على هذا المحور المهم : “ و التقشف قضية من قضايا حقوق الإنسان، فهو يُضَيِّقُ على الناس سبيلهم إلى التمتع بالتعليم، و الصحة، و السكن، و الأمن الاجتماعي، و غير ذلك من الحقوق الاقتصادية و الاجتماعية، و هو يؤدي كذلك إلى انتهاكات للحقوق المدنية و السياسية، حيث ترد الحكومات على الاحتجاجات و غيرها من أشكال المعارضة بطرق شديدة القسوة، أو تخفض الخدمات التي تيسر سبل نيل العدالة مثل المساعدة القانونية، و في أغلب الحالات، تُهَوِّنُ الحكومات من شأن هذه الحقوق و تتخذ قرارات تلقي العبء الأكبر على كاهل من يعيشون في فقر بينما تهدد رفاه المجتمع ككل، و التقشف مشكلة عالمية، ففي عام٢٠١٧ ، طُبِّقَت في بلدان في كل مناطق العالم إجراءات تقشف واسعة النطاق تقيد بوجه خاص حقوق الناس الاقتصادية و الاجتماعية، و في أوروبا، تظاهر الناس في الشوارع احتجاجاً على الآثار الضارة لإجراءات التقشف في اليونان، و صربيا، و أسبانيا، و المملكة المتحدة، و في حالة الأخيرة، ربطت البحوث في إنجلترا بين قرابة ١٢٠٠٠٠ حالة وفاة و بين تخفيضات الإنفاق على الرعاية الصحية و الاجتماعية ” ..

و يغطي التقرير الجديد لمنظمة العفو الدولية حالة حقوق الإنسان في ١٥٩ دولة حول العالم، و يقدم تحليلا شاملا معمقا موثقا لمدى الإلتزام بالمواثيق الدولية و القوانين و الأنظمة الموثقة لحقوق الإنسان في تلك الدول، و قد أظهر التقرير بل فضح أحداثا و حالات يندى لها الجبين و تدمع لها العين، تحدث هنا و هناك علنا جهارا، و أحيانا في الخفاء، تنتهك فيها أبسط الحريات و الحقوق التي يجب أن يتمتع بها البشر أي كان أسمه أو شكله و البلد الذي يعيش فيه ..

و كما أشرنا فقد أكد التقرير أن عام ٢٠١٧ شهد تراجعا واضحا في حالة و أوضاع حقوق الإنسان حول العالم، و ظهرت علامات التراجع في كل مكان تقريبا، فكثير من حكومات دول العالم، حتى الغربية منها و الديموقراطية، إستمرت في قمع و كبح جماح المعترضين و المحتجين و المتظاهرين هناك و هم في تزايد، و شهدت حقوق المرأة هبوطا و تراجعا واضحا في العديد من الدول المتقدمة و المنفتحة، كأميركا و روسيا و بولندا ..

و قد شهدت العديد من دول العالم نموا مخيفا و مقلقا لحالات السخط الإجتماعي و التململ و التمرد بسبب حرمان المواطن الإعتيادي من الحقوق الأساسية في العمل و الدخل المناسب و الغذاء و الماء النظيف الصالح للشرب و الرعاية الصحية المناسبة و المأوى أو السكن المناسب، حتى أن بعض هذه المطالب باتت لدى البعض ضربا من الأحلام و الخيال، كما نلاحظ ذلك مثلا في مصر و سوريا و فنزويلا و ما ينمار و غيرها ..

و يتطرق التقرير إلى أزمة اللاجئين الدولية و كيف تعامل معها العالم، حيث أستمر قادة دول العالم الديموقراطي الغني، كأميركا و أوربا الغربية في تجاهل هذه الأزمة، أو التعامل معها بشئ من التعالي و التغاضي و التململ و اللا مبالاة، مما تسبب في تزايد الشعور بالكراهية و الكراهية

المتبادلة لدى شعوب و حكومات العديد من الدول و لدى اللاجئين و المهجرين أنفسهم، و تطورت الأمور لتسن بعض الدول لقرارات و قوانين تتسم بالتفرقة الإنسانية و العرقية و التمييز العنصري و مجافاة و معاداة حقوق الإنسان الأساسية، كما لاحظنا ذلك مثلا في أميركا و بولندا و عدد آخر من دول الإتحاد الأوربي ..

و يشير التقرير في عدد من فقراته إلى عقوبة الإعدام و إستخداماتها في عدد من دول العالم و تأثيرها على حياة و حقوق الإنسان، حيث يؤكد على كون إيران و العراق و السعودية باتت من بين أكثر دول العالم إستخداما لهذه العقوبة و بشئ من العشوائية و بأقل ما يمكن من الإجراءات القانونية و المحاكمات و ربما بدونها أحيانا، و كان معظم ضحايا الإعدامات ممن يعتبرون مناهضين لنظام الدولة و الحكم في ذلك البلد ..

و برأيي أن أخطر ظواهر الخرق و التجاوزات لحقوق الإنسان في منطقة الشرق الأوسط و البلاد العربية خلال السنوات الماضية، هي ما ترافق مع ما يسمى بالربيع العربي، و إحدى نتائجه سيطرة ما يسمى ب ” داعش ” على عدد من المدن العربية و التي سهلت لجيوش تلك الدول و قواتها الأمنية و المخابراتية مهام تدمير تلك المدن و قتل عشرات الآلاف من المواطنين و تهجير و تشريد مئات الآلاف من السكان، تحت غطاء محاربة ” داعش ” ..

و هذا ما رأيناه حاصلا في العراق و سوريا و اليمن و ليبيا و مصر و ربما في مناطق أخرى، حيث تمكنت الدول ذات الأنظمة الديكتاتورية على الأغلب هناك من إستخدام الصراعات الداخلية و الظروف الأمنية للنيل من كل مكتسبات حقوق الإنسان التي توافرت خلال السنوات أو العقود الماضية، فباتت حياة البشر في كثير من هذه الدول لا تطاق ، و يفتقدون لأبسط الشروط الأمنية و الصحية و المستلزمات الأخرى الضرورية للعيش، و كما ذكرنا يمكن ملاحظة ذلك بوضوح في الموصل و عدد من المدن ذات الطبيعة السنية في العراق، و كذلك العديد من المدن السنية في سوريا كحلب مثلا، و هكذا ..

و في إستعراض سريع لأهم الحالات و الملامح التي أشار إليها التقرير ضمن دراسته للدول ال ١٥٩ الخاضعة للبحث، و من أبرز حالات الخرق الفاضح لحقوق الإنسان ، ما حدث و لا زال يحدث هناك في تعامل دولة ماينمار مع الأقلية المسلمة من الروهينغا، و الضغط الذي تتعرض له الجارة بنغلاديش لهذا السبب، علما أن ما قامت به دول العالم، و منها قيادات الدول العربية و الإسلامية، و قيادات دول العالم الحر و الديموقراطي في تعاملها مع هذه القضية، و تعاملها مع حكومة ما ينمار، يعتبر أقل من القليل، مما شجع حكومة ماينمار على مواقفها المتشددة و المجافية لحقوق و مشاعر هذه الأقلية المغبونة و المحاربة علنا ..

أما في اليمن مثلا، و هو واحد من أفقر دول العالم، و الأكثر فقرا في منطقة الشرق الأوسط، فلا زالت الحرب المندلعة ما بين الميليشيات المدعومة من قبل إيران و من يدعمها من الداخل اليمني من جهة، و الحكومة الشرعية اليمنية و من يدعمها من دول العالم و على رأسهم السعودية و الإمارات، لا زالت هذه الحرب تتسبب في قتل و تهجير و تشريد الآلاف من المواطنين اليمنيين، و إنتشار الفقر و المجاعات و الأمراض و الأوبئة هناك بشكل مخيف و مقلق، و باشرت العديد من المنظمات الدولية التحقيق في مجازر و مآسي يعاني منها المواطن اليمني و يتسبب بها أحد أطراف المعارك تلك دون الأخذ بنظر الإعتبار لأبسط الحقوق الإنسانية للمواطن اليمني ..

في أميركا راعية الديمواقراطية و الحريات الشخصية، لاحظت المنظمة تراجعا و تدهورا ملحوظا خاصة مع تسلم الرئيس ترامب مهام الحكم، فالعالم كله صدم من نوع و حجم و مستوى القرارات التي أصدرها ترامب خلال هذه الفترة، بما في ذلك القرار المشين بحظر سفر المسلمين، و غيره من السياسات المناهضة للهجرة، و التي تهدد سلامة المهاجرين و اللاجئين و طالبي اللجوء ..

كما أبلت إدارة ترامب بلاءا سيئا جدا فيما يتعلق بحقوق المرأة، و إنها دعمت نشاطات و فعاليات التعذيب بشكل علني و التي تمارسها الأجهزة الأمنية القمعية في أميركا و خارجها خاصة في عدد من الدول الحليفة و الصديقة، كما أن قرارات ترامب الأخيرة بشأن الرعاية الصحية حاولت حرمان شريحة كبيرة من المجتمع الأمريكي من الرعاية الطبية و الصحية الأساسية المطلوبة، و فرضت هذه الإدارة قيودا و رقابة و تعتيم شديد على بعض أجهزة الإعلام، و لم تبد أي رد فعل مناسبة ضد الحملات العنصرية العرقية الأثنية التي تشنها عدد من الجمعيات و المنظمات التي تعادي المواطنين من غير العرق الأبيض، و التي تقرب في تصرفاتها من الحملات و النشاطات النازية العنصرية في حينها ..

في سوريا، يكفي أن العالم كله يتفرج على هذه البلاد و مدنها تمحى من الخارطة، أبنيتها تدمر، سكانها يقتلون أو يهجرون و يفرون طلبا للنجاة من الموت أو لقمة العيش أو قطرة ماء، دول العالم المختلفة، و على رأسها أميركا و روسيا و إيران و إسرائيل، إضافة لحكومة بشار الأسد، كلهم يتفننون منذ أكثر من خمس سنوات في إبادة الشعب السوري، و في تسوية معظم المدن السورية بالأرض، و لا زلنا نرى فقط لقاءات و إجتماعات حول العالم هنا و هناك لتدرارس الوضع السوري، دون أي جهد جدي حقيقي لإنقاذ ما تبقى من الشعب السوري و الأرض و المدن السورية، إنها إبادة للجنس البشري، إنها الهولوكوست أو المحرقة السورية، و ليس فقط قضية عادية لتجاوز بسيط محدود لحقوق الإنسان، و مما يندى له الجبين و تدمع له العين أن معظم البلاد العربية و الإسلامية تقف متفرجة عاجزة صامتة أمام هذه المجازر، إن لم تكن فعلا تساهم فيها بشكل ما ..

في السعودية، تصاعدت و تفاقمت حالات تجاوز حقوق الإنسان هناك، نوعا و كما، خلال السنتين أو الثلاثة الماضية بشكل خاص، فسمعنا عن إعتقالات تعسفية عديدة بدون محاكمات لرجال دين و شيوخ و أمراء و رجال أعمال، تحت حجج و أغطية منوعة، كما وردت أخبار عن إعتقالات لنشطاء و مدافعين عن حقوق الإنسان السعودي و نشطاء على صفحات التواصل الإجتماعي و صحفيين، و وردت أخبار عن إساءة معاملة البعض من هؤلاء المعتقلين و تعذيبهم، منهم مثلا الشيخ د. سلمان العودة الذي أعتقل كما يقال لعدم تأييده إجراءات الدولة السعودية ضد قطر و ضد عدد من رجال الدين، و كما يقال حبس دون محاكمة و لفترة طويلة، و من ثم تم نقله للمستشفى بسبب سوء معاملته و تعذيبه ..

كما أشرنا آنفا، خلال السنوات القليلة الماضية طفت إلى السطح عمليات الإبادة المنظمة التي تمارسها الحكومة و الجيش في دولة ماينمار ضد الأقلية المسلمة من الروهينغا، حيث أشارت التقارير إلى قتل عشرات الآلاف منهم، و تدمير و حرق مدن و قرى كاملة لهم، و إجبار المئات من الآلاف منهم للهجرة و اللجوء إلى بنغلاديش الجارة المسلمة القريبة ..

و في الوقت الذي لا زالت الحكومة في ما ينمار غير آبهة بما يحصل هناك إن لم تكن تدفع و تشجع ذلك، فإننا نرى الرأي العام العالمي يقف عاجزا و صامتا أمام تجاوزات حقوق الإنسان هذه ضد الأقلية المسلمة، بل نشاهد و نتابع رئيسة الوزراء البورمية تتجول في العديد من دول العالم الغربية و تستقبل من كبار المسؤولين هناك دون أي إعتراض أو تعنيف أو تنبيه جدي لما يحصل هناك، و الأهم من كل ذلك هو عدم تطور أي موقف مهم عربي أو مسلم لإنقاذ من تبقى من هؤلاء في ماينمار أو مد يد المساعدة و معالجة أحول مئات الآلاف من اللاجئين الذين يعيشون في ظروف مهينة صعبة جدا لا توصف ..

نظام اللادولة في ليبيا، البلد الغني ، الذي عانى ما عانى منذ بداية الصراعات الداخلية مع مجئ الزائر الغريب الذي يسمونه، الربيع العربي، و خاصة بعد مقتل الرئيس القذافي علنا و جهارا و أمام عدسات التلفزيون، و كما يقال بأيدي رجال أمن أو مخابرات أو مقاتلين من إحدى الدول الغربية ..

هذا البلد الغني بالنفط و الموارد يعيش حالة ضياع منذ سنوات، و باتت أرضه مرتعا للصراعات و المزايدات و التنافس بين أجهزة الأمن و المخابرات و الجيش المصرية و الإماراتية و الغربية، إضافة لعدد من الميليشيات الليبية، و كما يبدو فأنه يتهيأ للتجزئة و التقسيم حاله كحال عدد آخر من البلاد العربية، هذا الفراغ الأمني و الصراعات و النزاعات الممولة و المدفوعة من دول خارجية جعل الليبيين يعانون كثيرا خلال السنوات الماضية في كسب رزقهم و في مجالات العلاج و التعليم و الخدمات الأخرى، و كما يبدو لا تأبه أي من الدول التي تساهم في تجاوزات و خرق حقوق الإنسان هناك في الوصول إلي أي معالجة قريبة و سريعة للأوضاع هناك، مما يدفع الكثير من الليبيين للهجرة و اللجوء إلى دول أخرى أهمها أوربا القريبة، و ليكونوا ضحية لعصابات التهريب و ربما للموت غرقا في الزوارق التي تأخذهم بشكل غير قانوني للجوء إلى الدول الأوربية ..

قضية العرب الأولى و الأساسية و الأكبر كانت فلسطين، و الآن أصبح لكل بلد عربي قضية و نكبة و نكسة يعاني منها و يبكي عليها، لكن تبقى أرض فلسطين المغتصبة الهم الأكبر و الأساس لكل من تسري في شرايينه دماء العروبة و الإسلام و حتى المسيحية، هذا البلد السليب لا زال أهله يعانون الأمرين من تجاوزات الكيان الصهيوني المغتصب لكل مواثيق الأمم المتحدة و القوانين الدولية التي نظمت و قننت عملية الإستيطان و الإحتلال ..

و في شهر حزيران الماضي مرت الذكرى الخمسون ليوم و قرار الإحتلال البغيض، حيث كثفت سلطات تل أبيب من إجراءاتها التوسعية هناك، من خلال التوسع في بناء المستوطنات و ما يتصل و يتعلق بها، و هذه التجاوزات تحصل في كل المناطق تقريبا بما فيها القدس الشرقية، و باتت السلطات الإسرائيلية أكثر عنفا و عجرفة في تعاملها مع الشأن الفلسطيني خاصة مع توافر الغطاء و الدعم الكامل لها من قبل تراماب و الإدارة الأمريكية الحالية، و الأمر هناك مرشح للمزيد من التدهور و المعاناة مع قرار ترامب بنقل سفارته إلى القدس قريبا، و مع بدء تغير و تراجع جذري و مهم في مواقف العديد من الدول العربية، خاصة الخليجية و مصر من الشأن الفلسطيني و الثوابت الفلسيطينية، و مع الإعلان عن ما يسمونه بصفقة العصر أو القرن، و التي تتعلق بإعادة توطين الشعب الفلسطيني، يبدو أن هذا الموضوع مرشح أكثر من غيره و أكثر من أي وقت آخر لمزيد من التدهور ، و أن الشعب الفلسطيني الذي عاني كثيرا طوال خمسين عاما ينتظر أوقاتا مظلمة و سنينا عجافا طويلة أخرى، و الله أعلم ..

في الحقيقة التقرير غني و مطول و مفصل، و ربما يكون لنا مرورا ثانيا عليه بإذن الله تعالى لمزيد من التفصيل، خاصة ما يتعلق بالمنطقة العربية، و العراق بشكل أخص ..

شارك
المقال السابقواجب قوى التنوير تجاه مهمة التغيير
المقال التالىتائه في الحياة
غسان العسافي .. كاتب و باحث في الشؤون العربية و العراقية. حاصل على شهادة الماجستير في إدارة الأعمال.. خبير و إستشاري في التدريب و الإدارة ... عمل في العديد من المناصب و الوظائف الإدارية و الإستشارية في العديد من الشركات و الإدارات الحكومية في السعودية، قطر، اليمن، العراق، و نيوزيلاند. مقيم حاليا في ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد