قراءة في تجربة محمد الشاوي” – ج 2


 

قراءة في تجربة الفنان محمد الشاوي – 2 –
“التحول إلى بنية”

مقصدية الفن اللعبية
إن أعمال محمد الشاوي فقدت شيئيتها الأصلية لتتحول إلى بنيات فنية مستقلة، بعضها تتخذ متونها من اللعب مرجعيتها الشكلية، (عجلة دراجة أطفال، بيدق الشطرنج، تمثال فلامنغو، أسلاك على شكل أرجوحة…). أشياء تحولت على يد الفنان واكتملت لتصبح أشياء أخرى، غير ما كانت عليه، تغيير بنيوي لحق حقيقتها وجوهرها. نجد غادامير يسمي التحول البنيوي (من البنية) للعب إلى فن «transmutation en œuvre» أي (التحول إلى بنية). “يعني التحول الى بنية أن ما كان موجودا قبلا لم يعد قائما. ولكن ما موجود الآن، ما يمثل نفسه في لعب الفن، هو الدائم والحقيقي”.

إن الأعمال التركيبية الثلاثية الأبعاد، تقحم المشاهد كطرف مشارك في قوانين لعبتها. فالمشاهد بتلبسه كلاعب، يصبح مثيلا لعارض اللعبة، أي الفنان. فالمتعارف عليه، في ميدان الفنون عامة، سواء كانت تشكيلية أو مسرحية أو موسيقية أو أدبية، أن أي عرض هو موجود من أجل الآخر الذي يستقبله، “الشريك الابدي في اللعبة”، المساهم في عملية “الانقذاف”، يؤول ويفكك الشفرات، وربما يعيد التركيب بطريقته الخاصة. فهو يعيد إبداع العمل الفني من جديد. فاللعبة كما بين غادامير في “الحقيقة والمنهج”، “تأتي بوصفها استعارة تكشف لنا عن نمط وجود العمل الفني”. وأعمال محمد الشاوي تُستعارإلى نوع من اللعب، لعب جدي، بالغ وليس لعبا طفوليا أو يافعا، يفرض ذاته على الذوات المشاركة، ذات الفنان وذوات المتلقين المتعددين، المنسلخين من ذواتهم المندمجين كليا مع الذات الغالبة. “فالذات حينما تدخل اللعبة تتخلى عن ذاتها وتتناساها في اللعبة التي تفرض قوانينها وحركاتها وصدارتها”. فأعمال محمد الشاوي لا تتحقق أهدافها إلا عندما يستسلم اللاعب (المتلقي) لحيلها ويفقد ذاته ويتناساها في اللعبة. إن اللاعب/الند، كما يرى غادامير، لا يعي بوجود اللعب واستحضار كينونته، بل إن اللعب هو من يحيط بوعي اللاعب ويدمجه في عالمه.

وحينما نتحدث هنا عن اللعب، فليس من أجل تحقيق متعة أو استلذاذ الذات، “يجعلها منفصلة عن وجودها وعالمها، ومجرد فاعلية للتسلية تفتقر الى الجدية”، بل إن لعبة الشاوي تلاعب متلقيها بجدية. فالجدية صفة لاصقة بها، والخضوع إلى قواعدها قد يوصل إلى استكناه اللامفكر فيه عبر المفكر فيه.

تغيب الذاتية في اللعبة (ذاتية اللاعب) لتفسح المجال لذاتية اللعبة التي برمج الفنان قواعدها وسن قوانينها، كي تستقطب فكر المتلقي (اللاعب الند). فالفنان لا يلعب مع نفسه كما يبدو، بل اللعبة هي أحيانا نده وأحيانا أخرى تكون وسيطا بينه وبين الآخر الذي يشغل مخيلته أثناء وضع قواعد اللعبة. لذلك ليس من السهل على أي كان أن يكون مساهما في اللعبة، أي ندا فكريا للمبدع إذا لم يكن يتوفر على وعي جمالي ووعي فكري/فلسفي يخاطب به واضع اللعبة، حتى يتقمص المؤول ذهنيا تجارب المؤلف وأفكاره، التي انبنى عليها النسق الجمالي/الترميزي للمتون التشكيلية، فيدرك مقصدية المؤلف.

العمل الجاهز: تغيير مظهر المألوف

عن هذا العمل كتب محمد الشاوي موضحا: “ارتبط عنوان هذا الموضوع بمدينة ريوخا الإسبانية التي تنتج نبيذا يحمل نفس اسم المدينة، وتوظيفي للعلبة الخاصة بهذا المنتوج يدخل في إطار الفن المعاصر. فاللعبة (أو العلبة)، تضم مكونات فنية ذات طبيعة متعددة المواد: صباغة زيتية لمدينة الريوخا بصيغة تجريدية، راقصة الفلامينكو، قاطع فني من حديد شكلت به اللوحة الزيتية، لعبة الشطرنج من خلال فكرة السياسة التي تضمها مكونات هذه اللعبة. بالإضافة لتوظيف نقرات الفلامنكو ذات المادة الخشبية للدلالة على مدى حضور الفلامنكو في الثقافة الإسبانية. عنوان العمل: علبة الريوخا التشكيلية”.

كان هذا النص موجها إلى شخصيا عبر الماسنجر، وحينما قرأته التبس على المعنى بسبب كلمتي “العلبة” و”اللعبة”، من جنس لغوي/سيمنطيقي واحد. فهما (lapsus calami) وربما، بل أكيد نوعا من (lapsus memoriae)، يتعدى المنطوق إلى الذاكرة واللاوعي.

 

يمكن اعتبار العمل الذي نحن بصدد قراءته نوع من الشيء الجاهز Ready made، تم تأثيثه من لدن الفنان، الذي تفادى قصدا اختلاس هوية العلبة كما فعل مارسيل دوشان حينما وقع على مبولته اسما مستعارا: « R. Mutt»، لأن المقصدية في العمليتين الإبداعيتين تختلف. فالفنان محمد الشاوي ترك العلامة التجارية للعلبة ليثبت مصدرها، ويحترم الملكية التجارية/الفنية للشركة المصنعة، بينما دوشان وقع باسم مستعار، مجهول ليثبت أن المبولة، الشيء المألوف Objet banal، يغادر شيئيته ليرتقي إلى مستوى العمل الفني، وأن أي إنسان يمكنه أن يكون فنانا مبدعا، وأن أي منتوج يمكن اعتباره عملا فنيا. لا شك أن الفيلسوف نيلسون غودمان سيتفق مع الفكرة، و”يفعِّل” لعبة محمد الشاوي. ففي أحد مؤلفاته يؤكد غودمان “معارضته لنظرية المؤسسات من خلال القول بأن لا شيء يقف في طريق فكرة أن الحجر الذي تم العثور عليه على الشاطئ يتم تفعيله مباشرة كعمل فني، دون أن يتم نقله من أي وقت مضى إلى متحف”.

 

إن علبة محمد الشاوي التي وقع اختيارها صدفة، تستجيب لعدد من الأعراض الفتية التي حددها نيلسون غودمان. فهي تكشف عن روابط التحقيق Réalisation والتنفيذ Implémentation، أي “المشكلة والعملية التي تهدف إلى تسيير العوامل الإيجابية والسلبية بهدف تحسين أداء العمل الفني”. (غودمان)

إذا نظرنا إلى “علبة الريوخا التشكيلية”، يتأكد لنا أن الشيء لم يرتق إلى مستوى العمل الفني إلا بعد انتقاء الفنان له واختياره، وتدخله بتأثيثه بأشياء التقطها وأخرى صنعها بيده، ثم عرضه على جمهور برواق. ولو افترضنا أن التأثيث احتفظ بحريته واستقلاله، فأكيد أن صورة العمل ستتغير كلما أُغلِقت العلبة، لأن ترتيب الأشياء بداخلها سيتقلقل، مما سيجعل الفنان مضطرا، في كل مرة إلى إعادة تثبيت ورسوخ مواضع كل عنصر داخل العلبة. هذا إذا كان ينوي الاحتفاظ على هويتها الأصلية، وإلا ستتغير هذه الهوية بتغير مواضع محتوياتها، ومن تم سنكون أمام نسخا للعمل الأصلي، الذي عرض في أول مرة. الحالة هذه ستذكرنا بمبولة دوشان الأصلية المفقودة، والمنتشِرَةُ نسخها في المتاحف العالمية.

نحن أمام عمل هش للغاية، ليس بسبب خاماته ومحتوياته، ولكن بمعنى أن أي تعديل فيزيائي بسيط يمكن أن يؤدي دائما إلى فقدان وضعه Statut كعمل فني، وعودته إلى أصله كشيء مألوف Objet banal. وحتى يعاد اعتباره كأثر فني، يجب إعادة إخضاعه لعمليتي التنفيذ والتفعيل Activation من جديد. فعملية التنفيذ تتحقق عادة من طرف الفنانين والقيمين على المتاحف والأروقة، أي من لدن “عالم الفن”، ولكن المتلقين هم من يفعلون العمل الفني ويجعلونه “يعمل” حسب مفهوم نيلسون غودمان. فالتفعيل يستوجب تحقيق عملية التنفيذ والاستقبال الكافي من طرف الجمهور.

إن التغيير الفيزيائي الذي يمكن أن يخضع له العمل الفني يؤكد أهمية التنقل/التحويل الذي أنجزه غودمان من خلال نظريته حينما تساءل “متى يكون هناك فن؟”. فدور التنفيذ Implémentation لا يقتصر هنا على استجلاء رؤية العمل الفني ولكن لتوجيهه إلى نوع خاص من الانتباه. فالعلبة بما فيها من أشياء يمكن مصادفتها داخل فضاء عادي، ولكن طالما أنه لا ينظر إليها مع الاهتمام المطلوب، لا يتم تفعيل إمكاناتها الجمالية. بهذا المعنى يتضح أن التنفيذ له دور تمييز العمل على هذا النحو وتكريسه لنوع معين من الاهتمام، وبعدما غدا العمل موضوعا للتأمل، وتم استجلاء إمكانات التجميع الجمالية المعتادة في حياتنا اليومية، نجحت “علبة الريوخا التشكيلية” في تحويل رؤيتنا عن المألوف le banal. فخلال التنقل تصبح العناصر المكونة للعمل الفني أشياء مألوفة. وهذا يختلف تماما عن لوحة رامبراندت التي استعملت لسد نافذة مكسرة. فلوحة رامراندت تبقى عملا فنيا رغم تغيير وظيفتها. علبة الريوخا لم تعد كذلك وقتما تصبح غير منفذة non implémentée.

اتخاذ علبة نبيذ مملوءة بأشياء عادية كعمل فني وعنونته ب “علبة الريوخا التشكيلية”، هو في حد ذاته تغيير مظهر المألوفTransfiguration du banal حسب نظرية غودمان.

هوامش:

– سعيد توفيق: الخبرة الجمالية، دراسة في فلسفة الجمال الظاهريتة، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشروالتوزيع، بيروت، ط1، 1992.
– (محمد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي: الحقيقة، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، ط2، 1992.
– هانز جورج غادمير – الحقيقة والمنهج، الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ترجمة حسن ناظم وعلي حاكم صالح، ط.1، دار أوبا طرابلس، 2007
– هشام معافة. التأويلية في الفن عند هانس جيورج غادامير. ط.1، منشورات الاختلاف، الجزائر 2010
– Nelson Goodman. L’art en théorie et en action/ Jean-Pierre Cometti et Roger Pouivet (Trads.). Ed. de l’éclat. 1996

لا تعليقات

اترك رد