غوانتانامو وتسييس العدالة!


 
الصدى.نت - جوانتانمو

عاد الرئيس الأمريكي باراك أوباما إلى موضوع معتقل غوانتانامو، الذي وعد بإغلاقه منذ الترشّح لولايته الأولى، في العام 2008. العودة التي تأتي قبل بضعة أشهر من انتهاء ولايته الثانية (أواخر العام الجاري) تضمّنت خطة لإغلاق المعتقل الذي ظلّ مثيراً لجدل صاخب في أوساط مختلفة داخل الإدارة الأمريكية وخارجها، وخصوصاً في العديد من البلدان العربية والإسلامية التي يتحدّر منها الغالبية الساحقة من المعتقلين، وأكّد أوباما أن الوقت قد حان لإغلاق منشأة تهدّد المصالح والقيم الأمريكية.

وتقضي الخطة نقل المعتقلين الذين لا يشكّلون خطراً كبيراً إلى دولهم وعدد منهم إلى الولايات المتحدة كما اقترح البنتاغون (وزارة الدفاع الأمريكية)، علماً بأن العدد المتبقي هو 91 معتقلاً، وذلك لإفراغ المعتقل من نزلائه وإغلاق أبوابه المفتوحة منذ 14 عاماً لطيّ هذه الصفحة من تاريخ السياسة الأمريكية. وقال أوباما في كلمته في البيت الأبيض 23 فبراير (شباط) 2016: إن مركز الاعتقال في خليج غوانتانامو لا يعزّز أمننا القومي، بل يهدّده، داعياً إلى الاستفادة من دروس ما بعد 11 سبتمبر (أيلول)2011 للتقدّم بالأمة الأمريكية قُدماً إلى الأمام.

جدير بالذكر إن مقترح أوباما لقي معارضة شديدة من جانب عدد من أعضاء الحزب الجمهوري البارزين وأعضاء في الكونغرس، معتبرين إن نقل إرهابيين إلى الأراضي الأمريكية، أمرٌ غير قانوني، وبالتالي غير مبرّر، مع أن تكلفة بقاء المعتقل تبلغ قرابة 445 مليون دولار سنوياً، وهو مبلغ كبير نسبياً. وكانت جهود أوباما لإغلاق المعتقل قد اصطدمت منذ العام 2009 بمعارضة الجمهوريين في الكونغرس، حيث يعتقد هؤلاء ولا يزالون، إن المُعتقل وسيلة مفيدة في مكافحة الإرهاب، على الرغم من رائحته العفنة التي فاحت لدرجة تزكم الأنوف، وفضائحه وسمعته السيئة التي أصبحت على كل لسان، في حين إن أوباما وآخرين من الحزب الديمقراطي، فضلاً عن أوساط أخرى واسعة داخل وخارج الولايات المتحدة، تعتقد إن وجوده يغذّي الدعاية الإرهابية ويشكّل بؤرة للإرهاب الدولي، بل إن الإرهاب الدولي بوجوده استفحل على نحو لم يسبق له مثيل، وخصوصاً بعد قيام تنظيم الدولة الإسلامية ” داعش” المنبثق عن تنظيم القاعدة، وقيامه باحتلال أجزاء حيوية من سوريا والعراق، وخصوصاً الرقة ودير الزور والموصل وغيرها، زادت على ثلث أراضي كل منهما، على الرغم من تراجعه مؤخراً، بفعل ما تعرّض له من ضربات، ولاسيّما في ظل التحالفات الدولية والإقليمية والمواجهات العسكرية التي أجبرته على التقهقر .
هناك خشية حقيقية من إن هذا النظام الشديد الاستثنائية الذي تبرّر الولايات المتحدة استخدامه، بحق معتقلي غوانتانامو، قد يؤدي إلى إطالة فترات الاعتقال إلى مالا نهاية، دون محاكمة بما يتعارض مع المبادئ القانونية والقواعد الدستورية الداخلية والدولية، فالاعتقال يتطلّب فترة محدّدة وقصيرة، حيث يتم التحقيق، وبعد الانتهاء منه ضمن الفترة القانونية، لا بدّ من تقديم المتهمين إلى القضاء، ليصدر الحكم بحقهم، أما وإن استمرار الاعتقال وأحياناً حتى دون تُهم محدّدة، فإنه سيعني قيام نظام جديد مواز من الاعتقال مدى الحياة، وذلك بحد ذاته يشكّل سابقة خطيرةً، في دولة يجري الحديث عن ديمقراطيتها العريقة، وإذا بها تتراجع أمام أول منعطف باستخدام وسائل لا تتفق مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان.
وبهذا المعنى فإن مثل هذا السلوك “اللّاقانوني” واللّاشرعي، يعني إصدار حكم بالاعتقال مدى الحياة ضد المعتقلين، وهو حكم لم يصدر عن محكمة، تتمتع بالحد الأدنى من مستلزمات المحاكمة العادلة المعروفة قواعدها دولياً. إن استمرار مثل هذه الإجراءات الاحترازية الطويلة الأمد وغير المحدّدة بزمن يشكّل انتهاكاً لنظام محكمة روما (المحكمة الجنائية الدولية) الذي أبرم في العام 1998 ودخل حيّز التنفيذ في العام 2002، ولقواعد القانون الدولي المعاصر والقانون الإنساني الدولي، ولاسيّما للشرعة الدولية لحقوق الإنسان.

ومن الناحية العملية يعتبر معتقل غوانتانامو النائي مكاناً معزولاً ومهملاً وغير خاضع للرقابة، ولم يدخله أي سجين بعد دخول محمد رحيم الأفغاني في مارس (آذار) 2008، وذلك بعد أسابيع من إعلان الرئيس جورج دبليو بوش رغبته في إغلاق المعتقل، ونقل عدد من السجناء إلى السجون الأمريكية الفيدرالية، فضلاً عن تصفية قضايا آخرين وإعادتهم إلى بلدانهم. وبقدر ما كان المعتقل مغلقاً وبعيداً عن الأضواء والإعلام، فقد كان الاعتقال فيه مفتوحاً بلا مدّة زمنية، وحتى بلا نهاية معلومة.
ويبرّر الجمهوريون سبب رفضهم إغلاق المعتقل إلى أن نسبة من المعتقلين عادت إلى العنف ومارست الإرهاب دون أن يتوقفوا في بحث أسباب ذلك، من العزلة إلى ممارسة التعذيب وأنواع المعاملة القاسية التي لقوها في المعتقل والضغوط النفسية والاجتماعية والدينية التي تعرضوا لها، بما يشكّل جريمة بموجب اتفاقية تحريم التعذيب لعام 1984 والشرعة الدولية لحقوق الإنسان، وهو ما اضطرّ أعداداً منهم إلى استخدام سلاح الإضراب المفتوح، ومطالبتهم بتحسين أوضاعهم وتقديمهم إلى محاكم مختصة وعادلة، أو إطلاق سراحهم إذا لا توجد تهماً محدّدة موجهة ضدهم.ويضاف إلى كل هذه الأسباب ، العوامل الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والدينية والتربوية وغيرها، ومن بينها الشعور بالغبن وعدم وجود نظام عادل للعلاقات الدولية.

جدير بالذكر إن بعض الإجراءات غير الشرعية وغير القانونية التي كانت تتبعها إدارة المعتقل، قد أضعفت “شرعية” اللجان العسكرية للمحاكمة، التي كان هدفها الأول والأخير هو الحصول على إدانة للمهتمين وليس معرفة الحقيقة، بما يعبّر عن روح الكراهية والحقد والكيدية، سواء بنصب أجهزة تنصّت في غرف المحامين وكلاء الدفاع عن المعتقلين، لتسجيل ورصد ما يدور بينهم، والتجسّس على البريد الاليكتروني، حيث قامت الحكومة بالإطلاع على نحو 540 ألف رسالة للسجناء ومحاميهم، الأمر يشكّك، بل ويطعن بعدالة وشرعية وقانونية مثل هذه اللجان، ناهيك عن الاستهداف السياسي الواضح الذي يلحق ضرراً بليغاً بالعدالة وقيمها.

لقد ألحق سجن غوانتانامو ضرراً كبيراً بسمعة الولايات المتحدة المتدهورة أصلاً، ليس هذا فحسب، بل كان أداة لتجنيد إرهابيين، خصوصاً بعد التلكؤ في تنفيذ الرئيس أوباما لوعده بإغلاق المعتقل، وكان يُفترض أن يتم ذلك نظراً للأوضاع اللّاإنسانية التي يعيشها المعتقلون وظروف حياتهم القاسية والعزلة المميتة، خصوصاً في ظل سياسة الاعتقال المفتوح، وهو ما جاء على لسان كارين غرينبيرغ مديرة مركز فوردهام للأمن القومي ومؤلفة كتاب ” أول 100 يوم في غوانتانامو” .
وكان مفوّض حقوق الإنسان السامي في الأمم المتحدة، زيد رعد الحسين قد دعا واشنطن إلى العمل على جلب جميع المسؤولين عن التعذيب داخل معتقل غوانتانامو في كوبا، إلى القضاء. جاء ذلك في كلمة ألقاها في اجتماع المجلس الدولي لحقوق الإنسان في جنيف في 10 مارس (آذار) 2016 ، حيث قال : “إن معتقل غوانتانامو أصبح خلال الـ 14 عاماً الماضية في رأي المجتمع الدولي رمزاً للتجاوزات والرفض…” وذلك بسبب اتباع سياسة تخالف القواعد الدولية للقضاء العادل والمستقل ولاحترام شرعة حقوق الإنسان الدولية.

وأعرب الحسين عن ثقته بأن إدارة أوباما تريد إنجاز إغلاق المعتقل لوضع نهاية للممارسات الصادمة بحق المعتقلين، واعتبر المفوض السامي إن انتهاكات حقوق الإنسان التي كشف عنها تقرير صادر عن مجلس الشيوخ الأمريكي (2015) لا يمكن أن تبقى دون عقاب بموجب القانون الدولي، مشدّداً على مسؤولية الحكومة الأمريكية في جلب المتورطين والمشاركين في التعذيب (في غوانتانامو) إلى العدالة .

يُذكر إن واشنطن تستأجر قاعدة غوانتانامو من هافانا منذ العام 1903 وكان مبلغ الإيجار قد تم التعاقد عليه مقابل 2000 دولار أمريكي في عهد الرئيس روزفيلت، ولا زالت واشنطن ترسل شيكاً بالمبلغ السنوي 2000 دولار أمريكي، ولكن هافانا ترفض سحبه، ولا زال عقد الإيجار سارياً، ولا يمكن إلغاؤه إلّا بموافقة الطرفين، ومع إن كوبا تطالب الأمريكيين الرحيل عن القاعدة، إلاّ أن واشنطن استخدمتها منذ العام 2002، أي بعد هجمات سبتمبر (أيلول) الإرهابية العام 2001 معتقلاً لجمع مئات من المتهمين بالارهاب والمتورطين أو المشتبه بتورطهم بأعمال عنف ومن مختلف البلدان والجنسيات.

وحتى لو أغلق المعتقل، فقد تبقى القاعدة العسكرية ، التي حرصت كوبا على عدم استفزاز الولايات المتحدة بشأن إلغاء عقد الإيجار أو إجلاء القوات الأمريكية بالقوة، متخذة من الحكمة والوسائل الدبلوماسية سبيلاً لذلك، بدلاً من المجابهة المباشرة التي قد لا تحمد عقباها، فضلاً عن أنها ساهمت في عزل القاعدة عن محيطها الكوبي، ولعلّ المعتقل الذي هو في خليج غوانتانامو ويبعد نحو 90 ميل عن فلوريدا، يمثل الوحشية التي يشهدها عصرنا، فلا ينطبق عليه أي من قواعد الشرعة الدولية لحقوق الإنسان أو قواعد القانون الإنساني الدولي، ولا حتى المبادئ القانونية والدستورية العامة، وكان أول معتقل وصل إليه يوم 11 يناير (كانون الثاني) العام 2002 وبلغ عدد المعتقلين 775 معتقلاً، تم إطلاق سراح 520 منهم ولم توجّه لهم أية تهم محدّدة.

وتعتبر عمليات التعذيب والعقوبات والمعاملات القاسية والحاطّة بالكرامة انتهاكاً للمادة 5 من الاعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر العام 1948، وكذلك للمادة 9 التي تؤكد عدم جواز القبض على إنسان أو حجزه أو نفيه تعسفاً، وله الحق في المساواة مع الآخرين (المادة العاشرة) ومن المبادئ القانونية المعروفة: أن لا جريمة ولا عقوبة إلاّ بنص، وإن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، وإن حق المتهم في المثول أمام محكمة مستقلة ونزيهة.
ونصت المادة السابعة من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية الصادر العام 1966 والداخل حيز التنفيذ العام 1976، بعدم جواز إخضاع أي فرد للتعذيب أو لمعاملة قاسية ومهينة ولا إنسانية، مؤكداً على حقه في الحرية والسلامة الشخصية وعدم جواز أي اعتقال أو إيقاف تعسفي، ولا بدّ من توفر الضمانات للمتهم عند النظر في أية تهمة جنائية ضده وإبلاغه فوراً بسبب الاتهام الموجّه إليه.

جدير بالذكر إن بعض المعتقلين تم اعتقالهم في ظروف الحروب التي قامت بها الولايات المتحدة، الأمر الذي يقتضي معاملتهم كأسرى حرب بتطبيق اتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقيها لعام 1977، عليهم، ولاسيّما الاتفاقية الرابعة، لكن واشنطن رفضت اعتبارهم أسرى، ولا تزال تتعامل معهم بصفتهم إرهابيين خطرين جداً ولم تمنحهم الحصانة القانونية المتعلقة بالأسرى حسب قواعد القانون الإنساني الدولي.

واليوم وبعد 14 عاماً من المعاناة والمآسي من جانب المعتقلين من جهة، والانتقادات والملاحظات، لانتهاكات وخروقات واشنطن للمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، ولقواعد القانون الإنساني الدولي من جهة أخرى، لاسيّما بخصوص ما جرى ويجري في غوانتانامو، فلا بدّ من العمل على إحالة المتهمين إلى المحاكمة فوراً طبقاً لقواعد القانون الدولي، أو الإفراج عنهم وتعويضهم عمّا لحق بهم من غبن وأضرار فيما إذا لم تكن هناك تهمة موجهة إليهم، والعمل على وضع فكرة إغلاق المعتقل موضع التطبيق باعتبارها قضية رمزية إنسانية من العيار الثقيل، ثم لا بدّ من مساءلة منتهكي حقوق الإنسان، بغض النظر عن التهم الموجّهة إلى المعتقلين أو الجرائم التي ارتكبوها، إذ إن ذلك ليس مبرراً لإخضاعهم لسوء المعاملة أو للتعذيب أو لمخالفة اللوائح السجنية المعتمدة دولياً، كما ينبغي إعادة الاعتبار إلى نظام العدالة الدولية المسفوك على مذبح السياسات العدوانية الضيقة، ذات الوجهة الوجهة الانتقامية الثأرية اللّا إنسانية.

لا تعليقات

اترك رد