ظالم ومظلوم

 

قد يصير الإنسان أسير أفكار انغرست فيه وكونته مثل الشجر . بعضها يتطاول وبعضها يتعقد وبعضها يستطيل وبعضها يضرب جذره عميقا في الأرض. وقصص التاريخ تروي لنا حكايات غريبة تُغرق بالصدف أحيانا وتجافي الواقع وتقترب من الخيال.

ويميل البعض ومنهم أنا إلى تقصي الحقائق واستكشاف أغوار المجهول وصولا إلى المعلومة الصحيحة ولو كلف الأمر زيارة الصين طلبا للعلم وعملا بتوصية رسول الله (ص) ” اطلب العلم ولو في الصين” . الظالمون كثيرون والمظلومون كثيرون وبين هؤلاء وهؤلاء تضيع حقائق في كثير من الأحيان . قد يكون الحجاج قصة من قصص الكثيرين الذين أثاروا الجدل عبر التاريخ . فمن هو الحجاج؟ وكيف عاش وما نوع حكمه ونترك لكم قبول التصنيف التاريخي أو رفضه.

يحكى أن الحجاج بن يوسف الثقفي كان سحابة من السواد والخوف والكراهية التي تغشى العيون مثل قطع الليل الأسود البهيم . كان غارقا في الدماء ورمزا للظلم وكتلة من الجبروت والقوة والإرهاب والطغيان . وعند ذكر اسمه ترتعش الفرائص وتخفق القلوب ولو تجرأت وقلت لأحد أن الحجاج كان مظلوما لنطق ألف صوت حتى يومنا هذا بالشجب والاستنكار لأنه عبر التاريخ كان شيخ الظالمين ومهندس منظمة القمع والقتل والإرهاب ولا يزال دم ضحاياه يدعو الله أن يجعله نارا تحرق بها الحجاج ومن لف لفيفه . وتروي كتب التاريخ أن ” سيفه كان أسرع من كلمته ” . فهل يمتلك أحد الجرأة لذكر مناقب السفاح الذي أرهب الناس بلا رحمة أو وجل ؟

كان الحجاج يظهر قناعته الباردة المطمئنة بأنه يرعى المصلحة العامة للدين والبلاد والعباد وكان على خلاف دائم مع رعيته حيال تطبيق القانون إبان حكمه. كان أحدهم يكتب له على الجدران مستشهدا بالقرآن الكريم : ” قل تمتع بكفرك قليلا ، إنك من أصحاب النار.” وكان الحجاج يكتب بجانبها دائما حيثما شاهدها : ” قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور.” كان رأيه بنفسه رأي واثق يعيش على حد الشفرة فقد كان أحد البلغاء العرب والخطباء الكبار ولم يكن عبدا للمادة أو سارقا لبيت المال أو مرتش وكان بيت مال المسلمين في وقته يحتوي حوالي / 500 / ألف درهم على ما تذكر كتب التاريخ وقد بقي حاكما مطلقا لمدة / 20/ عاما وعندما توفي بلغت ثروته / 300 / درهم .

بنى الحجاج جيشا قويا استطاع أن يصل إلى حدود الهند والصين وقد عهد في قيادة الجيش إلى ابن عمه محمد بن القاسم الثقفي كما بنى الحجاج أربع مدن أساسية في العراق وخراسان كان أهمها واسط وبنى الأسوار المزدوجة ثم عرّب الدواوين والعملات وصنع النقود وضبط عيار الذهب والمكاييل والأوزان واستصلح الأراضي وضبط الزراعة والصناعة وأقام الجسور وقدم القروض .

ثم انصرف إلى القرآن الكريم وطلب من عاصم الليثي تنقيط القرآن وضبطه من اللحن ووضع ضوابط لأشكال الحروف ونطقها.

وفي حالة الحجاج يمكن أن نستحضر قصة امرأة كانت تقوم بالواجبات الدينية كلها ولكن عندما سئل عنها رسول الله ( ص) أجاب قائلا : ” دخلت امرأة النار في هرة ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض” عن ابن عمر / صحيح البخاري: 3071 . في رأي رسول الله ورأيه قانون يتّبع الظلم على الحيوان ممنوع فكيف بظلم الإنسان لأخيه الإنسان ؟

دروس الحياة كثيرة وإشارات الله لا حصر لها فمن يعي الحياة ودروسها ؟

لا تعليقات

اترك رد