المعلّم الدكتور ثامر مهدي

 

تتألق الصورة بجمالها الاخاّذ لتسكن في ذهن الطالب على اعتبارها بنية جمالية وفلسفية تستمد قوتها من شعور الكاتب بأنه فنان عالم بالحب المعرفي الثامن على اعتبار ان السينما هي الفن السابع, وهو الاسم الذي اطلقه عليها المنظّر (البطران) كانودو ,فالفنون السبعة عند ثامر مهدي اكملت اشتغالها في محاضراته ليمثّل لوحده جانب معرفي وجمالي وفلسفي يتم طرحه في مجموعة محاضرات يمكنها ان تكون دروسا مقروءة ومرئية معا ,فانك حينما تجلس امام هذا الرجل تشعر بأنك امام موسوعة في جميع الفنون السبعة ويعبر بك حتما الىصياغة نبوءات هامّة وخطيرة فتتصور انك لاشيء امام هذه القامة العتيدة المخيفة المرحة, فهو لا يخيفك رعبا بل يخيفك معرفيا وجماليا بطرح يبكيك احيانا ,

ويضحك في كثير من الاحيان بطرح يكاد يكون متفرّدا ان لم يكن كذلك .كنّا نجلس منهزمين من هموم الحياة الدراسيّة في الثمانينات من القرن الماضي فيأتي ثامر مهدي ليلم شتاتنا المنهزمة في غرفة صغيرة ننسى فيها انفسنا لنبحر في فنّه الثامن بايقاع متصاعد كأننا نشاهد تشكيلة من الافلام التي شاهدنا بعضها سابقا لكننا نراها الان بصورة اوضح وارقى بقراءات مضيئة فيها قدر كبير من الاكتناز والامتلاء المعرفي اذ يستعين ثامر بالسرد المتفرد فيطرح تجاربه اليوميّة مع مختلف القيم ويجعلها رموزا تعلو على أنفسها وتخلق كونا جديدا فيه من السخرية والجدّة والقوّة والحزم واللين احيانا والضحك الى حد القهقة فتدمع أعيننا ضحكا على حبكة كانت تبدو لنا في منتهى الحزن والرعب ..فهو مرّة يتحول امامناالى كانت الفيلسوف ,ومرة هيتشكوك المرعب ,سارتر احيانا وكوبولا وهيمنغواي واجاثا كريستي وارسطو ,ورجل دين متزمت ولا يطيل في هذا كثيرا لانه بدر شاكر السياب في جمال صوره ويردد (الظلام حتى الظلام في بلدي اجمل لانه يحتضن العراق ) ,(هكذا احب أنا انأكتبها), ويلوم الشاعرة نازك الملائكة لانها لم تموت في عشق السيّاب وبانه كان يستحق ان تموت كل النساء فيه حبا ..

شعر وفلسفة وسينما واجتماع وفن تشكيلي وووو,كل هذا نجده في درس تكتمل فيها الحبكة والشخصية بصور عدّة وكأنك تجلس في قاعة مظلمة تتوحّد فيها مع خطاب معرفي بالصورة واللون والفلسفة التي تحترمها جدا لانك تشعر حينها بانك جزءا منها مهما اختلفت في فهمها وتفسيراتها,ومهما صعبت في فك تشفيراتها, لان ثامر يجد لكل تلك المفاهيم التي قد تبدو مقفلة امام ذهن الطالب, فيجد لكل واحد منّا او لكل مجموعة من الاقفال مفتاح مناسب فتتقبل منه المعلومة وكأنه يزقّ لك الحب وسط الفكرة التي ينوي طرحها, فتخرج وانت متخوم بمشاهدة لافلام كانت مشاهدتها في منتهى الصعوبة, وتتشوق للبحث عنها دون ان يطلب منك ذلك ..تلك هي بعض من طرق ثامر مهدي في التدريس والتعليم الذي استحق عنه لقب معلّم, وهو اللقب الذي يعتز فيه ايما اعتزاز,ولعمري انه يستحقه ومن الاجحاف ان يجلس في الغربة صامتا الاّمن بعض انفاس نسمع فيها ولا نراها بالرغم من الثورة الاعلاميةالعظيمة التي تغطينا وتكشف عن مكامننا دون ان نعلم لكن ثامراغائب منذ عام 2008 بحجة ان لا جدوى من الكتابة ! كيف ايها المعلّم وانت من صنعت مجدا قوامه طلّابك الذي يقلّدون حتى طريقتك في سرد (النكتة ) ؟..

كيف وانت من تعيش مع طلبتك الاوجاع والمسرّات برواية فضائها انت قبل ان يكتبها فؤاد التكرلي ,وقبل ان يحوّلها محمد شكري جميل الى فيلم لم يرى النور للان ..ذلك لانك كتبت السيناريو لنا حينما كنّا اولادك في الصف وتسرد لنا اوجاع العالم ومسرّاته ولم نكن نعلم بانك ستكتبها ذات يوم بفيلم لا نحتاج الى مشاهدته ولا نترقب ظهوره لاننا شاهدناه مسبقا وكشفت لنا خفايا الموضوع وجمالياته لكنك لم تكتب النهاية وتركتها مفتوحة لان النهايات عندك صعبة, فالنهايات لانكتبها نحن وقد تأتي بطريقة لم تكن متوقعة أو قد يمليها علينا شرطي قذر, أو متأشرط يهبط علينا من السماء ديكتاتورا لا يعرف ثامر مهدي ومن يكون, ولا يهمه زيد او عمر, المهم ان يزهق الروح التي اشاعت الجمال في قلوب كثيرة ..كان يوصينا ان نكلّمه حينما نجده واقفا مع امرأة وحتى لا نحييه لانه سيكون مندمجا الىحد الغاء الزمان والمكان والكيفيّة ..

اتركوني في هذه اللحظات الجميلة ولا تنغّصوا عليّ حتى اتيقّن بانكم تحبّوني. كنت انا ابحث عن تلك اللحظات كي احييّه وامعن في تحيّتي له بل اختلق الاسئلة والافعال و الحوارات التي لا أبغي منها الاّ ان استفزّه فيتلاعب بعينيه الىالاعلى والاسفل ويسحبني من يدي التي يحاول ان يقتلعها من مكانها:(ولك انت شرطي لو بالامن..انت عزرايين مسلطك عليّه ..ابتلي اسو لفويّه مره رأسا تطلعلي ..بس كلّي وين اروح منّك )..واختنق بضحكة واركض قبله الى المحاضرة فيدخل منزعجا وهو ينظر لي غاضبا لكن غضبه يتحول الى ابتسامة ساحرة منه وجملة ساخرة لا أجمل وأرق منها وهذا جزء من سبب استفزازي الدائم له .يمتدح من يستحق ويذم من يستحق دون خوفا أو وجل ,يعلن عن مواقفه في منتهى الشجاعة ,يطرح المعلومة في اكثر من صورة تتسابق مع بعضها كي تبني مساحتا معرفيتا يسبح فيها كل من يسمعه مهما كان مستواه المعرفي لانه معلّم قبل كل شيء .أما كونه كاتبا ومؤلفا وسيناريست فتلك مسألة اخرى لا أراها مهمّة كثيرا لانني اراه معلّما للفن والجمال اكثر من كونه فنّانا وما فنّه سوى أنموذج تطبيقي لما تم طرحه في محاضراته وحتى في احاديثه الجانبية ..

حينما يكتب فيلما أو مسلسلا أو تمثيلية فأنه يحاكي صورا وحبّا يسكن ذهنه المتربص لجمال الصورة والصورة الحسّية المعبّرة التي كان يؤكد عليها دائما, فذلك جموح الحصان الذي يمتطيه العاشق جواد الشكرجي في الفيلم الذي كتب له السيناريو ثامر مهدي عن رواية لعبد الخالق الركابي ..الجموح للحصان الذي يعبّر عن دواخل شخصية العاشق الذي يمتطيه فتشعر حينها بأنك امام روح متوحّدة قوامها كنية أو صفة أو شعور أو فكرة تشابه الى حد بعيد شعور عطيل الشكسبيري المغربي في لحظة غضب غبيّة يقررّ فيها ان يقتل حبيبته اثر سماعه خبر خيانته المزعومة, لكن النهاية مختلفة هنا لان ثامر مهدي لايريد ان يقول بان ابطاله لايمتلكون سوى العضلات في غياب كامل او شبه كامل للوعي كما فعل الحمار عطيل حينما قتل الجمال ,بل ان ثامرا يعاقب من اغتصب الجمال فيبتر ذكوريته كما فعل مع السركال في فيلم العاشق,وهذه الرموز والصور الجميلة الممتلئة فلسفة وجمال, وتلك النهايات هي من تحاكي وتداعب شغاف قلب الثامر مهدي فيسبغ عليها البنىالجمالية التي يعشقها ,ويتعامل مع احداث الرواية كأنها ارضيّة أو مساحة من البنية الاجتماعيّة التي تختزن جمالا يحتاج الى باحث أو عالم أو معلّم كي يظهرها الى المتلقي السينمائي بصور جلية واضحة برموز تعلن عن السهل الممتنع ,

وهذا ماعمل عليه ايضا في فيلم الظامئون الذي اخرجه محمد شكري جميل اذ بحث في الرواية عن الرمز الكبير (الجفاف) وجسّدة في رسم صوري أخاذ لما يدور في خلد العراقي انذاك وضميره وتنبأ لما سيكون في المستقبل حينما يصل العراقي الى حقيقة مفادها ان الجفاف حالة تسكن التربة, والتربة تسكن القلب والضمير, لذا فانها حالة لايمكن لا لدجلة ولا للفرات انيقضيان عليها, وما حلّها الاّ مطر السماء ,فالسماء اختارت الجفاف لهذه التربة وستبقى كذلك والدليل ان المسرّات والاوجاع مازالت مسيطرة رغم علو كعب الاوجاع على المسرّات لكنك في النهاية تتفاجأبانك امام فيلم وعليك ان تخلق فسحة من الامل فتمطر السماء لكنها حالة افتراضيّة ليس لنا قدرة على استحضارها مهما طالت وكثرت صلوات الاستسقاء فالجفاف مستوطن في اعماق اعماقنا .

ولد الدكتور ثامر مهدي عام 1942 في بغداد ودرس الفلسفة في كلية الاداب وتخرج منها عام 1964 متفوقا على زملائه وعيّن معيدا .لم يفارق ذهنه الفن والحب والجمال وحاول تجسيد ذلك في اعمال فنية كثيرة للضرورة اذكر بعض منها : فيلم (الظامئون) عن رواية عبد الرزاق المطلبي 1971 وفيلم (المسرات والاوجاع) 2013وهما من اخراج محمد شكري جميل عن ورواية لفؤاد التكرلي ,فيلم العاشق وفيلم( العربة والحصان)1989 وهما من اخراج محمد منير فنري ,وتمثيلية (ذلك الانسان) 1976من اخراج عماد بهجت , مسلسل (السفير ) 1995عن المطرب ناظم الغزالي وهو من اخراج فلاح زكي ,مسلسل (حرب البسوس )اخراج ع.ن.ر ,وكتب سيناريو فيلمين تسجيليين للمخرجة (خيرية المنصور )هما (فيلم (عاشق السينما ) عن المخرج والمونتير العراقي صاحب حدّاد ,وفيلم (الحلم الذاكرة ) عن الفنان الممثل عبد الجبار كاظم .وله اعمال اخرى ومؤلفات اذكر منها كتاب (من الاسطورة الى الفلسفة والعلم ) 1990اصدار دار الشؤون الثقافية .استاذ الفلسفة والسيناريو وعلم الجمل, الرجل الساحر الساخر صاحب التعليقات الحادة الذكيّة سريع البديهيّة الصريح الصارم الشجاع, قوي الحجة, الذي لايتوانى من الاعتراف بخطأ المعلومة او غيابها حينما تنبّهه عن ذلك ,المعلّم الذي يهتم بالجميع,

لكنه يقترب من طلبته المتميزين ويهتم بهم اهتماما بالغا ويخبرهم بذلك لانه معلّم وفنان ومربّي يفلسف الاشياء ,يحبّبك في الحكايات والافعال مهما كانت بسيطة ويكرّهك بأشياء كنت تظن انها في منتهى الاهمّية ولا أنسى يوم سفّه لنا لعبة كرة القدم حينما قال (من المعيب ان يركض مجموعة من 22 لاعب مشوربين خلف جلدة منفوخة همهم الوحيد ان يدخلوها في (زرف) والاف مؤلّفة يصفقون ويتقاتلون فيما بينهم ,اية حماقة هذه ) ..واية حماقة وظلم ان يكون المعلّم ثامر مهدي خارج اسوار الدرس ليصمت ويعلن عن اللا جدوى .. المعلّم ثامر مهدي مشتاقلك جدا ورب الكعبه .

لا تعليقات

اترك رد