منهج العقل العلمي وثنائية الخطاب بين إنسانيته ونقيضها

 

نافذة 3: منهج العقل العلمي وقدرات الفعل

المعالجة كاملة

إرادة اتخاذ القرار وتلبية تحققه الفعلي هي إشكالية مهمة وجوهرية لدى الإنسان بوجوده الفردي والجمعي. ولطالما تحدث الإنسان عن وجود إرادة اتخاذ القرار وقدرة فعله وتنفيذه من عدمها مثلما تحدثه عن إرادة القرار السياسي الوطني وتوجهه نحو تلبية مطالب العيش والسير بأنسنة معالمه. ولطالما تحدث الناس عن تنمية الشخصية بما يجعلها تمتلك إرادة حرة مستقلة شخصيا وجمعيا…

المشكلة أن إرادة عند فرد أو مجموعة لا يمكننا أن نقيسها كمياً لأنها قضية نوعيةي لا تحسب بمعدلات إنتاج مادية محسوسة وملموسة بل هي بوضوح إشكالية معنوية تمنح أثرها في إنتاج الفعل عبر مسارات قيمية وسلوكية وممرات قياس غير مباشرة هناك في الوجود الفكري القيمي وفي مجالات علمي النفس والاجتماع وفي معطيات النظري وأبعاده..

لن نستطيع إذن، السير بمعالجتنا إلا عبر التحدث عما يُنشئ الإرادة من جهة ويقويها ويعمدها وعما يدفعها ويحفزها لتكون صلبة ولتكون معطاءة مميزة في منجزها.. وطبعا هنا عبر خطى ومراحل غير مباشرة قبل أن نعاود الوصول إلى (الإرادة) وتوافرها من جهة كونها وجود داخلي للشخصيتين الفردية الجمعية للبشرية..

في مدخل باتجاه هذه المعالجة أقول: أنْ لا وجود لقدرة الفعل من دون شروط بعينها تتوافر في بناء الشخصية المادية و\أو المعنوية أقصد الشخصية الإنسانية الفرد مادية محسوسة والأخرى المتجسدة في وجود مؤسسي و\أو أي تشكيل منظم بأسس بعينها ولكنه بالمحصلة يمتلك شروط عمله عبر ممر إرادة اتخاذ القرار وقدرة الفعل لتلبية التنفيذ..

لعل أول تلك الشروط تتمثل في وجود (إرادة) اتخاذ القرار بقصد أداء الفعل وتحويله إلى واقع.. وهي أي تلك الإرادة تمثل قوة داخلية تمهد لإشراقة في الأداء في ضوء إقبال على الحياة وعلى الهدف فيها. حيث التفاؤل عند الشخصية الإنسانية المحسوسة للفرد وحيث التفتح والتنوير عند الشخصيات المؤسسية المنظمة في جمعيات وأحزاب وحركات…

وهكذا فـ (إرادة) اتخاذ القرار عادة ما ترتبط بطابع الشخصية إن كانت شخصية مستسلمة لإحباطٍ أو يأسٍ وتخاذل، أم العكس. فالأولى السلبية هنا لا تمتلك إرادة اتخاذ القرار والفعل؛ وغالباً ما تتجنب أية مواجهةٍ أو دفعاً نحو اتخاذ قرار لفعل وحركة.. ونقيضها تلك الشخصية المقبلة على الحياة الرافضة اليأس والإحباط، فهذه عادة ما تكون قوية الشكيمة، مكينة العزيمة.. وتراها تقتحم الصعاب وتجابه العقبات لتؤكد إرادتها لا في مجرد اتخاذ قرار في أفق االأحلام بل في أدائه كي لا تصير الأحلام أوهاما ومخادعة للذات والآخر، وبمثل هذا التوجه وحقيقة اشتغال العقل فيه، وأبعد من إرادة صياغة الحلم وتنفيذه تتجسد في إرادة التميز فيه وإظهار نسب جودة في الإنجاز بما يختصر الجهود وتكاليفها المادية والمعنوية…

إن التنفيذ بمعنى قدرة الفعل والتميز فيه كما يدرك الإنسان باستمرار تقتضي بذل الجهود المضنية وربما التضحيات الجسام للوصول إلى الهدف المنشود. ذاك الجهد يساعده على قياس ما نهض به من جهة وتحديد مستويات الوصول إلى الغايات والأهداف ويثير فيه دوافع وحوافز التقدم أكثر بإرادة مكينة مستقلة تتحرر من مؤثرات السلب عليها…

والإنسان بهذا إذاً، يدرك بأن كل فعل وقرار أدائه يتطلب مجهوداً هو ما يقيس به المنجز عندما تكون منجزات الأداءات والأعمال ونواتجها غير محسوبة كمياً مادياً؛ أي عندما تكون غير ملموسة بمنتج مادي بعينه، كما ببعض الوظائف الخدمية وإدارة الأعمال العامة والخاصة يبحث في قراءتها عبر معايير أخرى بقصد التقويم وتعزيز إرادة المتابعة والتمسك بمسيرة الفعل وعدم مغادرته على خلفية الإحباط والانكسار..

في تلك الوضعية، وعند اتخاذ قرار التقييم ومنح المكافأة \ المحفز، كثرما جابه العمل بمنتوجه غير الملموس ذاك، مصاعبَ وضع معيار مناسب لحسابه بدقة والتمييز بين أوائل حالات الإنجاز وأكثرها تميزاً. ولربما اختلطت هنا الأمور فتحولت بإرادة قرار الاستمرار في النهج إلى انحرافات وتشوهات يظن أصحابها أنهم يتابعون أنسنة المسار فيما يقعون بفخاخ ويوقعون الآخرين فيها معهم على خلفية تقييد إرادة اتخاذ القرار سلباً..

ويهمنا هنا بالأساس التركيز على صواب ما يفعّل (إرادة القرار والفعل أو الأداء والتنفيذ)، بدءاً بما ذكرنا للتو ومروراً بوجود هدف مرغوب يشجع ويحفز على اتخاذ القرار.. وعلى سبيل المثال فإن الحصول على تخصص بعينه يجعل المرء أكثر ميلا لدعم إرادة القرار وقدرة الفعل والأداء للوصول إلى ذياك الهدف الذي يرسم استراتيجياته وتكتيكاته في ضوء وسائل الوصول إليه ودروبها ألا نلاحظ (طلبة العلم) يختارون التخصص ويبدعون في التعمق فيه بقدر تلاؤمه مع خياراتهم وانسجامه مع قدراتهم ليصلوا لمبتغاهم الأفضل والأنجع في ذاك الخيار..؟

وفي ضوء تلك المسلمات أو البديهيات، نرى أنّ لا اشتغال للعقل العلمي بل سيكون الاشتغال مستحيلا ما لم نوجد الدافع وأرضية مناسبة تهيئ المرء للأداء، أولا من جهة منحه قدرة التفكير والمعالجة والتحليل ما يتطلب المعارف والعلوم المناسبة والوضع الثقافي الملائم لاتجاه اشتغال العقل.. وثانيا بأن نوجد حال امتلاك الحافز محدد الهدف…

وبشأن المحور الأول نشير إلى إعداد الشخصية في محاور المعرفة، الثقافة، الوعي وغيرها. لكننا مازلنا نبحث هنا في عوامل دفع إرادة الفعل باتجاه القدرة على أدائه وتحقيقه، وهذه البديهة، تؤكد أن لا اشتغال للعقل بالإيجاب من دون إرادة الفعل ومن دون القدرة على تحقيق ذياك الهدف المتبَنَّى بتوافر أسباب تحقيق الفعل وأسلوب الوصول إليه..

نؤكد مجدداً هنا، أن ذلك سيتم بفضل اختيار خطاب الإيجاب طريقاً لأن نقيضه لا يعني سوى تعطيل قدرات الفعل وحركة البناء فيه لحساب الفعل سلبا أو اللافعل وخوار العزيمة بما يدخل في حركة الهدم والتدمير فيه وبمعنى الخضوع لقيم سلبية الاتجاه وسيادتها في الأداء بالمطلق وهو ما يتعارض ومنطق العقل العلمي وفروض منهجه.

فما الذي يلبي رؤيتنا هذه؟ ما الذي يمكنه أن يعزز خيار إعلاء إرادة الفعل واتخاذ قرار مباشرته؟

باختصار وبمرور مباشر عاجل وموجز، لعل اتحاد الدافع بالحافز أي الذاتي بالموضوعي؛ حيث الدافع يأتي لإشباع رغبة أو حاجة بدنية مادية أو معنوية نفسية قيمية على أنه قوة داخلية تنطلق من ذات الشخصية الفرد أو الجماعة، لتستجيب أو تؤكد الرغبة في الأداء وفي التميز من دون مؤثرات خارجية تلك التي إن وُجِدت فسنصفها أو نسميها: الحافز المحرك الذي لابد أن يكون خارجيا موضوعي التحقق بفضل اشتراطٍ، يلزمنا بأن يكون تحققه وامتلاكه نابعا من وجود الآخر ومن طابع علاقتنا بالآخر وما يمنحه ذاك الآخر من عوامل تثير الرغبة في التقدم للفعل، على أن نضيف هنا، من أجل تحقق فاعلية الحافز أن تنطلق تلك الفاعلية من انسجام الحافز ذاته مع هدف المرء بكلا حالتي وجوده الفردي والجمعي..

إن موضوعية التوصيف التي نسبناها إلى الآخر تتأتى من كوننا نحيا وسط وجود مجتمعي متعدد الأطراف، معقد العلاقات ومن كون اشتغالنا يمد جسور فعله عبر تلك العلاقات المتشعبة.. وبصياغة أخرى فإن تلك الموضوعية، تكون في الغالب، مستندة إلى طابع ما يمنحه محيطنا من أدوار وعلاقات وهيكليةِ بناءٍ تبحث في ضرورة وجود حوافز تشمل منح الجميع معاضدة وتقوية (إرادة) اتخاذ القرار ومن ثمّ أداء الفعل وإنجازه بتميز..

وباتحاد الدافع بالحافز وبانسجام المؤثرَيْن نتحرك باتجاه إرادة أقوى وأكثر فاعلية حيث اتخاذ قرار الفعل وتلبية مطالب الأداء والتحقق عبر حركة دائبة مستمرة، منتجة مثمرة.

إلا أننا في عالم يظل معقداً تكتنفه فوضى العقبات وأنتروبيا الفعل ما يتطلب إعادة تنظيم أو تغيير جوهري من عشوائية الطابع إلى مرحلة منظمة تعني مجتمعيا تمدين المجتمع وتحضّره وتشغيل منهج العقل العلمي أسلوباً لتقوية إرادة الفعل بل غيجاده عند الفرد والجماعة.

ولهذا فإن إمعاننا النظر في مجتمعاتنا بعالمنا النامي ووسط جالياتنا شبه المعتكفة المنعزلة تجعلنا نجد كثرة أو نسبة غير قليلة بين شخوص وجودنا الإنساني ذاك، تتملكها أو تفرض سطوتها عليها ما يسميه الباحثون والعلماء متلازمة انعدام الحافز معبرة عن حالة يفقد فيها المرء الرغبة بأية مشاركة عامة وتسود سلوكيات اللامبالاة أو كما يقول العراقيون: الشعلينة لازم، كلما تعلق الأمر بالآخر وحيثما تعلق الأمر بالوجود الخاص يتم اتخاذ مسار يتحدد وصفه بهزال إرادة اتخاذ القرار وتلبية شروط تنفيذه..

وعلى الرغم من أن العلماء يتحدثون عن أسباب نفسية كما بظاهرة سلوك انسحابي دوائي في قراءة هذه القضية إلا أن ظاهرة انقطاع الصلة بالأنشطة العامة تبقى مركبة الدواعي والأسباب بين النفسي والاجتماعي وسياقات الطحن المأساوية وما يصادفه المرء من آثار للعلاقات المجتمعية وقوانينها الهمجية التعسفية وما تفرضه من استسلام لمثيرات الإحباط واليأس والسلبية…

هذه الظاهرة (المرضية) المتعارضة مع اشتغال العقل العلمي ومنهجه ومنطقه لها سمات بأكثر من مستوى ومحور أبرزها: حال شرود الذهن وعيش المرء منطوياً متجنبا الأنشطة العامة، وخضوعه لثقافة قدرية جبرية تشل إرادته وتدفعه إلى التنحي والانفصام عن الآخر و\أو الاعتزال بعيداً عن أية فرصة لإبراز إرادة الفعل ومكافحة ما يجابهه للوصول إلى مبتغاه. إنه يحيا الوهم ويمضي في خطاه بمنطق الخرافة بقدر ما يقف الأمر عند شل العقل العلمي عن الفعل واتخاذ القرار.

وهنا طبعاً وبالتأكيد، يفقد المرء بوجوده الشخصي الفردي والاجتماعي العام طاقته على الحركة وحيوية اشتغاله معتكفا بلا مبالاة تجاه أداء الفعل المطلوب منه أو الواجب المفروض عليه أو المفترض فيه أداؤه بكفاءة..

ولمن تابع المعالجة هذه بدقة لابد أنه أدرك ثنائية الخطاب بين إنسانيته التي تقتضي سلامة النهج وتشغيل العقل العلمي باشتراطاته مقابل طابع السلبية والاستسلام والخضوع لآخر مخرب هادمٍ عبر حال تعطيل العقل العلمي وإرادة اتخاذ القرار وبذل الجهد ولا نقول التميز..

إن تلكم الثنائية تقتضي دائما الوصول إلى جمهورنا الواسع ومساعدته على وقف الخنوع والاستسلام كيما ينهي مرحلة جمود وتبطل على طريقة: أقعد بالشمس لمّن جيك الفي أو حتى يأتيك الظل.. والتبطل يشل الإرادة عند المرء والمجتمع بما يفرض قسراً، سلوك اتجاه يتعارض ومنطق العقل العلمي ومعانيه في أنسنة وجودنا فيقع العاطل منزوع الإرادة في حفرة أو هاوية بلا قرار تظل تتوالد فيه ذرائع الخنوع لدوامة خيارات تتعارض والتحرر والتقدم وخيار التنمية البشرية وتهيئتها ببناء إرادة اتخاذ القرار فيها..

إننا اليوم في نموذج بعض بلدان منطقة الشرق الأوسط كما العراق، لا نقف أمام مشهد يسود فيه خطاب الخرافة ومنطقها ومن ثم نزع إرادة الفعل وقدرته والاستسلام لخيارات سلبية تهادن الآخر وظلاميات اشتغاله الهدمي التخريبي بل مثل تلك الخيارات بمستوى اشتغال برامج التنوير لا تعني سوى المساهمة مع سلطة التخريب الظلامية على حرث مزيد العقبات والمصاعب للآتي من مهام التغيير وخطاه…

إن شكل تحالف بعض قوى التنوير مع تيار لم يغادر خطاب الخرافة واشتراطاته في بطرياركية النهج وتقلبات القرارات وإلزام الجميع بآليات هيراركية على تنفيذ تلك التقلبات المزاجية هي مزيد من إحباط بل مزيد من تنفيذ لمنطق الفالب السائد من ظلاميات وحتى لو جرى التقدم خطوة بسبب خارجي على سبيل المثال في دعم نهج التغيير فإنه سيجابه بشخصية لم يجر تهيئتها لمرحلة التغيير حيث تتطلب تشغيل العقل العلمي ومنهجه وفروضه..

إننا بحاجة في جبهة التنوير يجب أن نراجع قراراتنا بما يلبي مبدأ تشغيل علمية العقل ومنهجه القائم على قوة إرادة الفعل وتلبية اشتراطات البناء من حيث بذل الجهد والمشاركة النشطة مع الآخر..

لقد مررت على الإشكالية من بعض أمثلة تطفو اليوم في حيواتنا وينبغي أن نتفاعل بالقدر الذي يتيحه اتفاقنا مع المبدأ لا بما تقسو علينا حال استسهال أو مجاملة أو ظن ووهم لا يقع بمجمل تفاصيله إلا في خندق استلاب الإرادة والخضوع للخرافة وظلامياتها بمعنى تعطيل العقل فينا دع عنك تعطيل المنهج العلمي في اشتغاله ومنجزه..

فهلا استفدنا من التمعن في الفكرة؟ هل تذكرنا من نحن وما هدفنا الرئيس الأساس؟ وهلا تمسكنا بهوية مبادئنا التي تنحو نحو أنسنة وجودنا؟

القضية ليست في قرار سياسي أو اجتماعي أو فردي خاص بل هي قضية التمسك بإرادة حرة مستقلة وتقويتها ودعم صلابتها بما لا يوقعنا قرار بفخاخ الظلامي.. على طريقة لقد أنهكتنا الأيام ولم نحصل على مقعد في برلمان مفصل لخدمة التضليل وحكومة الفساد… إن قضية التنويري تقع بعيدا حيث إعداد الشخصية المتمسكة بمبادئها وإرادة التغيير وقدرة تلبية شروطه..

وعسى هذه الحلقة أفادت بقدر معالجتها إشكالية التنويري وإرادة اتخاذ القرار الأنجع عنده وليس بدخول سجالات أن طرفا أقدسه وأجامله قد أوقعه أفراد فيه بانحراف القرار فجعله وجعلنا نتخلى عن إرادة الفعل الأكثر صوابا… فهل وصلت الرسالة في المثال الذي تم توظيفه هنا؟؟؟

لا تعليقات

اترك رد