أخي على عمود الإنارة


 

جدي مات في الحرب مع إيران، ابي مات في حرب الخليج، خالي مات في الانتفاضة، عمي قتل في تفجر إرهابي. أما أخي فقد التحق بالحشد الشعبي لمحاربة داعش، انه هناك (أشارت لي الفتات الصغيرة إلى عمود الإنارة) هذا هو أخي، الشهيد.

هذا نموذج لحال الكثيرين في العراق. فلا تظن ان في العراق يجري نهران فقط و انما ثلاث انهر، دجلة و الفرات و نهر دم لا يتوقف.

طبعا نهر دجلة و الفرات يكادان يجفان بسبب جاراتنا تركيا و إيران. اما النهر الثالث، فلا خوف عليه، فهو لن يتوقف عن الجريان. خصوصا بوجود سياسينا المهرجين و كل العروض الهزلية التي يلعبون بها أدوارهم و يظل البلد يدخل و يخرج من محنة تلو الأخرى.

السياسيين طبعا لم يصبحوا على هذا الحال من دون سبب. فالسياسي هو الشخص الذي يمثل الشعب في ادارة الدولة على ضوء القوانين المستخلصة من الدستور.

هذه الجملة مهمة للغاية، فهي تشرح حياة الدولة بكل من فيها من أطراف مهمة.

اولا، الشعب يجب ان يكون ممثل من قبل السياسي و بهذا لا يمكن للسياسي أن يكون منفصل عن من يمثلهم. في الواقع السياسي هو كائن منفصل كليا عن الشعب في طريقة حياته و تفكيره، فهو لا يرى من الضيم ما يراه الشعب و لا يتحرك على أساس خدمة الشعب بل يتحرك بما يمليه عليه مصلحته هو و مصلحة الكتلة التي ينتمي لها.

ثانيا، الشعب، تلك المجموعة الكبيرة من الناس التي لم تكن يوما مالكة لمصيرها. فالعراق و العراقيين لم يعيشوا يوما براحة. و كل ما يعرف من تاريخهم الحديث هو الصراعات و الحروب.

ثالثا، القوانين. تلك المجموعة من الأحكام المنبثقة عن دستور هش و لذا فإن الأحكام فاقدة للمصداقية و الحيوية و تكون على هذا الحال مطاطة و تقبل اللعب بها من قبل من له قوة.

في المحصلة نرى بلد مبعض و مفتت موجود فقط بالقدرة الإلهية.

اين الغلط؟

لهذا السؤال اجوبة متعددة، و لكن أهمها تتلخص بإزالة الأشخاص المسؤولين و الذين يحملون وزر الوضع المتردي. هنا يظن الكثيرون بأن المشاكل سوف تحل اذا ازلنا كل هؤلاء المسؤولين الفاسدين و وضعنا مكانهم اخرين صالحين. لكن هذا الكلام ليس واقعي، فالمشكلة ليست بالممثلين و إنما بقصة المسرحية في الأساس.

إني ادعو في كل مقال و كلام إلى تغيير الدستور، لأن هذا هو الحل الوحيد لتغير جذري للمشاكل. دستور يرسم الهدف (التنوير) و الوسيلة (الديموقراطية المباشرة).

طبعا حلي أنا يعتبر مستهجن لدى الكثيرين. فالغالب الاعظم من الناس لم يقرأ الدستور اصلا و لا يعرف من الكلمة إلا أنها وثيقة تفوق النقد و حتى القراءة.

و حتى الذين قرأوا الدستور، منتفعين به كانوا او غير منتفعين، فيقولون بأن الوقت غير مناسب لهذه العملية و ذلك للخوف المتأصل من مسك زمام الأمور. فنحن كعرب لا نزال نعيش في عقدة الاستعمار و لم نفهم بعد كيفية الجلوس و التحدث عن أي شيء كأشخاص كاملين بعقولهم و تصرفاتهم و من ثم نقرر و من ثم نتصرف وفق ما قررناه.

لذا فأننا نخاف من التغيير و القرار و التفكير و التصرف و الوقوف على الرأي. فعندما اقول بأن الدستور يجب ان يتغير، ينظر إلى و كأنما اتكلم بالمستحيل. لكن ما هو الحل البديل؟ إن كان كل ما أراه و أسمعه هو ترهات و تهريج، و كل هؤلاء المهرجين الذين يحكمون البلد هم نتيجة ذلك “الدستور” الذي كتب من اشخاص غير كفؤين فقط من اجل وضع البلد في حال فوضوي. وذلك كله لإرضاء مالكين مصادر القوة.

إني اتحدى أي شخص ان يقرأ الدستور و يقول بعدها بانه قادر على صناعة وطن قوي. كل ما في الأمر هو كتابة قوانين اساسية من شأنها اتاحة المجال للتكتلات السياسية و الطائفية و الفساد الإداري، طبعا كل ذلك بمبرر المعارضة للنظام البعثي البائد. و ما ذا بعد؟ هل لأنني أكره الطاعون فعلي أن ارضى بالكوليرا؟

و يأتي السؤال، متى هو الوقت المناسب لنبني وطننا؟

نعم، الجولة الأولى العسكرية مع داعش قد حسمت، لكن داعش لم تقهر، فداعش ليست مجموعة من المجرمين الذين يمكن القضاء عليهم بمجرد قتلهم، داعش هي فكرة الهرب للكثيرين الذين ليس لهم هدف او امل و الذين اصلا ناقمين على حكومة يعتبروها دخيلة. فسرعان ما يظهر الدواعش كالجرذان من جحورها.

داعش و غيرها من الكوارث لن تنتهي إلا ببناء الوطن بشكل صحيح يكون وطن لكل فرد و يكون ولاء الفرد له من المسلمات.

و حتى نبني الوطن، سوف يظل المهرجين على كراسيهم بينما يرسل الفقراء من الشعب ابنائهم ليطحنوا في رحى الحرب و لسوف تملئ شوارعنا بأعمدة انارة حاملة صور الشباب الذين يغذي دمهم نهر الدم الذي لا ينبض.

لا تعليقات

اترك رد