تفاحة المسلمين وعراة الليبرالية

 

قرأت مؤخرا مقال للدكتور علي محمد فخرو بعنوان “عندما تنقلب الليبرالية الي ثرثرة” وقد نشرت في جريدة الشروق بتاريخ 11 يناير من العام الجديد. والدكتور فخرو شغل العديد من المناصب الثقافية والوزارية ومثل بلده البحرين كسفير في العديد من العواصم الأوروبية. وذكر السيد فخرو في بداية المقال بأنه لا يختلف في الدعوة الي الحريات كونها منصوص عليها في مختلف إعلانات حقوق الإنسان، وفي تواجدها “كما يدعي” بغالبية الدساتير العربية، رغم أن تواجد مفردة ومفهوم الحرية لا يعني بالضرورة ممارسته مجتمعيا وإلا لما وجدنا العديد من قوانين ازدراء الأديان ومسجوني الرأي والتعبير ومعتقلي السياسة وتيارات المعارضة في غالبية الدول العربية يعانون من القتل أو التعذيب أو النفي.

وإما بقية المقال وما أستهجنه السيد فخرو على الليبراليين أو بعضهم، رغم أن الليبرالية مفهوم حداثي وليس موحد بل وقابل للإضافة والتعديل. فهناك الليبرالية السياسية والاجتماعية والاقتصادية وجميعها مرت بفترات من التنظير والتمكين والممارسة، ولكنها جميعها ترتكز على مفهوم أساسي يركز على الحرية الفردية، ويرى وجوب احترام استقلال الأفراد، ويعتقد أن الوظيفة الأساسية للدولة هي حماية حريات المواطنين مثل حرية التفكير، والتعبير، والملكية الخاصة، والحرية الشخصية وغيرها، ولهذا تسعى الليبرالية إلى وضع القيود على السلطة، وتقليل دورها، وإبعاد الحكومة عن السوق، وتوسيع الحريات المدنية. وتقوم الليبرالية على أساس علماني يعظم الإنسان، وترى أنه مستقل بذاته في إدراك احتياجاته. وفي هذا الصدد تقول الموسوعة الأمريكية الأكاديمية “إن النظام الليبرالي الجديد (الذي ارتسم في فكر عصر التنوير) بدأ يضع الإنسان بدلا من الإله في وسط الأشياء، فالناس بعقولهم المفكرة يمكنهم أن يفهموا كل شيء، ويمكنهم أن يطوروا أنفسهم ومجتمعاتهم عبر فعل نظامي وعقلاني”.

وتتعدد التيارات الليبرالية في الوطن العربي مع اختلاف مسمياتها وتتفاوت بالدعوة الي الليبرالية بناء على وعي النخب ومستوى تعليمهم ومدى جرأتهم في طرح الأفكار ومواجهة أقوى مؤسستين تناقضان وترفضان الليبرالية ومفاهيم التنوير والحداثة وهما مؤسسة الحكم

بسطوتها واستبدادها ومؤسسة الدين بقوتها في تحريك الغوغاء والجماهير للتأثير على أي أفكار حداثية ومشروعات تنويرية فكرية حديثة لإنقاذ مجتمعاتنا من التخلف والإنحطاط.

فما أغضب السيد فخرو في هذا المقال وجعله يرى في دعاة الليبرالية أفرادا عديمي الإحساس هو مطالبة أحدهم بأن يأكل تفاحة في أحد الشوارع العربية دون أن تعتقله الشرطة وتضعه بالسجن نظير انتهاكه حرمة المسلمين وأذية مشاعرهم المرهفة وعدم احترام شهر رمضان وعدم تقديس المناسبات الدينية والدين والشريعة…الخ الخ من قائمة طويلة تعج بها وزارات الداخلية وأمن الدولة والمخابرات الأمنية على طول وعرض الوطن العربي لتجعل كل من تسول له نفسه بأكل تفاحة في نهار رمضان عرضة للعقاب والتشهير والسجن.

لاشك أن الأديان لها مكانتها منذ نشوءها على الأرض وإيمان الملايين من الناس بها والدفاع عنها وتوارثها جيلا بعد جيل باعتبارها أهم وأكبر معرفة بشرية عرفها الإنسان. ولعل تجربة السيد فخرو كسفير في عدد من العواصم الغربية تكون أكثر ثراء بمعرفة دور الأديان وحدودها وكيف يتعايش المسلمون تحديدا في شهر رمضان وبينهم وحواليهم من يأكل تفاحة وغيرها من الطعام دون أن ينتقص ذلك شيئا من ايمانهم. ولا شك أيضا أن الأديان أحتفظت بمكانتها ووظيفتها وروحانيتها، ولكن فقط في المجتمعات التي أستطاعت نقاشها ونقدها وتفكيكها وإيقاف حدود سطوتها على الإنسان والمجتمع. فالأديان في الغرب مثلا وحتى الأديان غير السماوية أستطاعت التواجد بأكثر المجتمعات علمانية وليبرالية ولم تتعرض للإختفاء أو للهدم. بينما لازالت الأديان في مجتمعاتنا العربية والإسلامية محاطة بأسيجة دوغمائية وقوانين قراقوشية تمنع أي انتقاد أو إصلاح يطالها.

وطرح السيد فخرو بعد ذلك السؤال التالي: “لنطرح أولا على أنفسنا السؤال التالى: هل حقا أن حرية وفردانية صاحبنا المتحدث، غير المنضبطة، والمستفزة للآخرين، لن تكتمل إلا بحقه المطلق فى عدم إعطاء المقدس الدينى الجمعى أى اعتبار؟ بل واعتباره قيدا اجتماعيا يجب تحطيمه؟”..هذا السؤال استمر لعشرات السنين يطرح وحتى اليوم ويقوم على فرضية خاطئة تماما باعتبار أن هناك مقدس وهناك مدنس وبينهما يجب أن يتوقف الإنسان ولا يتجاوز حدوده الفكرية والسياسية. وما غاب عن السيد فخرو أن الليبرالية في أساسها النظري

قامت على قدسية الإنسان والدفاع عن حرياته وخصوصا الرأي والتعبير والفردية. وألغت الليبرالية وأفكار الحداثة والتنوير مفهوم المقدس وحضت على استخدام العقل بشجاعة كما أشار كانط وكما ذكر ماركس بأن نقد الدين هو بداية كل نقد. وما مسألة المقدس الجمعي التي يريدنا السيد فخرو أن نقف عندها، ما هي إلا شماعة لنتوقف عن التفكير والنقد والسؤال في إمكانية تطوير الرؤية الدينية لكونها الثقافة السائدة المرتبطة بكثير من عوامل إخفاقاتنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية. إن عدم نقد الدين هو بمثابة العجز عن التقدم ومحاولة لإبقاء شروط التكفير والكراهية والقتل فعالة في ممارسة ما ينتج عنها من قيود ومفاهيم وفتاوي عفا عليها الزمن وأصبحت غير صالحة لكل زمان ومكان. ثم لنأتي ونسأل نحن هذا السؤال: ماهي المشاعر المستفزة للعقل الجمعي المسلم؟ وهل المشاعر خاصة بالإنسان نفسه كونها فعل عاطفي وشأن لا يؤثر على الحياة العامة .. أم على الجميع أن يحترم مثلا من يقتل باسم الدين ويسرق ويفجر ويكذب لانه يضع فوق رأسه عمامة أو جبة إسلامية، أليس هذا أيضا انتهاك للمشاعر وبشاعة في السلوك؟..أم يجب علينا أن نرى فقط رؤية العقل الجمعي ونحترم تواجدها وننكر على الآخرين ممارسة حرياتهم الفردية؟..ثم لماذا لا يحترم المسلمون من لا يود صيام شهر رمضان ومن يرغب بأكل تفاحة في نهار رمضان؟..فهل ينتقص من الايمان شيئا؟؟..وهل الدين عاجز عن التواجد في مكان يتصرف فيه الأفراد بحرية طالما لا يدعون الي ضرر الآخرين.. ثم ألا يقول المسلم نفسه ويدعو الي مفهوم لا إكراه في الدين؟.. ولكم دينكم ولي دين؟.

والمغالطة الأخرى التي أشار اليها السيد فخرو محاولا مساواة عقاب من يأكل بشهر رمضان وعقاب من يمشي عاريا في بعض الدول الليبراليبة بمثل العدالة في تطبيق القانون ومحاسبة من يتعدى على الذوق العام وثقافة المجتمع. وتناسى السيد فخرو بأن تلك الدول من ناحية أخرى أتاحت لمن يمشي عاريا أن يمارس هذه الهواية في نوادي مخصصة لذلك بل وصلت الأمور الي افتتاح مطاعم خاصة للعراة، فهم لا يخالفون من يمشي عاريا الا في الأماكن العامة. وقد تم تحقيق تلك الرغبات مثلها مثل استخدام الحشيش وحق الإجهاض والموت الرحيم وزواج المثليين بعد جدالات فكرية ودينية وموافقات برلمانية وبعد أن وصلت الليبرالية

الي مستوى يؤهلها للدفاع عن الحريات الفردية وإتاحة الفرصة لجميع المواطنين بالتمثيل عن رغباتهم ضمن القانون والمساواة والعدالة.

وهنا، أيضا وكما أشار السيد فخرو بأن أخطاء الليبرالية في مجتمعاتنا تتمثل في خلط الأولويات.. ولا أختلف مع السيد فخرو بأن هناك أولويات ليبرالية في مجتمعاتنا العربية أهم من نوادي العراة مثلا يجب علينا الكفاح والسعي الي ممارستها قانونيا ومؤسساتيا ومنها حرية الرأي والتعبير وتداول السلطة وفصل الدين عن الدولة، وعلينا أن لا ننظر الي الليبرالية الغربية بكونها الإطار الأخير للممارسة بل علينا توطين الليبرالية العربية الإسلامية في مجتمعات لها ثقافتها وتراثها، ولكن من جانب آخر علينا أن لا نتوقف عند حدود تلك الثقافة ونفس مضامينها الفكرية وما تنتجه من قيم وأخلاق ظلت عاجزة عن صنع مجتمعات متقدمة ومواطنين أحرار. فالنهضة الغربية بدأت حينما استطاع الإنسان إنتقاد المؤسسة الحاكمة وسلطة الدين، فإبقاء المؤسسة الدينية والأديان بعيدة عن النقد يخالف الأسس الفكرية للحداثة ويجعل من الليبرالية والعلمانية والديمقراطية مجرد أدوات شكلية سرعان ما تحتضنها السلطة لقمع الحريات من خلال قوننة الحريات، أو يتم استغلال تلك المفاهيم من قبل التيارات الفاسدة للوصول الي الحكم وتدمير الأسس الفكرية والحداثية لمفاهيم الليبرالية والديمقراطية وخصوصا أن مجتمعاتنا لم تمر بمرحلة التنوير الفكري وما زالت أسس القبلية والطائفية والفئوية مهيمنة على مؤسسات الدولة والمجتمع.

كما وعلينا أن نرفض الهيمنة الدينية في تشكيل ثقافة المجتمع وتأطير حريات الأفراد. فالمساواة وحقوق الإنسان والحريات المذكورة في غالبية الدساتير العربية ستبقى مجرد حبر على ورق إذا لم تضمن حرية المسلم وغير المسلم في العبادة وعدم العبادة، في الصيام والصلاة وعدم الصيام والصلاة، في تحقيق المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة، في خلق فضاء ديمقراطي يسمح بانتخابات حرة وتداول للسلطة وإنشاء الأحزاب السياسية على أسس تنموية سياسية وليست دينية أو مذهبية.

فالثرثرة الليبرالية التي يقول عنها الدكتور فخرو ستظل هي الأساس في تنضيج وعي الشعوب وفتح آفاق التنوير وإسقاط كل ما من شأنه يسحق كرامة الإنسان وحرياته ومكانته، فلولا هذه الثرثرة لما قامت فلسفة الأنوار، ولما نجحت المجتمعات المتقدمة اليوم في بناء دول ليبرالية ومبادئ كونية ومستقبل يهتم بالإنسان أولا وأخيرا.

لا تعليقات

اترك رد