التصوير الفوتوغرافي والتصوير الفني – ج2 ماريوس دي زاياس (1880-1961 )

 

تدريجا، وفي حين أصبح الدماغ البشري اكثر كمالا تحت تأثير التقدم والحضارة، فربما الفكرة المجردة لتمثيل الشكل قد تختفي في التعبير من خلال العنصر الزخرفي الذي نجح في التعبير عن التمثيل الفعلي للشكل،مع استبدال الملاحظة بالانطباع، وتبع التحليل الملاحظة، وليس هناك من شك في انه حين كان الدماغ البشري يتطور فقد تم القضاء على العنصر الخيالي في الفن، ومما لا شك فيه أيضا أن جميع عناصر الخيال الابتكاري استنفدت، وما ينتج الآن في الفن هو الذي يسبب لنا متعة في أعمال أخرى، فقد اختفى الفن الإبداعي دون متعة الفن التي انقرضت، والذي يتأمل الفن المعاصر مع عمل الوحوشيين،لايجد سوى التحليل الكمي والنوعي لتلك التي كانت على وجه التحديد نتاج عدم وجود تحليل.

الخيال، هو القانون الرئيس للفن، وليس ذاتي المنشأ، فإنه يحتاج إلى موافقة مبدأ آخر لإثارة نشاطه، العناصر التي يحصل عليها الإدراك والكليات العاكسة، التي قَدِمَت إلى العقل من الذاكرة،اذ تأخذ شكلا جديدا تحت تأثير الخيال، هذا الجانب الجديد من الشكل هو بالضبط ما يحاول الإنسان أن يٌكْثِرِهُ في الفن، هذه هي الطريقة التي يوضع الفن فيها أفكارا كاذبة بشأن واقع الإنموذج وإحداث المشاعر والعاطفة التي تؤثر جذريا في مفهوم الإنسان للواقع، بالنسبة لأولئك الواقعون تحت هذا التأثير، تُعَد أفكارها الكاذبة شكلا من اشكال العقائد، والحقائق البديهية، وإقناعنا بمدى مبادئهم التي يدعون بها طريقتهم في الشعور، صحيح أن الطبيعة لا تقدم دائما الأشياء في شكل مقابل لتلك الطرائق من الشعور، ولكن الخيال يفعل دائما، لأنه يغير طبيعتها، ويكيفها للراحة ،ولكن الخيال، بسبب خصائصه يقود دائما الإنسان بعيدا عن تحقيق الحقيقة فيما يتعلق بالإنموذج، وفي الوقت الراهن يدخل الأخير تحت سيطرة الفكر، يصبح الوهم، الذاكرة، العمل المتزامن مع الخيال، لا يحتفظ بذكرى تمثيل كبير عن الإنموذج، ولكن فقط للتعبير الاصطناعي، ولأجل أن نقدر واقع الإنموذج، فمن الضروري الوصول إلى حالة من الوعي الكامل، ولا يمكن نسخ واقع النموذج إلا من خلال عملية ميكانيكية لا تدخل فيها الحرفية البشرية كعامل رئيس،لا توجد عملية أخرى لتحقيق ذلك في التصوير الفوتوغرافي، المصور – المصور الحقيقي – هو الذي أصبح قادرا، من خلال حالة من الكمال، وامتلاك مثل هذه الرؤية الواضحة للأشياء التي تمكنه من الفهم والشعور بجمال واقع الإنموذج،وكلما ظننا التصوير الفوتوغرافي أكثر اقتناعا فأنه قد حان الوقت لرفع الحجاب عن

الغموض الذي يغلف الفن الممثل للإنموذج ، الفن يجعلنا نؤمن بأنه بدون رمزية مستوحاة من الهلوسة من الإيمان، أو من دون التقليدية المستوحاة من خارج الشروط الفلسفية، وهنا كان تحقيق علم النفس حول الإنموذج مستحيلا، وهذا يعني أنه بدون تدخل الكليات الخيالية، لا يمكن للإنموذج التعبير عن روحه،ولكن عندما لا يسعى الإنسان إلى النشوة ولكن الى التحقيق، وعندما لا يسعى إلى التخدير منه الى التأمل، ولكن للوعي كامل، فان الروح الممثلة بالفن تبدو وكأنها شبح يشعر بالاهتزاز في كل شيء متوافر من قبل كل الذين يفهمون جمال الحقيقة ، وتبين لنا هذا بطريقة واضحة، إن لم يكن فيما يتعلق بالفن النقي، على الأقل فيما يتعلق بالعلم، من قبل مهندسين كبار، مثل نيوتن، لاغرانج ؛ ومن قبل فلاسفة عظماء، مثل أفلاطون وأرسطو، وكانط. وعلماء طبيعة مهمين، مثل ليناوس، كوفييه وجيوفراي سانت هيلير.

الفن يعرض لنا ما يمكن أن نسميه الحقيقة العاطفية، أو الفكرية؛ تصوير الحقيقة المادية، وقد عَلَمَنا الفن أن نشعر بالعواطف في وجود عمل يمثل المشاعر التي يعاني منها الفنان،والتصوير يُعَلِمْنا أن ندرك ونشعر بالمشاعر الخاصة بنا اذ لم أكن قد قبلت الفن شيئاَ لانهائياَ، ولا الدماغ البشري شيئاَ قاهراَ، لانني اؤمن بالتقدم قانوناَ ثابتاَ ، وأنا متأكد من أننا نتقدم، على الرغم من أننا جاهلون كيف ولماذا وأينما ولا نعرف إلى أي مدى سنذهب، كما ارى أن تأثير الفن وضع خيال الإنسان في موقف حمله إلى أعلى درجة من الشدة والحساسية، مما ادى به إلى تصور غير مفهوم وغير قابل للتمثيل، فلما كان الخيال يحمل الإنسان الى حالة من الفوضى، من أن يتلمس لمسار جديد من شأنه أن يأخذه إلى ذلك،فانه “أينما كان من المستحيل تصوره، فوجد التصوير الفوتوغرافي،ورأى فيه عنصرا قويا للتوجه لتحقيق هذا الوعي الكامل الذي فعله العلم ، وهو يفعل الكثير، لتمكين الإنسان من فهم السبب، وقضية الحقائق – الحقيقة.

التصوير الفوتوغرافي هو تمثيل ملموس للحقائق المكتملة، في هذه الحقبة من دلالة الحقيقة الواقعية ، ويأتي لتوفير الحقيقة المادية للشكل،هذه هي مهمته الحقيقية في تطور التقدم البشري. إنه ليس وسيلة للتعبير عن فكر الإنسان, وليس فناَ، ولكن يمكن أن تكون الصورة الفوتوغرافية فنية عندما يستعمل الإنسان الكاميرا دون أي فكرة مسبقة عن النتائج النهائية، عندما يستعمل الكاميرا كوسيلة لاختراق الواقع الموضوعي للحقائق وللحصول على الحقيقة التي يحاول تمثيلها في حد ذاته وليس عن طريق تكييفها مع أي نظام من التمثيل العاطفي، وكذلك ليس نظاما جديدا لتمثيل الإنموذج، وإنما هو نفي لجميع النظم التمثيلية، وهو العلم التجريبي للإنموذج، هدفه إيجاد وتحديد موضوعية الإنموذج.

اما الفرق بين التصوير الفوتوغرافي والفني ، ففي الاول، يحاول المصور الحصول على تلك الموضوعية للإنموذج الذي يولد مفاهيم مختلفة ، في حين أن الثاني يستعمل الموضوعية للإنموذج للتعبير عن فكرة مسبقة من أجل تفعيل عاطفي، الأول هو تحديد حالة فعلية للإنموذج، والآخر هو تمثيل موضوعي للإنموذج التابع لنظام التمثيل. الأول هو عملية لتلبية العوز، والثاني وسيلة للتعبير، في الأول، يحاول الرجل أن يمثل شيئا هو خارج نفسه، في الثاني يحاول تمثيل شيء في نفسه. الأول هو حر في البحث غير الشخصي، والثاني هو تمثيل منهجي وشخصي يستعمل المصور الفنان الطبيعة للتعبير عن شخصيته، والمصور يضع نفسه أمام الطبيعة، ودون تصورات مسبقة، مع العقل الحر للمحقق، ومع التجريب، يحاول الخروج من حالة حقيقية للظروف.

المصور الفنان في عمله يغلف الموضوعية مع الفكرة، المصور يعبر، بقدر قدرته، عن الموضوعية الخالصة، والهدف من الأول هو المتعة، والهدف من الثاني هو المعرفة،والذاتية هي سمة طبيعية عند المصور،ويبدأ التمثيل بالتعبير البسيط عن الموضوع ، وفي الذاتية يستنفد الإنسان تمثيل جميع المشاعر التي هي غريبة للبشرية عندما يبدأ الإنسان يكون استقرائياَ بدلا من ان يكون استنتاجياَ في تعابيره الممثلة، وتبدأ الموضوعية عندما تحل محل الذاتية. وكلما كان الانسان أكثر تحليلاَ، كلما انفصل عن الموضوع واقترب من فهم الشكل، وقد لوحظ أن الطبيعة عند غالبية الناس غير متبلورة، لهذا كانت فترات الحضارة العظيمة ضرورية لجعل الإنسان يتصور موضوعية الإنموذج، وطالما يسعى الإنسان لتمثيل عواطفه، أو أفكاره من أجل نقلها للآخرين، عليه أن يعرض تمثيله للإنموذج للتعبير عن فكرته، مع محاولة الشخص الذاتية لتمثيل شعوره لأسباب اساس، هذا هو السبب في أن الفن كان دائما ذاتي يعتمد على الفكرة الدينية، لكن العلم أقنع الانسان أن فهم الأسباب الرئيسة هو بعيد عن العقل البشري؛ ولكن العلم جعله يصل إلى معرفة حالة هذه الظاهرة. في التصوير الفوتوغرافي بدأ الانسان على طريق ادراك حالة ظاهرة الإنموذج، حتى الآن، وتم التوصل إلى أعلى نقطة في هذين الجانبين من التصوير من قبل (ستيتشن) كفنان ومن قبل( ستيغليتز) كتجريبي. عمل (ستيتشن ) وصل أعلى تعبير عن الهدف من اللوحة الواقعية للإنموذج، ونجح في صوره في التعبير عن الاندماج الكامل للموضوع والهدف. وقد بدأ (ستيغليتز) بالقضاء على هذا الموضوع في شكل ممثل للبحث عن التعبير النقي في الموضوع وحاول ذلك صناعيا، مع وسائل عملية ميكانيكية، وسيكون من الصعب أن نقول أي من هذين الجانبين من الفوتغرافي هو أكثر أهمية، واحدة من الوسائل تكمن في دمج الفكرة مع التعبير الطبيعي للإنموذج، في حين أن الآخر هو الوسيلة التي يحاول الإنسان من خلالها جلب التعبير الطبيعي للإنموذج إلى إدراك عقله.

– ألفريد ستيغليتز (1 يناير 1864 – 13 يوليو 1946) مصورأمريكي ومروج فني كان له دور أساس في مسيرته المهنية خمسون عاما في صناعة التصوير الفوتوغرافي ،فضلا عن ذلك عرف بمعارض نيويورك الفنية التي كان يديرها أوائل القرن العشرين، اذ قَدِم العديد من الفنانين الأوروبيين الطليعيين إلى الولايات المتحدة، وكان متزوجا من الرسام جورجيا أوكيفي.

– إدوارد جين ستيتشن (27 مارس 1879 – 25 مارس 1973) مصور أمريكي من لوكسمبورغ، رسام، وصاحب قاعة عرض فنية ،ومتحفيا، المصور الأكثر تميزا مع ألفريد ستيغليتز “الرائد الذي عمل الكاميرا” خلال الفترة من 1903 إلى 1917،وتعد صوره عن العباءات لمجلة الفن و ديكوراتيون عام 1911 أول صور الأزياء الحديثة التي نشرت من عام 1923 إلى 1938، كذلك كان مصورا لمجلات كوندي ناست فوغ و فانيتي فير بينما ،كذلك عمل لكثير من وكالات الإعلان بما في ذلك J. والتر تومبسون. وخلال هذه السنوات، كان يعد أفضل مصور معروف وأعلى أجرا في العالم، في عام 1944، أصدر الفيلم الوثائقي عن الحرب ذي فيتينغ ليدي، الذي فاز بجائزة الأوسكار لأفضل فيلم وثائقي عام 1945،من 1947 إلى 1961، شغل منصب مدير قسم التصوير في متحف نيويورك للفن الحديث،وأثناء وجوده في موما، قام بتنظيم وتجميع معرض عائلة الرجل، الذي كان يشاهده تسعة ملايين شخص

1 تعليقك

  1. Avatar عبدالرحمن نورالدين

    شكرا أ. د. نصيف

اترك رد