حوار الكاتبة والشاعرة جليلة مفتوح


 

المرأة أرض مصغرة، لأنها نصف المجتمع و مربية النصف الآخر..
جليلة مفتوح : النقد البنّاء مطلوب لبلورة الموهبة و صقلها إبداعيا، لتكملة الوصول نحو الهدف الإنساني المنشود..

روائية و شاعرة ومترجمة مغربية من مواليد مدينة فاس، حاصلة على ليسانس أدب فرنسي وعربي، لها خمسة اصدارات، ثلاثة دواوين شعرية وروايتين، وهي وشم العار، في قلبي جنة حواء، رسائل السماء، كوابيس الملائكة، عروس الظلام. في هذا الحوار، سنحاول سبر غور جليلة ،التي امتهنت سبر أغوار الأشياء ، لنستطلع من دواخلها صورة حاضر نريده إبداعيا بامتياز ، متطلعين معها صوب غد نريده أيضا ،كما تريده هي دائما، مشرقا بصور إنسانية خلاقة، تتسع شموسه لتسكن كل زاوية من عالم الناس المدججين بالحزن والصبر معا، علنا نتغلغل ونحن نمسك يدي جليلة في أعماق البحار والتراب ،ثم كل ساكني هذا الكون المدهش.

ـ تمارسين كتابة الرواية والشعر والمقالات بالإضافة إلى الترجمة إلى اللغة الفرنسية ، وكتابة أي جنس أدبي استلهام وعقيدة، همة وتجربة، يؤدي مجموعها إلى الاحتراف.. من هنا سأبدأ معكِ. أولاُ في أي جنس أدبي تجدين نفسكِ أكثر، وثانياً لماذا كل هذا، وما هدفكِ أو رسالتك من وراء ذلك، ثم ألا يساهم هذا في إضعاف المبدعة التي في داخلكِ؟
*الشعر مجرد خواطر أتنفس مرات عبره، تحت ضغط موقف صعب أو مشاعر معينة اتجاه أناس قريبين أو أحداث بلد جريح، و مرات لأتغزل في الحياة متعة بلحظات مفرحة أو مشاركة وجدانية مع من شعرت بتفاصيلهم المفرحة حولي. لكن النثر و الرواية خاصة تظل هي ملاذي لتقمص حالات إنسانية بصمت على ذاكرتي أو هزت مشاعري، تمريرا لرسالة إنسانية قد تفيد من يمر بنفس المواقف أو مر بنفس المآسي، فالمشاركة غالبا تعظ و في نفس الوقت تبسط ما نراه نهاية الكون حين المحن، و أملا مفرحا نتحزم بوهجه عند النهايات المكللة بالنصر و لو بشبه الكمال.

أما بالنسبة للترجمة فأنا مؤمنة برسالتها نحو الآخر الذي يجهل لغة ما، فيتشارك نفس التجارب أو يتعرف على آخرين من غير جنسه أو انتمائه الفكري، بتلاقح إنساني وحده يضمن التقارب الحضاري الممكن، للسير بعدها نحو الأفضل لجميع الأمم. وقد مارست الترجمة مجاملة مرات، لكن لا أمارسها الآن إلا لأعمالي، و إن لدي روايتان باللغة الفرنسية، إحداهما كتبتها منذ سنوات عديدة وظلت في الأدراج، لتفرغي الكامل آنذاك لأسرتي الصغيرة، وسأخرجها قريبا للنشر.

أما المقالات فليست عديدة و ربما لمواقف اجتماعية مثل بعض الكوارث التي تحصل في كل مجتمعات متشابهة فكرا، أو إنسانية تمر بنا غالبا فتؤثر حد دفعنا لكتابة سطور فورية. فقبل الآن كانت دون اهتمام بخفايا سياسات دول معينة، لكن بدافع إنساني أمام ما شاهدنا و عشنا تفاصيله من مذابح الغرب أيام البوسنة و غيرها، و إفريقيا كرواندا مثلا و السودان، و منطقة الشرق الأوسط وصولا نحو ليبيا و تونس، دون نسيان أفغانستان سابقا، ثم زحف سيول الدم بلا توقف نحو كل البقاع و لو تهديدا لحدود البقية لآمنة. وهذه لا تعتبر مقالات بقدر ما هي مزيج منها و من خواطر، كما عدم دراية بأغوار الأمور إلا بعد زمن من كتابتها و لو بمصداقية، في عدم نضج كاف خاصة في الإلمام بكل زوايا المواضيع، قبل البث فيها و الكتابة عنها بحيادية.

ـ فنية وجمالية الرواية هي حلقة الوصل بين الروائي والمتلقي، وعليها يتوقف نجاح أو فشل تلك العلاقة. ماذا على الروائي أن يفعل، حتى ينجح في تحقيق التوازن داخل تلك العلاقة ويجعل القارئ يعيش اللحظات الحاسمة الحلوة والمرة إلى درجة أن يغمض عينيه ويمضي مع خياله إلى آفاق بعيدة؟
*الصدق في الإحساس بالأحداث وحده يربط الروائي بالمتلقي، فيتشاركان معا الصور والأحداث، وما بينهما أو وراءهما من التفاصيل

الإنسانية، وموهبة الكتابة الفاتنة وليست فقط دراية برص الكلمات، لأن الموهبة المصقولة بثقافة مقبولة و الصدق في المشاعر، تجذب نحوها القلوب بلا جهد، مادام الاكتمال يتم داخل الأحداث المروية بجمالية فنية، رابطا بين الروائي و المتلقي على منهج عطاء الأول الخصب، و الخيال السارح بالأخير إلى أبعد مدى.

ـ ما مقدار الجرأة التي تمتلكها الروائية والشاعرة جليلة خليفة في كتاباتها: هل تقترب من المسائل الحساسة (الثالوث المحرم)؟ وهل تحسب حساباً كبيراً للرقيب؟
*في كوابيس الملائكة كان العنف الأسري، الصانع الأول لكوابيس الطفلة، تلاه التحرش والاغتصاب باسم الزواج، كأهم نقاط المعاناة الجهنمية التي تلقفتها صبية. مع بث نوافذ على جنان عابرة طبعا، صنعت منها مقاومة بالوراثة و الطبع حتى للموت، الذي يزورها رغبة كلما ضاقت سبل الخلاص.

و في رواية معبد في الجحيم كان الزواج بالإكراه الظرفي، هروبا من استباحة أبشع في الشارع وغيره، معاناة أخرى أكثر توحشا بين أوردة الصبية التي تحولت من طفلة إلى امرأة دون أن تميز متى و كيف، سوى مقاومتها الروحية للبشاعة، والحلم بمعجزة تساهم هي بكل طاقتها و إمكانياتها المحدودة في تفجرها، مكابرة في تحديها لزوابع ظروفها، لعلها تنجح في جعل مركبها يرسو على شط الأمان.

أما في رواية حور من تراب فقد كنت أكثر جرأة، لأن الأحداث تطلبت تعرية الأشخاص خاصة نساء بالغات، في لمس الجرح المفتوح في الخفاء، لتنظيفه قبل معالجته و منع تعفنه المميت إنسانيا. و قد ركزت على المرأة أكثر، بتمرير الرسالة إلى الذكر ليفقه سر التعامل تكملة لمجتمع سوي ،لا يوصل فرد فيه رسائله السلبية نحو محيطه أو الأطفال بصفة خاصة دون وعي منه، فهم يحملون خبايانا و لو كتمناها، أو توهمنا أنهم لا يشعرون و لا يفهمون. فكان الجنس الطابو الأول الذي اخترقته على مهل.

أما الدين فوسط بلد لا تشدد فيه و يعتبر المسموح فيه شاسع الزوايا، كمحور للتعايش منذ القديم، فقد تشاركت المواقف الإنسانية و الاجتماعية في رواياتي الثلاث و الجزء الرابع القادم نماذج من الأقليات الدينية كاليهود المغاربة مثلا، و هذا يمس حتى دولا أخرى، لها نفس المنهج في السمو بالمواطنة عباءة تضم الجميع، دون المساس بأمن البلاد و العباد.

رواية كوابيس الملائكة و معبد في الجحيم و حور من تراب و بقية الأجزاء، ترافق فيها البطلة المحورية رغم تعدد الشخصيات و تنوعها، رفيقة طفولتها اليهودية الديانة عبر كل تجاربها، بين رفيقات ندرن حولها لطول كفاحها، سواء داخل البلد أو من خارجه حين تتزوج الأخيرة، ثم تعود للاستقرار في وطنها الأم المغرب زارعة روح الانتماء في روح ابنتها، كما زرعت والدتها داخلها نفس المبدأ الوطني، متحدية بعض أهلها الذين رحلوا نحو إسرائيل و خاصة زوجها الفرنسي الجنسية، الذي فوجئت بهجرته ذات صباح دون إنذار لمعرفته بمعارضتها. وهنا أردت أن أركز على الفرق بين الديانة اليهودية كمعتقد سماوي، وبين الصهيونية كمنظمة دموية و سياسة إلغائية متطرفة، وهذا واقع يفرض نفسه خاصة في عصر نحاول فيه، خلق حياة أفضل و الوصول إلى الآخر الذي يجهلنا، بعيدا عن الشعارات التي تحرق الأخضر و اليابس على السواء، ولا تنجح إلا التقسيم و التجزئة والتفرقة البغيضة.

أيضا رواية حور من تراب، حملت نماذج من نساء اندمجن في المجتمع المضيف، أو يحاولن التكيف لعيش أفضل، ضحايا الهجرة السرية من إفريقيا السمراء، أو عبور ضحايا المذابح من سوريا كمثال، و فلسطين كمأساة أصبحت قطعة من هوية الجميع، والغوص في روح بعض نساء يحاولن العيش بكرامة، في بحثهن عن الأمان في الحب و العمل، مثلهن مثل بقية نساء الوطن البديل، في تكامل اجتماعي أنثوي شامل، بانتصار للجمال الكامن و المعلن زرعا للأمل بقانون الاستمرارية.

و الفوارق الطبقية في عصرنا تلغى من ذاتها، بإصلاح المجتمعات و توفير فرص الشغل و التعليم، اندماجا في العالم الذي أصبح قرية صغيرة، تفرض قوانينها الحقوقية الإنسانية على الجميع ،ارتقاء بالأوطان و الكون

ككل. وقد ابدو مبسطة لكل التعقيدات لكني أرى الأمور دوما أسهل، إن فتحنا عقولنا للتنوير و قلوبنا للآخرين مهما تكن مستوياتهم. وهذا أدخلته أيضا في رواياتي، خاصة حور من تراب حين تصبح النساء صديقات و متشاركات توحدهن المعاناة و الكفاح لارتقاء شامل، حتى بين مديرة المنزل وربته، فتتكفل الأخيرة بتبني بنت الأولى عند وفاتها، والتي حملتها في أحشائها أثناء تعرضها لاغتصاب عابر، وهي تطرد من بيت أولادها جحودا ذات ليلة، كمثال على ما تتعرض المرأة له من قهر، لو أحب الأب أن يقايض تحيز الأولاد بالمال نكاية في الأم فيكسب مرات، في عصر يشبه عصورا أخرى، حين تسود المادة كل المجالات. وأيضا ظاهرة الانحراف التي تعاني منها مجتمعات بكاملها دون استثناء، كل حسب كفاءة حربه على الجهل و الأمية و البطالة.

ـ لكل كاتب أسلوبه ولغته الخاصة به، قارني مثلا بين أسلوب ولغة أميل حبيبي والطيب صالح، وبين عبد الرحمن منيف وغائب طعمة فرمان، ستجدين فروقا شاسعة.. هل لكِ أسلوب معين تتبعينه في كتاباتكِ، وما اللغة التي تفضلينها، لغة السرد البسيطة دون تعقيدات، أم اللغة الشعرية المكثفة ولماذا؟ هل تجعلين من اللغة بطلاً في أعمالكِ كما يفعل بعض الكتّاب ؟
*لا أقارن بين أديب و آخر حين أقرأ، و لو دراسة تحليلية أرحب بالمقارنة، وأحب الكتابة بطريقتي كما هي فأسعد مرات بما أسطره، دون فقد متعتي بقراءة ما يسطر من سبقوني و اللاحقون، فالتميز يزيل كآبة الرتابة فيسعد القارئ أكثر. ورغم أنه يقال عني لدي سلامة اللغة و رونقها، إلا أني في الرواية أتجنب التعقيد، ربما لطبعي الذي يختنق بالقيود و لا يتحمل صعوبة التلقي، وحبي الوصول إلى قلوب الجميع و العقول بسرعة زمننا، رغم تربيتي على الانضباط في نفس الوقت. ولا أعطي اللغة بطولة مطلقة، لكن أطوعها حسب استطاعتي لتوصلني إلى القارئ أينما يكون، اختلاف لهجاته في الدول المبدعة باللغة ذاتها، سواء عربية أو غيرها. فممكن أن يتخيل القارئ الحدث أو الحالة بلهجته المحلية الخاصة، و لا أحبذ اللهجات المحلية في الحوار حتى لا أثقل على من لا يفهمها، و

في نفس الوقت أجعلها من حق الجميع. لكن على مهل قد أدخلها مبسطة و مفهومة للتعريف لا أكثر. خاصة أن الأحداث هي نفسها قد تحدث في أية بقعة من الأرض و ليست غرائبية الحدوث.

ـ المكان، هل هو حاجة ضرورية للروائي-المكان ليس بعزلة جغرافية، وإنما بعزلة روحية- حتى يتأمل ويستعيد الشخوص والأحداث وتحليلها وتركيبها، ومن ثم ضخها على الورق؟
*المكان له أهمية قصوى مرات عديدة، لكن في بعض الأحيان لا يصبح مهما حين تستبد بعقولنا فكرة قوية أو حدثا نراه يليق بالتدوين. والخواطر نثرية أو مقفاة غالبا تكون فورية، و لو في أمكان عامة و بين حشود من الناس، وكأنها تخترق المسافات و الأجواء تنفيسا عن صدورنا أو تحريرا للكلمة. والرواية بعكسها تتطلب تفرغا و لو كتبت بسلاسة في وقت قياسي إن كانت بسيطة الأحداث، أو صعبة السرد و الترتيب حسب تعقيدات و تركيبات الأشخاص نفسيا و اجتماعيا، و حسب تنوع الأمكنة و الزمان.

ـ كمنتجة للنص الأدبي هل لك غنى عن فعالية النقد سواء كانت مكتوبة أو مسموعة؟ وهل ثمة كتابات نقدية منصفة أو متحاملة رافقت تجربتك الإبداعية؟
*النقد البناء مطلوب لبلورة الموهبة و صقلها إبداعيا، لتكملة الوصول نحو الهدف الإنساني المنشود، لكن النقد الذي يصبح جلدا للجلد، يحبط الكثيرين و يصيح عائقا للمبدع الغير القوي مثلا على التحدي بالعناد. و الثاني نراه في كل مكان دون دراسة فنية غالبا و دون محاولة الغوص في أعماق الكاتب لجره نحو الأفضل. أما النقد القوي إبداعا فهو يوقف رداءة التأليف، مساهما في تطوير المجتمعات و المجال الإبداعي، سواء فنيا أو أدبيا و علميا.

ـ هل كل من يتكلم لغة أخرى يستطيع أن يكون مترجما؟ وهل تحتاج الترجمة إلى تدريب مستمر ومنهج تدريسي واسع؟
*تحتاج إلى إجادة اللغة الأصلية و المترجم إليها بنفس المستوى، وتحتاج النزعة الأدبية و موهبة الدخول بين تفاصيل النص و المؤلف على السواء، ولهذا أحبذ الترجمة أدبيا لو كان النص أدبيا. وغير هذا تتطلب مستوى لغويا جيدا لا أكثر، حين يتعلق الأمر بترجمة علمية أو لوثائق رسمية أو غيرها و المقالات كما دراسات أكاديمية.

ـ بعض الشعراء ولنقل الجدد منهم، يأتون بكتابات “شعرية” لا مبالية بقواعد الكتابة وموضوعيتها ومستواها بحجة الحرية والحداثة ، أليس هذا يعتبر إهانة للشعر؟
*التجديد مطلوب لمواكبة العصور في كل زمن، والاجتهاد ليس محصورا على شخص دون آخر، مادام الإبداع يحتفظ بالطابع الطربي للنص، فالشعر أصلا وجد طربيا و كان لغة متداولة يفهمها الجميع من كل الطبقات، ليس كاليوم الذي أصبحنا مطالبين فيه بخوض غمار كل الثقافات و اللغات المدرسة أكاديميا، و زجل يفهمه الجميع باللهجات المحلية. لكن لا يمنع أن غالبنا عاشق للشعر القديم ثم الأندلسي و غيره، كما بلهجات أوطاننا باختلافه روافدها قديما، كما أصبحنا عشاقا للحديث و أيضا بكل أشكاله، والرداءة وحدها مرفوضة في كل مجال. وأجد أن لكل عصر جمالية إبداعه حسب أجواء و بيئة مبدعيه، لأن الشعر ترجمة للحياة عامة و خاصة، سواء على الصعيد الاجتماعي أو السياسي.

ـ لا يمكن لأي احد أن ينكر ما وصلت إليه قصيدة النثر من قوة وانتشار أثبتت نفسها كنوع مميز قادر على التجديد والتجدد والتأقلم مع متغيرات العصر ولا يمكن أن ننكر دورها في تطور الشعر العربي، ومع ذلك هناك من يرفضها ويقول إنها لا تنتمي إلى الشعر. ما رأيكِ؟
*كل واحد حر في رأيه طالما احتجاجه يوصل إلى وسط الأشياء، فلا يلغي الآخر نهائيا من قاموس الاجتهاد، و في نفس الوقت بعض الشعر نثر فقط، لو افتقر إلى قافية أو لعذوبة الكلمات المرسلة بلا أدنى تقيد ببعض قواعد الشعر. و لهذا أقول مرات أنني أكتب خواطر شعرية، لأنها تخرج مسجوعة ومحببة بمشاعر فياضة، دون تقيد بالأوزان الرصينة القديمة. و

في نفس الوقت اقول من حقي أصنع مدرستي و لو متواضعة، شرط أن تصل إلى روح المتلقي بفخامة الإحساس داخلها، مادام الشعر تعبير عن المشاعر في عمق معناه. فذاك الرافض حر لكنه لن يمنعني من الاجتهاد في تحرير كلمتي، برفضي وصايته على إبداعي بقيوده القديمة، والتي أحترمها لنشأتي على تذوقها و إعجابي بمبدعيها. عشقي للتاريخ و هوايتي دراسته من كل جوانبه، يزرع داخلي محبة الجميع بلا استثناء، والتفهم الكامل لظروف كل البشر، كما رفض السواد الروحي اينما يكون. فالتعمير و التنوير و التشييد، لا تقام لهم أعمدة إلا بين ظلال السلام.

ـ أيهما أجمل برأيكِ، النص الشعري القديم الذي أستنشق فيه عبق الحياة الما قبل العهد الحداثيّ بسلبياتها وإيجابياتها أم، النص الحديث الذي هو نص مُعولم وغير محصور في ثقافة معيّنة؟
*أحب كل ما يوصل إلي معنى أو رسالة أو روحا بذاتها، بنكهة الجمال نفسه في الشعر القديم و الحديث، لأن الشعر متطلب الجمال، حتى وهو يصرخ بالمآسي.

ـ مفردات الشعر المغربي، هل يمكن القول إنها منفصلة عن مفردات أقطار المغرب العربي الأخرى، أم هي ذاتها؟
*بين الدول المغاربية ككل تقارب أكثر، في الطباع و اللهجات لتوحد الجذور والتاريخ والتشابه الجغرافي، واللغة الأم التي هي الأمازيغية، تجمل المفردات المتداولة بغنى اللغة العربية لقيمتها روحيا، واللتين مع بعض هما لغتان وطنيتان و ملك للجميع. كما بعض المفردات القليلة من الإسبانية لتمازج أندلسي قديما و حديثا، و فرنسية بحكم الاحتكاك و القرب الجغرافي. و لو الحدود مع الغرب تجعل من المغرب عبر أهمية موقعه الاستراتيجي بوابة إفريقيا و الشرق و ما حوله، ولهذا هو يحمل جمال كل المزيج، كما يتعرض لبعض السلبيات فكرا كانت أو غيرها، كضريبة على كونه محور حضارات مختلفة. فكما المصرية و العراقية و السورية و غيرها، يسود تمازج الأجناس المقيمة و الوافدة عبر عصور، حسب كل بلد و لغته الأم التي تعطي و تأخذ في آن، بقانون المصاهرة التي تعني في

النهاية الذوبان في بعض. لكن الفن السينمائي و التلفزيوني بدأ يبسط وصول غالبها نحو الجميع، تمهيدا لإبداع أدبي جماعي، خاصة في عصر السرعة و الهجرات و التوحد المطلوب، مناهضة لكل تقسيم مبرمج أو عفوي لا يخدم رفاه الشعوب.

ـ المتلقي راهناً بات يطالب بالتكثيف والاقتصاد اللغوي في النصوص فهل على الشاعر أن يستجيب لهذا المطلب ويبتعد عن النصوص المطولة؟
*الملل غير مستحب نهائيا، و طالما التلخيص و الإيجاز يفي بالمطلوب فلم الإطالة ؟ فغالبا يدور مبدع ما في نفس الفكرة كأنه يحاول إقناعنا بمعرفته الألفاظ العديدة و غنى قدرته على التأليف. و هذا لا يخدمه لأنه يضجر المتلقي الذي قد يتوقف عن إنهاء ما يقرأه له، فلا الثاني يستمتع أو يستفيد، و لا الأول قد يتجاوز مكانه.

ـ هل حققت المرأة المغربية المبدعة كل ما تريد، أم ما زال ينقصها الكثير ، وماذا تقولين للذين يدعون إلى تحجيم دور المرأة في المجتمع؟
*المرأة أرض مصغرة، لأنها نصف المجتمع و مربية النصف الآخر، شاء من شاء و كره من كره، وكلما أنصفت المرأة تنصف الأسرة بكاملها، وأتحدث عن المرأة التي تعرف ما لها و ما عليها. و في المجال الأدبي ككل عصر، له سلبياته و إيجابياته، و المرأة المبدعة في كل بلد أصبحت أكثر إنجازا، لتيسر الطرق خاصة المعلوماتية منها، بوسائل التواصل المختلفة التي توصلها لو مبدعة بحق، حيث تستحق أن تكون، ورغم المعوقات في مجتمعها أو حولها. و مثلها مثل رفيقها الرجل، تشمخ بإبداعها لو تألق و لامس ستائر الكمال، و تنسى لو ما كانت نبع العطاء الذي لا ينضب مهما توالت الضغوط، أسريا و أدبيا وعلوما و فنا. وفي المغرب تبوأت الكثيرات سبقا مراكز قيادية و تنموية و إنسانية، داخل وطنها و خارجه، والذكاء يظل سلاحها في شق الطريق بثبات و حزم و حب. ومن يحجم المرأة هو يحجم دور أمه التي أنجبته و أخته و ابنته، قبل رفيقة دربه و مشاركته، لكن لا يمنع وجود من يعاني من عقد ما، في مراكز قد تؤثر على تخلف بلده، كما من رحمة الطبيعة و السماء، وجود

أهل التنوير في أماكن سيادية قد يحد من تدفق مد الظلام، فوق بلد معين من بلداننا المختلفة.

ـ الإبداع امرأة، وحمامة في يدها زهرة ،وزهرة عاشقة تهمس لغيمة، وقمراً باسماً يطل على ضفة دافئة ، الابداع شاعرة أسمها (جليلة ) مثل نسيم قادم من جبال الأطلس، ومنبعثة من اخضرار الداليات وعناقيد العنب، ما رأيكِ؟
*أقول فقط ممتنة للدعم الجميل البالغ القوة هذا، كما ممتنة لكل من يقرأ ما أخطه بروحي، متحملا هفواتي و متسامحا مع أخطاء لا أتعمدها لطيب طبعي و عفويتي الغالبة. و للأطلس الشامخ بجمال الثلوج و الخضرة، والشلالات و البحيرات المنسابة في دمي، تروي ملاحم البطولات بوهج الصمود، و ترتوي باعتلاء القمم و توشيح السفوح، تأثيره الذي لا أنكره أبدا على رقي انفتاحي الواسع، و احتضاني لجميع الأطياف طالما تسعى إلى خير الجميع. فعشقي للتراب الذي أمشي فوقه أستمد منه محبة تراب غيري. ومحبتي فيض بلا ضفاف و عنب معصور برمان، من قلب يشرع حمائم السلام بورد، ورسائل بسعف من نخيل الصحراء، نحو ربوع الأرض كلها و السماء.

حاورها: بسام الطعان

لا تعليقات

اترك رد