بورخيس الأعمى الرائي


 

لم أقرأ أعمال بورخيس كاملة وحتى قراءاتي له مختصرة جداً بين مقالات وقصص قصيرة واقتباسات لم يمنعني ذلك من الاستمتاع بقراءة الأديب العملاق بورخيس بعد قراءتي لكتاب “صانع المتاهات” هذا الكتاب اللطيف الذي يحتوي على مقالات منها ماكتبها بورخيس ومنها مقالات كُتبت حول أعماله الكتاب غني بالمعلومات و يحتوي على حوارات شيقة تسافر من خلاله الى مراكش و من بعدها الى اليابان و تارة تقرأ التاريخ و تارة الخيال وتضيع بين غرف إدغار الموصدة لتلتقي بابن رشد و تشعر بالقلق البورخيسي سوف تندهش أنا شخصياً تأثرت بهذا الكاتب الرائع و قررت أن أكتب عنه حاولت قدر الإمكان جمع أكثر الفقرات المهمة في حياته و حواراته و لقاءاته و أعماله
،،لطالما تصورت إن الفردوس سيكون شيئاً كالمكتبة،،
– خورخي لويس بورخيس ( كاتب أرجنتيني )

يعد الكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس من أهم الكتاب العالميين في القرن العشرين من خلال قصصه و مقالاته و حواراته و قصائده بورخيس اكتشفه الغرب و خاصة فرنسا ترجمت أعماله الى لغات عديدة.
أن بورخيس الكاتب هو مبدع القصة و المقال و الفيلسوف الهاوي قراء أول مرة فيها كتاب “ألف ليلة وليلة” و قد صار طموحه بعد قراءة هذا العمل الخالد قرر أن يعيد كتابته، بورخيس كان يعتبر العالم كتاباً كبيراً لم نتوصل بعد الى فك رموزه و كان يعتبر الجنة هي نادياً أدبياً كبيراً، حيث يؤكد بورخيس “أن كل كتاب يحمل في داخله نقيضه و مضاعفه و يبقى مختلفاً عن نفسه لأنه يضم ذخيرة لا حصر لها من التشعبات فكل كتاب في حاجة الى كتاب آخر ليتعرف آلى نفسه”.

لبورخيس قصة شبيهة بقصيدة النثر حيث يقول: “يوكل رجل لنفسه مهمة رسم العالم و خلال السنوات يؤثث الفضاء بصورة الأقاليم و المماليك و الجبال و البحار و السفن و الجزر و الأسماك و الغرف و الأدوات و النجوم و الخيول و الناس قبل موته بقليل يكتشف أن ما ترسمه تلك المتاهة الطويلة من خطوط هي صورة لوجهه”
لعظمة بورخيس تجليات عديدة فله الفضل أولاً في أعادة تشكيل التراث الثقافي لموطنه الأصلي الذي لم يكن يملك تراثات ثقافية قوية و بهذا العمل الجبار خلق تراث لبلد لا تراث له!

قال الكاتب الأرجنتيني ارنستو ساباتو الذي يعد واحد من أهم كتاب أمريكا اللاتينية في مجال الرواية والمقال بالإضافة إلى كونه عالم فيزياء و رسام ” كان بورخيس أحد كبار الكتاب في زمننا و أحد سادة اللغة الإسبانية”

و قال عنه أيضاً الروائي وعالم الإجتماع الكاتب المكسيكي كارلوس فوينتس حول كتابة جغرافية الرواية عنوانها (بورخيس، جرح بابل) “لو لا نثر بورخيس لما كانت هناك أصلا رواية أمريكية إسبانية”
أن بورخيس دمر كل الحدود بين الأدب و أغنى مأوانا اللغوي بكل الكنوز المتخيله لأدب الشرق و الغرب.

قالت عنه الناقده الأدبية الأرجنتينية “بياتريز سارلو” في كتابها بورخيس كتاب على الحافة ” أن صيت بورخيس في العالم جرده من الجنسية و الحقيقة أن قراءة بورخيس ككاتب بلا جنسية كعظيم من العظماء و مع هذا لا يوجد في الأرجنتين كاتب أكثر أرجنتينية أكثر من بورخيس”

بالمناسبة حوارات بورخيس مصدر أساسي لفهم أعماله
قال في إحدى حواراته “يفرحني أن يكون لي جمهور عالمي و لا أريد من هذا ألا أكون أرجنتينياً فهل في استطاعتي لو أردت؟ لو لم أخرج من بوينس آيرس كيف كنت سأراها يا ترى؟ كنت سأقبلها في جميع الأحوال، و لا يمكن أن تكون أرجنتينياً ما لم تكن عالمياً فالأرجنتين مزيج من جميع الأجناس و الشعوب.

أستطاع بورخيس أن يجعل جنس القصة البوليسية جنساً أصيلاً في الكتابة من خلال استثماره لهذا الجنس الذي يعتمد على الذكاء و التحري و الاستقصاء و قد نقل هذه المكونات الى عوالم كتابته المتنوعة فقد عنون أحد كتبه بإسم “تحريات”
تأثر بورخيس في الكاتب الأمريكي الكبير “إدغار آلان بو” إذ هناك تشابه بين متاهات بورخيس و غرف إدغار الموصده
و تمكن أيضاً من استثمار الفنتازيا و يذكر “فيونتس” أن للأدب الفنتازي عند بورخيس أربعة موضوعات
هي العمل داخل العمل و السفر في الزمان، و المضاعف، و اجتياح الحلم للواقع
كتب قصائد غنائية و ميثولوجية حول موضوعات مأخوذة من التاريخ الأرجنتيني و قد ضمنها في مجاميعه الشعرية
الأولى حمية بوينس آيرس 1923 ثم كتب القمر المقابل 1925 و دفتر سان مارتان 1929

عام 1938 تعرض آلى جرح في رأسه أصبح بعدها شيئاً فشيئاً فاقداً للبصر كان مفتوناً بالفيلسوف الألماني شوبنهاور و بسببه تعلم اللغة الألمانية ليتمكن من قراءة كتبه القراءة من بين الأسباب التي عجلت إصابته بالعمى و لأنه مرض وراثي فأجداده كانوا مصابين بالمرض نفسه قالت عنه الكاتبة الفرنسية مارغريت يورسنار “بورخيس الأعمى الرائي”
أحب اللغة العربية و من حبه لهذه اللغة عنون أحد مؤلفاته بالحرف الأول من الأبجدية ” الألف “عام 1955 عين مدير في المكتبة الوطنية في هذه الفترة نشر مجموعة من الكتب أشهرها خيالات 1949 و الألف 1949 و حكايات فنتاستيگية 1955 و كتاب المخلوقات الوهمية 1967 و كتاب تقرير برودي 1970
و مجموعته القصصيه كتاب الرمل 1975 و تاريخ الليل 1977 عاد بعدها بورخيس الى كتابة الشعر و لكن هذه المرة عن طريق الإملاء بسبب العمى لينشر مجموعة الشعرية ، ذهب النمور 1974 و العدد 1981 و المتآمرون 1985

فكم اليوم بلدي العراق يحتاج من أي وقت مضى الى النموذج البورخيسي من بعد انعدام الثقافة فيه؟ فهذا النموذج يشتبك مع الحوار الثقافي و الحضاري بين الشعوب و يجسد حوار الحضارات أن المفكرين اليوم و المثقفين في العراق بصورة خاصة و في الوطن العربي بصورة عامة يحتاجون الى ذكاء بورخيس فهو كاتب يورث الذكاء و كم أتمنى أن تدخل كتبه في المناهج التعليمية الرسمية ليتعلم منه الأجيال القادمة كيف يبنون عوالم قصصهم التخيلية و يقولون من خلالها فلسفاتهم و أفكارهم.
،،إننا بحاجة إلى الخيال كي نواجه تلك الفظاعات التي تفرضها علينا الأشياء،، بورخيس

“اقتباسات بورخيسيه”
،،الكاتب هو عقل متحرك في جسد ثابت،،

،،إن الكتاب هو الأكثر دهشة بين كل الأدوات التي اخترعها الإنسان طوال تاريخه، إذ أن بقية الأدوات هي امتداد للجسد، فالميكروسكوب والتلسكوب امتداد لرؤية الإنسان، والهاتف امتداد لسمعه، المحراث والسيف امتداد لذراعه، غير أن الكتاب امتداد لشيء آخر، امتداد للذاكرة والمخيلة،،

،،والموتُ يترصدُ صابرا في فوهات البنادق،،
،،أنا ما لم يَكُنْهُ كل أولئك : أنا في المساء معشر القوم الضائعين دون جدوى،،
،،هناك شارع قريب أصبح محظورا على خطواتي،،
،،لست متأكداً هل أنا موجود أم لا، أنا كل الكتاب الذين قرأت لهم، وكل الناس الذين قابلت وكل النساء اللواتي أحببت وكل المدن التي زرت،،

،،أعلى مراتب الانتقام: النسيان مثلا إذا كنت أتمشى في الشارع وأهانني أحد المارة، لا أعتقد أنني سأفكر بالأمر مرتين سأتظاهر بأنني لم أسمع شيئا، سأتظاهر بأن شيئا لم يحدث .. على أية حال، أنا لستُ موجودا بالنسبة له فلماذا يكون موجودا بالنسبة لي؟،،

،،أنشئ مكتبة ولو من ثلاثة كتب ، وستقاوم جزءا من قباحة هذا العالم ، كل مكتبة هي صفعة في وجه العالم الجاهل ، وترفع عن أميته وخفته.
،،ارتكبتُ أكبَر إثمٍ اقترفه إنسَان: لم أكُن سعيداً،،
،،والمدينةُ الآن أشبه برسمٍ بياني لملذاتي وانكساراتي،،
،،فليفخر الآخرون بالصفحات التي كتبوا ، أما أنا ، فأفخر بتلك التي قرأت،،
،،مُبارك هو الحب الذي ليس فيه طرف مالك وآخر مملوك .. كلاهما مخلص للآخر،،
،،لا تقرأوا أي كتاب لأنه مشهور أو حديث أو قديم , يجب أن تكون القراءة أحد أشكال السعادة الخالصة , اقرأوا من أجل متعتكم ولأجل أن تسعدوا،،
،،كنتُ أقول لطلّابي: إذا أقلقَكم كتاب، اتركوه، هذا الكتابُ لم يكتب لكم، القراءة يجبُ أن تكونَ شكلاً من أشكالِ السّعادة،،
،،لا أفكرُ في الصفح ولا في الانتقام ، فالنسيان هو الصفح الوحيد ، وهو الانتقام الوحيد،،
،،يكتب الكاتب ما يستطيعه، ولكن القارئ يقرأ ما يريد،،
،،أقبَح مَا في المُناسبات، أنها تَفتح المجال للمُنافقين بالتحدث إليك وتقبيلك،،
،،دَع الآخرين يتباهون بعدد الصفحات التي كتبوها ، أما أنا فسأتباهى بعدد الصفحات التي قرأتُها،،
،،يا من لست مني، أيها الغامض… يا موطني،،

شارك
المقال السابققصيدة ” ارتسامات اولى لوجه البحر ” للشاعر ذنون الاطرقجي
المقال التالىوَطـَنُ الحياة
مهند صباح عراقي الجنسية مقيم في فنلندا ولدت في بغداد التحصيل العلمي : حاصل على شهادة دبلوم كهرباء ، درست في مجال الكومبيوتر لمدة ثلاثة سنوات أتحدث عدة لغات هواياتي متعددة أهمها القراءة و المطالعة شغوف في مشاهدة الأفلام و قراءة الروايات، ولعي بالكتابة في السياسة و نقد الأديان مؤمن بمنطق العقل و ا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد