الصين وطريق الحرير .. الامال والتحديات !!


 

لقد شاع استخدام مصطلح طريق الحرير للإشارة الى المبادرة الصينية العملاقة لانشاء ممر تجاري يخترق الكتلة الرئيسية لأوراسيا الكبرى من شرقها الى غربها مع ممرات فرعية تربط الاجزاء الواقعة شمال وجنوب هذا الممر الذي سيشمل في اطار تفرعاته معظم ارجاء اسيا واوروپا وشرقي افريقيا ، ويذهب الاعتقاد بالبعض الى حد اليقين بان هذا المشروع سيبوأ الصين مكانة القوة العظمى الاولى في حال اتمامه .

المشروع هذا ليس حلماً بل هو ستراتيجية صينية كبرى ” Grand Strategy ” من شانها تحقيق اختراق على ثلاثة محاور :

المحور الاول جيوستراتيجي على الارض ؛ يتمثل هذا المحور بطريق يمر على خارطة عشرات البلدان مع مرافق البنى التحتية المكملة كالمطارات والطرق والسكك الحديد والموانئ وتتوزع على خارطة هذه البلدان ويعود حق استخدامها ، او اعطاء الأذونات للآخرين باستخدامها ، الى الصين حصرياً . وتتكون هذه الشبكة من قسمين رئيسيين : سلسلة من الممرات الاقتصادية البرية التي تطلق عليها الصين اسم النطاق الاقتصادي لطريق الحرير ، اضافة الى طريق الحرير البحري للقرن الحادي والعشرين الذي يخترق بحر الصين الجنوبي والمحيط الهندي والبحر الأبيض المتوسط . ان اهم الممرات البرية التي يتضمنها النطاق الاقتصادي هي : الممر ألذي يربط شمال شرقي الصين بكل من منغوليا وسيپيريا الغنيتين بموارد الطاقة بواسطة سكة حديد حديثة ، والثاني هو الممر الذي يربط الصين بالپاكستان حيث يصل بين منطقة زينغيانگ غربي الصين بميناء جوادار الپاكستاني على البحر العربي ، كما ستنفتح اقاليم جنوب غربي الصين على المحيط الهندي وذلك من خلال الاستثمار في السكك الحديد والطرق السريعة والموانئ وأنابيب نقل الطاقة والقنوات المائية في الهند وبنغلاديش وميانمار . اما في الجنوب فتقوم الصين بتطوير ممر اقتصادي تسميه ” ممر الصين – شبه جزيرة الهند اصينية ” التي يبلغ عدد سكانها حوالى ستمائة مليون إنسان ، وسيتم دمج اقتصاد هذه المنطقة باقتصاد الصين من خلال الاستثمار في الموانئ وإنشاء خط سكك حديد سريعة .

في ذات الاطار تقوم الصين بأنجاز وتشغيل خطي سكة حديد رئيسيين ، احدهما يربط اقاليم هينان وسيشوان وزينغيانگ الصينية بنقاط مركزية في پولونيا وألمانيا وهولندا مروراً بآسيا الوسطى وايران وتركيا ، اما الاخر فيسمى جسر أوراسيا الجديد الذي يربط الصين باوروپا عبر روسيا .

اما حصة افريقيا في شبكة الممرات الاقتصادية هذه فانها تتضمن ربط موانئ جيبوتي ( حيث للصين قاعدة عسكرية ) وتنزانيا وموزمبيق بالبحر الأحمر ثم شرقي البحر الأبيض المتوسط ثم جنوب شرق ووسط اوروپا ، وقد قامت الصين بشراء حصة في ميناء پيرايوس اليوناني وسيتم ربطه بخطوط سكك الحديد الاوروپية .

يتم تمويل هذه المشروعات من الاموال الحكومية الصينية وهنا جاء محورالاختراق الثاني !!

الاختراق الثاني هو اختراق وقلب ، او ادخال تعديل جوهري في الاقل على ، نظام العلاقات الدولية او مانسميه النظام العالمي القائم وتحييد بعض مؤسساته التقليدية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية ، وهي مع منظمات اخرى قد تم إنشاؤها في أعقاب الحرب العالمية الثانية لتأمين هيمنة الغرب وقطبه الرئيسي الولايات المتحدة التي اصبحت القوة العظمى الوحيدة بعد انهيار المعسكر الاشتراكي . هذه المنظمات كانت تتولى تأمين هيمنة الغرب الراسمالي الثري على بقية العالم من خلال احتكار سياسات الاقراض والتمويل وفرض الشروط التي طالت السياسات الداخلية للبلدان المتلقية للقروض بكافة اوجهها ؛ تقدم الصين بديلاً أفضل وأقل تشرُّطاً وأوفر موارداً من خلال عدد من المؤسسات ، أهمها : البنك الآسيوي للاستثمار في البنى التحتية ” AIIB ” لذي باشر أعماله مطلع عام عام ٢٠١٦ وهو الأشهر من بين المؤسسات الصينية التي تم إنشاؤها كآلية لتمويل المشروع وقد تم تخصيص ٢٠٠ مليار دولار لأغراضه خلال السنوات العشرة التي تلي إنشائه ، اضافة الى صندوق طريق الحرير وبنك التنمية الجديد وهو هيئة استثمارية متعددة الاطراف وهو في الأصل من مؤسسات منظمة بريكس .

اما محور الاختراق الثالث فهو توظيف السياسة الخارجية الصينية لخدمة أغراض المشروع والتغلغل في مؤسسات النظام الدولي القائم بقصد تعطيلها او دعم المؤسسات المنافسة . لقد قامت الصين بتشجيع كل من الهند والپاكستان ( اضافة لايران ) للانضمام الى منظمة تعاون شنغهاي ومنظمة بريكس وغيرها من تجمعات اقليمية تقف في مواجهة الغرب ؛ كذلك قامت الصين بنشاط ملحوظ على الساحة الاوروپية وفي الشرق الاوسط وتم عقد صفقات بعشرات المليارات اضافة الى العمل على أخذ دور اكبر في الصراع في كل من سوريا واليمن .

اذا ماتم إنجاز المشروع فانه يعني عودة الصين للمرة الثالثة في تاريخ العالم لتحتل مكانة القوة التجارية الأكبر وسوف تستحوذ وفق بعض التقديرات على ثلثي حجم التجارة الدولية ( وموارد الطاقة ) بصفتها منتجاً لموادها او ناقلاً لها ، وان ذلك سيؤمن لها عوائد مالية هائلة .

ماهو اذن شكل النظام العالمي الذي يمكن ان ينشأ اذا ماتم إنجاز المشروع ؟ وهل سنرى تحقق النبوءات التي تبشرنا بحلول الصين قوة عالمية عظمى تنهي الاحتكار الامريكي لهذه المكانة حتى الان بما يعنيه من انتهاء الظلم والجور الذي يعاني منه مستضعفوا العالم ؟!

وفقاً للمراقبين فان الصين تمثل قوة تغيير على الساحة الدولية ولكنها ليست قوة ثورية من شانها قلب النظام الدولي بضربة واحدة ولكنها تسعى الى المشاركة في مؤسساته القائمة والعمل على ان تكون ذات دور فاعل فيها بما يؤمن خدمة مصالحها ومشاريعها الدولية الطموحة . في اجتماع قمة العشرين عام ٢٠٠٩ في پيترسبورغ طالبت الصين بحصة تصويتية اكبر في كل من البنك وصندوق النقد الدوليين ، وقبل ذلك بعشر سنوات كانت قد خرجت من قائمة الدول المستحقة للإقراض في اطار منظمة التنمية الدولية ” IDA ” وتحولت منتصف هذا العقد الى مساهم فيها . كما تقوم الصين بالمشاركة في تمويل معظم مصارف التنمية الاقليمية الرئيسية حول العالم بضمنها مصرف التنمية مابين الدول الامريكية ” IADB ” والبنك الاوروپي للإنشاء والتعمير ” EBRD ” . لقد كانت هذه المؤسسات قد صُممت اصلاً لتعمل وفق منظور ايديولوجي غربي وتعمل الدول الفاعلة فيها على تنسيق سياساتها ومواقفها ، الا ان دخول الصين وبثقلها الاقتصادي والمالي وإعلاناتها المتكررة معارضتها للسياسات التقليدية لهذه المؤسسات قد وضع القيادات الغربية وخاصة الامريكية امام خيارات صعبة .

هل يمكن لهذا الحجم الهائل الذي يأخذه شكل الدخول الصيني للساحة الدولية والاتجاهات التي ياخذها تحويل الصين الى قوة عظمى مكافئة للقوة الامريكية ، واذا كان ذلك ممكناً فما هو المدى الزمني الذي سيأخذه ؟!

لاشك في ان هذا من نوع أسئلة المليون دولار نظراً لتعقيد العلاقات الدولية وغموض دينامياتها والإبهام الذي تاخذه اتجاهاتها أحياناً !! من كان يعتقد بصواب التوقعات التي كان يطلقها الپروفيسور پول كندي والپروفيسور غالتونغ والپروفيسورة هيلين دانكوس حول انهيار الاتحاد السوڤيتي والتي بدأوا بإطلاقها منذ منتصف السبعينات والاتحاد السوڤيتي في عز قوته ، بل من كان يتوقع ذلك قبل سنتين من حصوله ومؤشرات الاقتصاد السوڤيتي كانت ايجابية ، ولكن صرخات الحرية التي عجز النظام السوڤيتي عن إيجاد متنفس سلمي لها كانت أقوى من نظام الدولة الشمولية ؛ ثم جاءت ظاهرة غورباتشييڤ لتقلب الواقع عاليه سافله ؛ مع ذلك فان حسابات المنطق تظل نافذة فاعلة الى حد كبير ، وفي حالة الصين يبرز سؤال واحد والباقي من تفرعاته : هل ان القوة الاقتصادية قابلة لترجمة نفسها آلياً الى قوة شاملة بكامل اشكالها الصلبة والناعمة ، وهل ان الموارد المالية هي المترادف الاصطلاحي للقوة الاقتصادية ؟!

من الواضح ان تحويل القوة الاقتصادية التي تتخذ شكل الموارد المالية المتدفقة الى بلد ما كان يمكن ان يتم بشكل الي خلال العصور التي سبقت عصر الثورة الرقمية . كان يمكن لاية دولة تتمتع بموارد مالية كافية ان تحولها الى قوة اقتصادية تقنية ثم عسكرية متفوقة ، حين تشاء ، حتى حلول الثورة الرقمية والحواسيب الذكية في الفترة التي اعقبت الحرب العالمية الثانية ؛ هذه التطورات اضافت عائقاً مهماً امام تحويل المال الى قوة عسكرية او قوة هيمنة صلبة . وفي هذا المجال تقف الصين في مرتبة متدنية بين دول العالم المتقدم وخاصة الغربية او تلك المتحالفة مع الغرب والولايات المتحدة تحديداً . وفقاً لأرقام البنك الدولي فأن الولايات المتحدة تقف في صدارة الدول المصدرة للمعرفة التقنية حيث بلغت صادراتها من الوصفات التقنية ١٢٨ مليار دولار عام ٢٠١٣ وهو يمثل اربعة اضعاف الصادرات المثيلة للدولة التالية في الترتيب وهي اليابان فيما تمثل الصين دولة مستوردة للمعرفة التقنية وتستورد سنوياً ماقيمته مليار دولار من الوصفات التقنية وتشكل التقنية المستوردة نسبة عالية في مكونات صادراتها النوعية . بخصوص عدد براءات الاختراع ثلاثية التسجيل ( اي انها قابلة للتسجيل في الولايات المتحدة واوروپا واليابان ) في الولايات المتحدة فقد بلغ اربع عشرة الف براءة مقابل اقل من ألفين في الصين . اما الدراسات والمقالات في مجالات العلوم والهندسة والتي تتربع على قائمة ارفع المنتجات المعرفية المكتوبة فتبلغ في الولايات المتحدة ثمانية اضعاف حجم مثيلاتها في الصين وقد حصل ١١٤ عالم امريكي على جائزة نوبل منذ عام ١٩٩٠ مقابل اثنين في الصين فقط . من هنا فان ارقام اجمالي الناتج الوطني للبلدان لم تعد أرقاماً مناسبة لتعكس واقع الاقتصاد المقارن ؛ لقد كان هذا المعيار صالحاً في منتصف القرن الماضي حيث لم تكن هنالك فوارق نوعية كبيرة في مستويات التقدم التقني بين دول العالم ، لكن الصورة بدأت بالتبدل ، ومن هنا تعتمد الامم المتحدة حالياً معياراً اقتصادياً جديداً لغرض ترتيب دول العالم عوضاً عن المعيار التقليدي المستند بشكل أساسي الى اجمالي الانتاج الوطني للدولة . هذا المعيار الجديد يسمى ” مقياس الثروة الشامل ” وهو يتكون من عناصر عديدة أهمها : حجم راس المال الصناعي مثل المكائن والمعدات والطرق والمباني ، ثم حجم راس المال البشري مثل حجم ومستوى المهارات والتاهيل الفني والمهني اضافة الى التعليم والصحة ، ثم يتم ايضاً حساب راس المال الطبيعي المتمثل بموارد الارض ؛ وفقاً لهذا المقياس يبلغ حجم الثروة الإجمالية للولايات المتحدة حوالى ١٤٤ تريليون دولار مقابل ٣٢ تريليون للصين .

ان الامر في حساب قوة الدولة العظمى لايتوقف عند حجم الثروة المالية او الفوارق التقنية بل يذهب الى ابعد من ذلك وتحديداً الى مايسميه علماء العلاقات الدولية القدرة على الهيمنة والإشغال في المشاعات الدولية ، ونعني بها الفضاء والأجواء والبحار المفتوحة . في هذا الصدد يحدد الباحثون اربعة عشر صنفاً من أنظمة الإشغال والاستحواذ العملي تؤمن الهيمنة تبدأ من الغواصات النووية الهجومية وصولاً الى الأقمار الصناعية وحتى الطائرات التجارية العابرة للأجواء المفتوحة . في مقارنة بسيطة فأن الفارق الكمي والنوعي بين الصين والولايات المتحدة امر لايمكن المجادلة فيه . مقابل ١٠-١٢ حاملة طائرات امريكية والوحدات المرافقة لكل حاملة فوق وتحت سطح البحر وفي الفضاء اضافة الى عدد غير معلوم من الغواصات النووية الحديثة الصامتة من طراز فرجينيا لاتمتلك الصين غير قوة بحرية تقليدية ، ورغم انها كبيرة العدد وجيدة التسليح ومعززة بحاملة طائرات صغيرة سوڤيتية الصنع واُخرى صينية قيد التجربة ، وقد تكون هذه قوة متفوقة اذا ماقورنت بأية قوة بحرية اخرى بما فيها الروسية ولكنها تعود الى عصر غير العصر الذي تنتمي له البحرية الامريكية . ناهيك عن الانتشار العسكري الواسع حيث تمتلك الولايات المتحدة مئات القواعد العسكرية المنتشرة حول العالم وينتشر فيها اكثر من مليون جندي اضافة الى شبكة واسعة من التحالفات تضم حوالى ١٣٠ بلداً بضمنها اكثر بلدان العالم تقدماً وثراءاً …

يمكن ان يطول الحديث كثيراً في هذا الموضوع ولكن المؤكد ان قضية حلول قوة عظمى محل الولايات المتحدة في امد منظور بفعل حيازتها لثروة مالية او استحواذها على حصة اكبر في التجارة الدولية قد يكون نوعاً من انواع الشطحات الفكرية وتبسيط الامور بشكل مخل . لاشك ان الولايات المتحدة تتراجع على مختلف الاصعدة بالمقارنة النسبية لعناصر القوة ولكن مطاردة مكانتها هي أشبه بمطاردة هدف مازال ينطلق بسرعة كبيرة الى الامام ، وكلما قاربناه نجده يبتعد اكثر ، ولعل الحل الوحيد لهذه المعضلة يكمن في قانون الفيزياء الخاص بالقصور الذاتي .

السؤال الاخر الذي بطرح نفسه والذي يقدم المقال نموذجاً للإجابة عنه في بقعة محددة في العالم وهي التي تمثل نقطة انطلاق المشروع وتحديداً جنوب اسيا : هل تسمح الظروف العالمية والإقليمية بتنفيذ المشروع كاملاً ام انه اصبح مثاراً للنزاعات ومحوراً للتكتلات الدولية بحيث يتحول الى مصدر للصراع بدلاً من التعاون الذي يمثل جوهر ستراتيجية المشروع ؟!

المقالة التي اقدمها نشرت في مجلة فورين افيرز التي يصدرها مجلس العلاقات الخارجية الامريكي بعددها الصادر في السادس عشر من شهر شباط / فبراير ٢٠١٨ تحت عنوان : ارتدادات الطريق والنطاق ، معركة جنوب اسيا حول القوة الاقتصادية الصينية . كاتب المقال هو أندرو سمول وهو باحث متخصص في الشؤون الاقتصادية والسياسية الدولية ونشر كتاباً حول محور التعاون الصيني الپاكستاني .

لنتابع

عندما اعلنت الصين عن مشروع طريق الحرير ( OBOR ) عام ٢٠١٣ كان التصور العام الذي ساد العالم هو ان الصين قد بدأت بترجمة قدراتها الاقتصادية الهائلة لكي تكون في خدمة أهدافها الستراتيجية . ان طبيعة واهداف المشروع تدعو لمقارنته بمشروع مارشال الامريكي لاعادة اعمار اوروپا بعد الحرب العالمية الثانية . وفقاً للمشروع فان موانئ الصين وأنابيب الطاقة والطرق والسكك الحديد سوف تعمل على توسعة صلات الوصل التجارية والاستثمارية والبنى التحتية بين الصين واوروپا . سوف يتم انشاء اسواق جديدة ودمج الاقاليم المعزولة وزيادة الاستقرار في محيط الصين ، وبالتالي ستؤدي الى صياغة نظام دولي تكون الصين في نقطته المركزية .

ان اكثر المناطق ترشيحاً للاستفادة من المشروع هي منطقة جنوب اسيا . لاتتجاوز مناطق وسط اسيا ذات الكثافة السكانية القليلة قيمتها كمجرد طرق ترانزيت ومصدر للطاقة اكثر من كونها اسواق مؤمِّلة . اما شرق اسيا فان البنى التحتية للربط فيما بين بلدانها قائمة ومتطورة ، وتؤمن ضوابط ادارة المواصلات العامة في اوروپا منع اي امتيازات استثنائية للشركات الصينية في هذا المجال ، اما روسيا فهي اقتصاد متراجع .

تمتلك بلدان جنوب اسيا تلك المقومات التي تتناسب مع مضامين المشروع الصيني ونمطها الاقتصادي : كثافة سكانية ، نمو اقتصادي سريع مستوى دخل فردي يقارب ماكانت عليه الصين قبل عقد من الزمن ، وتعاني من شبكة مواصلات وبنى تحتية ضعيفة ؛ وعندما قام رئيس الوزراء الصيني لي كيكيانغ عام ٢٠١٣ بزيارة جنوب اسيا أعلن عن انشاء ممرين اقتصاديين هما نموذج لمشروع طريق الحرير قبل الاعلان عنه .

بعد خمس سنوات من الاعلان عن المشروع لاتبدو الامور على ذات القدر من الإيحاء بالامل . لقد تحول الاقليم الى ميدان صراع حول مستقبل المشروع . تبدي كل من الهند وعدوتها الپاكستان حماساً كبيراً للمشروع وتتجه المنطقة المحيطة من نيپال الى المالديف نحو مزيد من التسييس لخياراتها الاقتصادية ، وبينما كانت الامال تدور حول ان خطط الاستثمار الصينية ستزيد من التنافسية في المنطقة فان النتائج المتحققة حتى الان تشير الى العكس . لقد اندمج مشروع الطريق في الانقسامات القائمة اصلاً بين دول الاقليم وعمل على تعزيزها ؛ اذا ماكانت الصين ترغب في توجيه اقتصاديات المشروع نحو أهدافه الستراتيجية المتوخاة فان عليها ان تعالج جوانبه السياسية واذا مافشلت الصين في ذلك فان منطقة جنوب اسيا ذات الأهمية الحيوية للمشروع ستشكل عائقاً له .

في هذا السياق تبدو العلاقات الهندية الصينية مشكلة محيرة ونقطة جوهرية ، وقد تدهورت هذه العلاقات بشدة في السنوات الاخيرة . وفي مناطق اخرى قدمت پكين تطمينات حذرة الى بلدانها التي قد تحاول احباط عملية الاستثمار الصينية داخلها ؛ في روسيا مثلاً اكدت الصين بان الطريق سيقوي ويكمل مشاريع المواصلات الروسية بينما لم تفعل شيئاً كهذا مع الهند ؛ لقد كانت الهند من اوائل الذين أعربوا عن الرغبة للانضمام الى المبادرات التي تقودها الصين مثل ” بنك الاستثمار في البنى التحتية الآسيوي AIIB ” لكن الصين لم تُبْد اهتماماً بذلك وفضلت الاطار متعدد الاطراف للمضي قدماً في المشروع في الوقت الذي تعاملت فيه بشكل ثنائي مع بقية دول جنوب اسيا ، وبينما ظهرت في الخرائط الخاصة بالمشروع بعض الموانئ الهندية دون ان تجرِ أية محادثات ثنائية مع الهند بشأنها ، كما أدرجت الهند باعتبارها جزءاً من الطريق الذي يربط كلاً من بنغلاديش والصين والهند وميانمار دون موافقتها .

اما الاكثر اثارة للجدل فهو قيام الصين بالاعلان عن استثمار بقيمة عشرات مليارات الدولارات لانشاء الممر الاقتصادي بين الصين والپاكستان ” CPEC ” رغم ان الهند قد اعترضت على المشروع لانه يمر من أراضٍ متنازع عليها . ان محتويات هذا المشروع تبدو متواضعة في واقع الحال ؛ هي لاتزيد عن كابلات ألياف زجاجية للاتصالات وتحسين للطرق يتم العمل فيها فعلياً ، اما الطريق الذي يمر في منطقة گيلگيت – بالتيستان المتنازع عليها فهو صغير نسبياً وبالتالي فان مجمل هذا الممر الاقتصادي عبارة عن سلة استثمارية اكثر من كونه ممراً بالمصطلح المفهوم ، كما ان الپاكستان تبالغ في إظهار الصورة المستقبلية للمشروع من خلال حديثها عن السكك الحديدية وأنابيب نقل الطاقة مما يوحي بان هنالك تغييراً للوضع القائم للإقليم المتنازع عليه ، وهذا من شأنه ان يثير مخاوف الهند القائمة منذ وقت طويل حول العلاقات الصينية الپاكستانية والتي تدور منذ عقود حول الهدف الأمني المشترك لاحلال التوازن مع الهند . تنظر الصين الى المشروع على انه وسيلة من اجل تحسين استقرار الپاكستان ، فيما تراه الهند تقويةً وتشجيعاً للپاكستان .

لقد اثار مشروع طريق الحرير منذ إطلاقه موجة من القلق حول التداعيات الامنية الناجمة عن المآلات النهائية للنمو الاقتصادي للصين . تمثل سري لانكا اسوأ مخاوف الهند ؛ منذ عام ٢٠٠٧ بدات الصين بتزويد حكومة الرئيس ماهندا راجاپاكسا في سري لانكا بالاسلحة والتي لعبت دوراً مهماً في انهاء الحرب الأهلية في البلاد كما قامت پكين بتقديم قروض للحكومة المثقلة بالديون اصلاً لتمويل بعض المشروعات ” التجميلية ” التي من شأنها تعزيز القاعدة السياسية للرئيس راجاپاكسا . كما قرعت أجراس الخطر في نيودلهي عندما قامت غواصات عسكرية صينية بزيارة ميناء كولومبو دون اعلان مسبق ، وقد ادى ذلك الى إنجاح مساعي الهند الداعمة للمعارضة السريلانكية في انتخابات عام ٢٠١٥ ، لكن الرئيس السريلانكي الجديد ميثريبالا سيريسينا -الذي حاول التملص من بعض العقود مع الصين – لكنه واجه صرامة الشروط ووصل الامر الى حد عجز البلاد عن سداد خدمة ديونها وهنا استثمرت الصين تلك الظروف لغرض منح الشركات الصينية عقود ايجار طويلة المدى في ميناء همباتوتا .

لقد ظلت الهند تحتفظ بالهيمنة السياسية في سريلانكا وقد اثبتت انتخابات عام ٢٠١٥ ان هنالك ثمناً يتعين على سريلانكا دفعه اذا ماتجاهلت الخطوط الهندية الحمراء . لقد اكد المسؤولون السريلانكيون للهند ان صفقة ايجار ميناء همباتوتا سوف تبقي العمليات الحساسة في الميناء بما في ذلك الادارة الامنية بيد شركة وطنية وان الميناء لن يُستخدم لاغراض عسكرية ؛ لقد رفضت حكومة سريلانكا طلباً للبحرية الصينية لقيام قطع بحرية صينية بزيارة ميناء كولومبو . لقد وصل صدى الموقف الهندي كافة ارجاء المنطقة مما اضطر العديد من حكومات المنطقة للتأكيد ، من خلال قنوات خاصة ، ان قبول الاستثمارات الصينية سيظل بعيداً عن العسكرة . لعل الصين تجد بعض التعاون المؤقت من جانب بعض الحكومات لكنها ستجد صعوبة في الاستخدام المزدوج لاي ميناء في جنوب اسيا بما يمكن معه للبحرية الصينية توسيع فعالياتها ، باستثناء الپاكستان { ملاحظة : ينبغي في هذا الصدد ملاحظة توجه الحكومة الامريكية الحثيث باتجاه الهند والانكفاء تجاه الپاكستان وتشجيعها تعاوناً مماثلاً بين الهند واسرائيل ، كما تشهد المواقع الإعلامية المقربة من ” المؤسسة ” الأمريكية اشادة غير اعتيادية بسياسات رئيس الوزراء الهندي الحالي رغم توجهاته القومية المتطرفة مقابل هجوم غير مسبوق ضد الپاكستان واتهامها مباشرة بإيواء الإرهابيين ، وهو كلام تكرر على لسان ترامپ نفسه وتم اعتباره مسيئاً بشكل غير مسبوق للعلاقات التقليدية مع الپاكستان } .

لكن سريلانكا لم تتردد في تحذير الهند بشأن واقعها الاقتصادي الذي لايعمل في صالح الهند ؛ لقد اضطرت حكومة كولومبو الى العودة الى مائدة التفاوض مع الصين مما اضطرت معه الهند لتقديم بدائل فى البلدان التي تواجه احتياجات اقتصادية ملحة ، ولكن مشكلة الهند تكمن في حدود مايمكنها تقديمه بسبب شحة مواردها وقدرتها على الاستثمار المباشر فضلاً عن حاجاتها الوطنية في محال البنى التحتية . هذا الموقف اضطر حكومة دلهي لمحاولة انشاء شراكات مع بلدان مقتدرة لها علاقة بالموقف في المنطقة مثل اليابان التي قامت عام ٢٠١٥ بتاسيس مايعرف بالشراكة في محال البنى التحتية النوعية وهو عبارة عن موارد مشتقة من ” البنك الآسيوي للتنمية ADB ” كما قامت وبالتعاون مع الهند بالاعلان عن مشروع ” ممر التنمية الأفريقي – الآسيوي ” . لقد بدات اثار هذه المبادرة في الظهور ؛ لقد كانت بنغلاديش قد قطعت عام ٢٠١٥ شوطاً متقدماً في التباحث حول صفقة صينية لتمويل انشاء ميناء عميق ولكن الضغوط السياسية والإغراءات الاقتصادية دفعت بنغلاديش باتجاه اليابان حيث حصلت من وكالة التعاون الدولي اليابانية على اكبر رض في تاريخ المساعدات الاقتصادية اليابانية لإنجاز المشروع .

في سري لانكا تم الترويج لقصة مفادها ان مشروع طريق الحرير الصيني ليس سوى فخ لإيقاع الدول اسيرة للقروض الصينية ، وسيتبعها بعد ذلك سياسة توسعية عسكرية صينية . لقد راجت هذه القصة رغم ان التجربة قد اثبتت فوائد الطرق السريعة التي أقامتها الصين ، كما مثلت عملية توسيع ميناء كولومبو قصة نجاح اقتصادي .وان المستفيد الاول منها هي الهند . لكن مايثير الشكوك هي عملية انشاء مطار ماتالا راجاپاكسا الدولي ويشغله جهاز كامل من الموظفين ولكن لايوجد فيه اي مسافرين ولاطائرات وصالات المغادرة فارغة ، وهو محاط بشبكة من الطرق السريعة التي يزيد فيها عددالأبقار والفيلة التي تسرح فيه على عدد السيارات المارة . هذه القصة تقع موقع السرور في دلهي .

لقد عملت الهند وعلى ارفع المستويات السياسية للتعبير عن قلقها من مشروع طرق الحرير خلال الحوارات التي جرت مع المسؤولين من خارج منطقة جنوب اسيا . في هذا الصدد لم يكن غريباً ان يدلي وزير الدفاع الامريكي ماتيس بشهادة امام لجنة القوات المسلحة في الكونغرس ، بعد عودته من زيارة الى الهند ، افاد فيها الى ان طريق الحرير يمر في أراضٍ متنازع عليها ؛ لقد عملت كل من الهند واليابان لتعزيز موقف الولايات المتحدة التنافسي تجاه الصين ودعمتا تبني ستراتيجية هندو- پاسفيكية حرة ومفتوحة ، وهي تشكل نوعاً من المواجهة الجزئية لمشروع طريق الحرير الصيني ، وقد احتلت هذه الستراتيجية الاولوية على جدول اعمال إجتماع الرباعية الامنية ( استراليا – الهند – اليابان – والولايات المتحدة ) التي انعقدت في ت٢/نوڤمبر / ٢٠١٧ .

من الواضح ان اياً من هذه التطورات لم يمنع التوغل الاقتصادي الصيني في جنوب اسيا . هنالك مشروعات بقيمة عشرين مليار دولار يتم تنفيذها على الارض في الپاكستان ، كما يمضي الطريق الجنوبي السريع قدماً في سريلانكا لتأمين ربط كولومبو – هامبانتوتا . لقد تمكنت الصين من وضع نهاية للاحتكار الهندي للإنترنت في نيپال ، وستواصل بلدان المنطقة جني الفوائد من الدور المتنامي للصين من اجل تعزيز مواقفها تجاه الهند وهي القوة المهيمنة تقليدياً في الاقليم المحيط . في ذات الوقت فان الهند تمثل نوعاً من التاطير في حدود معينة لمشروع طريق الحرير من خلال تأمين بيئة تجعل من تجاهل مصادر قلق الهند امراً مكلفاً من الناحية السياسية . من شان ذلك ان يضع مشروع طريق الحرير في مفترق طرق .

هنالك ثلاث سيناريوهات محتملة لما قد يحدث بعد الان !

يمكن للصين ان تقوم بعملية تصحيح احادي الجانب ن خلال العمل على أناطة تنفيذ قسم اكبر من مشاريعها في جنوب اسيا بالبنك الآسيوي للاستثمار في البنى التحتي AIIB حيث يمكن تأمين قدراً اكبر من الشفافية وبشروط اقراض اقل ارهاقاً اضافة الى شراكات اكبر مع المؤسسات متعددة الأطراف ، ولابد كذلك من التركيز على مشاريع الربط الاقليمية بدلاً من تلك التي تؤمن الربط مع الصين . بموجب هذا السيناريو فان الصين لن تحيل كامل مشروع طريق الحرير الى البنك المذكور كما انها لن تتخلى عن مصالحها ولكنها ستواجه معارضة ونقداً اقل .

يمكن كذلك لكل من الصين والهند توصل الى اتفاق غير رسمي بشأن نطاق مشروع طريق الحرير باعتبار ان هنالك مساحة واسعة لإمكانيات التفاوض مع وجود الحساسية الهندية الخاصة بالممر الپاكستاني الصيني CPEC خاصة اذا ماقامت الصين بخطوات تطمين باتجاه الهند مثل دعم عضوية الهند في مجموعة المجهزين النوويين . كما يمكن للهند ان تتخذ موقفاً مشابهاً لموقف اليابان ازاء طريق الحرير من خلآل التركيز على الاعتبارات الاقتصادية والتجارية للمشروع ، اي تشجيع الصين على تنفيذ مشروعات على غرار توسعة ميناء كولومبو بدلاً من مشروع هامبانتوتا الذي تجاوزت أهدافه الاعتبارات التجارة والاقتصادية .ان مزيداً من الانغماس الإيجابي للهند في مشاريع طريق الحرير من شانه على الأرجح ان يزيد من فرص ترجيح معايير التنافسية الاقتصادية .

تتجه الامور في جنوب اسيا نحو نحو الصفرية . ان زيادة الاستقطاب الامريكي الهندي والصيني الپاكستانى هو اتجاه غير صحي في الوقت الذي تتزايد فيه الحاجة الى الاندماج والتكامل الاقتصادي في المنطقة . تعاني منطقة جنوب اسيا من نقص شديد في بنى الربط التحتية ووفقاً لتقديرات البنك الدولي فان حم التجارة البينية في المنطقة لايزيد عن ٥٪‏ مقابل ٢٥٪‏ في جنوب شرق اسيا و ٣٥٪‏ في شرق اسيا و٦٠٪‏ في اوروپا ، كما يعاني الاستثمار في مشاريع الربط في المنطقة من نقص شديد . لقد شكلت الاعتبارات الامنية في هذه المنطقة عائقاً كبيراً امام زيادة وتطوير العلاقات الاقتصادية . ان للقوى الخارجية مثل الولايات المتحدة والصين مصالح واضحة في انهاء مشاكل المنطقة وتوتراتها وإيقاف تحويل المشاريع الاقتصادية الى مشاريع سياسية وأمنية . من الواضح ان الأبواب مغلقة بالنسبة لهذا الاتجاه في الوقت الحالي .

منذ ان بدأ تنفيذ مشروع طريق الحرير الصيني في جنوب اسيا فانه يواجه العديد من العقبات ، ولابد من اجراء تعديلات تضمن تقدمه . لقد أطلقت الصين قراءتها للمشروع ومفادها ان نمو التجارة الصينية سيضاعف حجم الاستثمار وسيعزز بالتالي التنمية والاستقرار والتكامل في المنطقة . لكن ماكان ينقص هو التوافق مع القوى الاقليمية حول المشروع . لقد فشلت الصين في تقديم إيضاحات كافية حول ماذا كان الشكل الذي اتخذه المشروع في سري لانكا هو حالة فريدة ام انه نموذج لما يستهدفه المشروع بشكل عام . لقد تصاعدت مثل هذه التساؤلات حتى في الپاكستان الصديقة . ان المحطة القادمة هي المالديڤ ( ٢٠١٨ ) وستكون محطة اختبار في هذا الشأن .

مازال في وسع الصين تقديم نسخة معدلة من المشروع من شأنها ازالة المخاوف وتهدئة مصادر القلق ، ويمكنه حصد التأييد حتى من المنافسين إذا ماوجدوا فوائد في بعض الاستثمارات الصينية . اما قيام الصين بتبديل اسماء بعض المنشأت او اجراء تعديلات خطابية حول مشاريعها فانه لن يقدم آية فائدة ، ولذلك فإذا ما ارادت الصين ضمان انسيابية في تنفيذ مشروعها العملاق فان عليها بذل جهد اكبر في فهم الواقع السياسي للمنطقة بشكل أفضل .

شارك
المقال السابقالنزاع المصري – التركي على صفحة المتوسط حول مكامن الغاز
المقال التالىماريان خوري
فائز ناجي عبدالرحمن السعدون من مواليد بغداد / الأعظمية ١٩٤٦.. درس العلوم السياسية في جامعة بغداد وتخرج فيها عام ١٩٦٧.. انخرط للعمل في السلك الدبلوماسي العراقي منذ منتصف السبعينات وعمل في البعثات الدبلوماسية العراقية في جنيف والاكوادور وجمهورية مالي وطهران وبوخارست ... تخصص في الشؤون الإيرانية منذ عا....
المزيد عن الكاتب

1 تعليقك

  1. ابدعتم في استعراض محطات هذا المشروع الخرافي … لم تصل الصين الى هذا المستوى وبفتارات قياسية الا بفضل قادتها العظام وشعبها المتميز . اين العرب وقادتهم من هذه الدروس خاصة وهم يمتلكون من المقومات والثروات ما لاتمتلكه الصين ؟

اترك رد