المثقف المزفلط والمحفلط

 

يقدم الفيلم المصري ” فوزية البرجوازية “( 1985م ) لوحة شديدة السخرية لعالم المثقفين بانتماءاتهم الفكرية والإيديولوجية المتعددة ، خاصة اليمين واليسار .

تدور قصة الفيلم حول ” عبد الواحد ” الأديب الماركسي الذي سكن حديثا في بيت يمتلكه الأسطى ” بدار ” الحلاق، ذو المستوى التعليمي المتواضع . حيث تحدث مشادّة بين زوجة الماركسي وهي شاعرة تتفق معه في توجهه الفكري، وبين ” فوزية ” زوجة الحلاق التي تسكن في الشقة أسفلهم، فتهاجم الأولى (الشاعرة) الثانية (فوزية) بقولها : ” باين عليكي ولية برجوازية ملعونة “.

تتصاعد الأحداث وتتحول الحارة المصرية الشعبية وسكانها البسطاء إلى معركة إيديولوجية ، حيث يظهر على السطح مثقفان يتصارعان: عبد الواحد الماركسي ، والثاني : الطالب الليبرالي، وتنقسم الحارة إلى فريقين، الأول يناصر اليساريين دون فهم ، فيسمي أحدهم محله باسم ” الكرملين ” ويصبغه بالأحمر.

أما الفريق الثاني فيتزعمه بدار الحلاق والذي يغير اسم محله نكاية في جاره الماركسي فيسميه “البيت الأبيض ” ويلون جدرانه بالبياض، بإيعاز من الليبرالي ” سناء شافع ” الذي راح يغذي الصراع في الحارة من أجل الفوز بمزيد من الولائم والخدمات المجانية من قبل أهل الحارة ، وهو شخصية انتهازية في الحارة وفي الجامعة .

ينتهي الفيلم باكتشاف سكان الحارة، أنهم تصارعوا من أجل أفكار ومصطلحات لا يفهمونها، وحشروا أنفسهم في سجال عقيم لا يفيدهم . وقد عبر عن ذلك الأسطى بدار بقوله : ” أنا لا يميني ولا يساري أنا ابن بلد وهعيش وأموت ابن بلد “.

ومن ثم قام أهل الحارة بطرد اليساري واليميني، وعادوا لحياتهم البسيطة وعلاقاتهم الدافئة.

بالطبع يمكن إسقاط الفيلم على واقع المجتمع المصري، الذي تأرجح كثيرا بين الليبرالية والاشتراكية، ولم يحقق سعادته في أي من النظامين، وإنما تعاظمت مشكلاته، واشتدت خلافاته، ولم يصل إلى مسار فكري يخصه ، ينبع من ثقافته.

*****

من الإضافات المبدعة التي قدمها هذا الفيلم : تبيان حال المثقفين في عصرنا، فبضاعتهم الكلام ، ونشاطهم المقهى ، ونضالهم على الكراسي .

لقد جاءت صورة المثقف الرأسمالي واضحة : فهو نفعي براغماتي ، باحث عن المال والمنصب ، ويسعى بكل جهده إلى القربى من ذوي السلطة والصولجان، لأنه يعيش واقعه ويفهمه جيدا .

أما صورة الأديب اليساري “عبد الواحد ” فهي نموذج حقيقي للمثقف الانعزالي: يلبس النظارة السميكة، ولا يشاهد إلا حاملاً الكتب والمجلات، أو مشغولا بالحديث حول قضايا فلسفية عليا لا يفهمها من حوله؛ محلقا في برجه العاجي ؛حالما باليوتوبيا الماركسية التي تتساوى فيها طبقات الشعب وتُفنى ذوي الملكيات الخاصة .

وهو – مع ذلك – يرى عامة الناس حشرات ورعاعا ، لا يفهمون حجم التضحية التي يقوم المثقف بها في سبيل تحريرهم من طغيان الرأسمالية . فالشعب بالنسبة إليه طبقة من البرجوازيين أو الكادحين الجاهلين الراكضين وراء لقمة العيش.

أما حياة ” عبد الواحد” فهي موزعة ما بين كتبه التي يحملها، ليقرأها في منزله ليلا، أو كتابته لقصص قصيرة يغلب عليها الغموض ، و تنشر في مجلة يقرأها بضعة مثقفين ، ويكون مصيرها كيسا للب أو ورقة ملفوف بها سندويتش طعمية .

إنه نموذج شائع لمثقفي اليسار ، بدءا من ستينيات القرن العشرين وإلى يومنا تقريبا ، فكل ما يفعله هو الجلوس على المقاهي، وحوله بعض الشباب والأصدقاء ، يتبادلون النقاش بحماسة حول قضايا الماركسية وإشكاليات تطبيقها مع التجارب الستالينية أو الماوية أو اللينينية ، مع احتساء أقداح البيرة في مقاهي وسط البلد ثم يتسلل مغادرًا متهربا من دفع ثمن ما شرب . وهو في الوقت نفسه يرى أن الشعب لا يحتاج إلى الثقافة بل يحتاج إلى من يقوده، وبالطبع فإن المثقف هو القائد المؤهل لهذه القيادة التي ستنتهي بالجماهير إلى الثورة ، التي ستحرر الشعب من براثن الرأسماليين المتكلسين الذين كوّنوا ثرواتهم بالخداع والفساد والاستغلال .

*****

وحسنا ما وصف به الشاعر ” أحمد فؤاد نجم ” حال المثقفين في قصائده الساخرة، والتي انتشرت على الألسنة، عندما غنّاها صديقه المطرب ” الشيخ إمام ” في ظاهرة فنية راقية في عقد السبعينيات من القرن العشرين ، يقول ” نجم ” :

” يعيش المثقف ..على مقهى ريش

مزفلط محفلط .. كثير الكلام

عديم الممارسة .. عدو الزحام

بكام كلمة فاضية.. وكام اصطلاح

يفبرك حلول المشاكل قوام ”

مقهى ” ريش ” هو مقهى شهير في وسط القاهرة، قريب من ميدان التحرير، ومعلوم أن مشاهر المثقفين والأدباء تلاقوا فيه ، وتبعهم في ذلك الكهولُ والشباب. أما تعبير ” مزفلط محفلط ” فهو مستلٌ من القاموس الشعبي المصري، ويعني في مجمل دلالته : الشخص المرفّه المتنعم والمتبرّم في آن ، ومع ذلك يدعي الفهم والإفتاء في كل شيء ، ومترفع عمن حوله. بضاعته كلام ، و نضاله ثرثرة ، وخصوماته جدال، وصراعاته سفسطة .

*****

وهناك فئة أخرى من مثقفي اليسار، تغيروا قليلا فامتلكوا الأموال إما من مناصب نالوها، أو من هبات ومنح تساقطت عليهم، ومع ذلك فهو لا يكفّون عن النضال أيضا ، وإن كان بطريقتهم الخاصة ، التي يعبر عنها ” نجم ” بقوله :

” ما رأيكم ؟ دام فضلكم

يا جونسونات

يا بتوع نضال ..آخر زمن

في العوامات ”

*****

وهناك فئة ثالثة من المثقفين، تطوروا قليلا، ونزلوا إلى الشوارع إبّان الهبات والثورات، وسرعان ما تبدلوا مع الوعود أو الوعيد، وهؤلاء من تيارات فكرية شتى، واستمروا في أداء نفس الدور ألا وهو النضال الثوري بالكلام ، يصفهم أحمد فؤاد نجم بقوله :

” الثوري .. النّوري .. الكلمنجي

شفّاط الدين النهبنجي

قاعد في الصف الأكلنجي

شوكولاته وكرامله ”

إنه آكل على كل الموائد، بارع في القفز على مختلف الحبال، يتنقل من الماركسية إلى الليبرالية إلى الناصرية إلى الدينية دون أدنى مشكلة، بل إن لديه قاموسا مبدعا من المصطلحات المرنة، التي هي حمّالة أوجه، فلا ممسك عليه ولا مأخذ.

وقد نعتهم ” نجم ” منذ عقود بأبيات شعرية استمرت حيةً إلى عصرنا:

” يتمركس بعض الأيام

ويصاحب كل الحكام

بيتكتك لا تقول بركان

ولا بوتاجاز ولا حلّة ”

*****

إن المثقف الحقيقي هو الذي يجعل من سلوكه علامة على القيم والأخلاق التي ينادي بها ، فهو ليس من فئة الشعراء التي تصفهم الآية الكريمة : { ألَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ* وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ } ، وإنما من فئة الشعراء الذين يرون أن ” من الشعر حكمة” . وساعتها ستصبح كلمات المثقف حية، لأن قائلها صادق مع نفسه ، يحقق في سريرته ما ينادي به في علانيته ، وعلى استعداد للتضحية والذود .

*****

في رحلة من رحلات المغامرين المستعمرين الأوربيين لأعماق القارة الإفريقية ، كان معهم أحد المؤرخين المثقفين ليسجل ما يشاهدونه عن عادات القبائل هناك.

فوجئ المثقف الأوروبي في إحدى جولاته برجل إفريقي بسيط ، كان جالسا يقرأ كتابا، تطلع المثقف إلى الكتاب بيد الرجل الأسود ، فتبين له أنه كتاب دين ( القرآن الكريم ) ، فقال المثقف بعنجهية : ما هذا الذي تقرأ فيه يا رجل ؟!

تطلع إليه الإفريقي بهدوء ، ثم نهض وأومأ إليه ليتبعه في صمت، فذهب المثقف وراء الإفريقي إلي الجهة الأخرى من الكوخ ، حيث وجد كومة من العظام والجماجم، عندها قال الإفريقي : لولا هذا الكتاب لكان مصيرك الآن كمصير هؤلاء .. ولكن اشكر ربك لأن هذا الكتاب قد علمني ألا آكل لحوم البشر، وإنما علمني أن أحبهم وأعاملهم بالحسني.

1 تعليقك

  1. Avatar عمران علي

    بارك الله فيك وزادك علما ونفعنا بعلمك

اترك رد