حركة التغيير لتدمير الموروث ومحو الذاكرة


 

لو طرحنا مثل هذا السؤال العقيم:

• ماذا يدرس الطلاب العرب في مدارسهم وفي معاهدهم وفي جامعاتهم؟ وما هي المناهج المعتمدة؟
وثمة أسئلة أخرى أكثر أهمية من السؤال الأول:

• هل هناك اختلاف في قوانين الهندسية المعمارية ما بين الجامعات العربية والجامعات الغربية؟

• وهل النظريات العلمية للهندسة الميكانيكية في الجامعات العربية مختلفة عن النظريات التي يتم تدريسها في الجامعات الغربية؟
ما جعلني أطرح مثل هذه الأسئلة البليدة والرتيبة جداً هو:

كم وكم من المهندسين المعماريين تستفرغ من جوفها جامعاتنا العربية في كل عام ومع ذلك إلى يومنا هذا لم نشهد أي تصميم معماري مشهور ومميز مختوم وممهور بتوقيع عربي على الأقل في بلادنا العربية ولن نبالغ ونقول في بلاد غربية.

اخفضوا اصابعكم، أعلم بأنكم ستشيرون بها من باب التفاخر القبلي والعشائري إلى المهندسة البريطانية العراقية ” زها حديد” فهي معروفة عالمياً على إنها بريطانية وليست عراقية والتفاخر وحده لا يكفي ليكون هو الحقيقة. بريطانية هي من احتضنتها وهي لم تتلق أي دعم عربي ولو إنهاظلت في العراق لن تكون أكثر من موظفة في دائرة حكومية بائسة وفي مكتبفقير بالكاد يؤمن لها أقلام رصاص بعد ألف مذكرة وطلب؛ وما كنا قد رأينا اليوم تصاميمها الباذخة والمبهرة.

وكذلك جامعاتنا العربية في كل عام تلد من رحمها الخصب آلاف المهندسين الميكانيكيين ولكننا لم نر دراجة هوائية أو نارية من تصميم مهندس عربي؛ فكل الذي توصلت إليه بعض الدول العربية الغنية بفعل الطبيعة وليس بجهدها هي مصانع لتجميع القطع المستوردة.

• هل هناك اختلاف في خلايا العقل البشري ما بين أمة وأخرى؟ وهل ثمة اختلاف في القوانين العلمية والنظريات ما بين الجامعات العربية والجامعات الغربية؟
مرة أخرى ترفعون أصابعكم لتتحدثوا عن الخوارزمي وابن سينا وابن الهيثم والكندي… اصمتوا فقد فات الأوان ولم يعد من حقنا أن نتكلم عنهم، طالما أننا لم نأخذ بعلمهم وفلسفاتهم على محمل الجد، وأصبحت كلها في أيدي الغرب واستثمروها وطوروها وصارت من حقهم هذا إن صدق الادعاء العربي بأنهم قد سرقوا العلوم من العرب.

• والسؤال الموجع لماذا الغربي الكافر والجاحد بأنعم الله والملحد بوجود إله للكون يخترع ويبدع بينما العربي المؤمن والمتباهي بإعجاز القرآن لا يقدر أن يصنع مسماراً صغيراً؟
تعالوا معاً لننظر إلى المفارقات الكبيرة المضحكة والمبكية:

المملكة العربية السعودية، في القرن الحاضر أخيراً قد توصلت إلى اختراعمبهر، هز كوكب الأرض، هذا الاختراع الذي تطلب منها اجراء التجارب والاختبارات والبحوث وصلاة الاستخارة توصلت من خلاله إلى “معجزةالسماح للمرأة السعودية بقيادة السيارة لا بصنع سيارة”

صخب عالمي ولغط إعلامي محلي وأجنبي، وجميع أغلفة المجالات المحلية والعالمية وجميع مواقع التواصل ضجت بهذا الاختراع وندوات إسلامية وفتاوى وفوضى عارمة في الشارع السعودي حول معجزة قيادة المرأة السعودية للسيارة؛ فعندما يراقبنا الإنسان الغربي ويقرأ مثل هذا الخبرالباهت من حقه أن يهزأ ويسخر من عقولنا الجوفاء؛ إذ أنه يشعر وكأن المملكة العربية السعودية كانت تعيش في العصر الحجري وفجأة بمعجزة سماويةانتقلت من العصر الحجري إلى عصر النهضة والحضارة بعد أن سمحتللمرأة بقيادة السيارة. وأطلق عليها بحركة التغيير وكأن السعودية استخرجت الثوريوم وبدأت بإنتاج المفاعل النووي.

المرأة اليابانية في كل شهر تخترع منتج إلكتروني وتساهم في اختراع الروبوتات، الأطفال اليابانيون منذ أمد بعيد جداً يصممون ساعات يد وألعاب إلكترونية في أوقات فراغهم. والعالم العربي في عام 2018 بدأ للتو يحتفل بتحرر المرأة السعودية وجلوسها خلف مقود السيارة.

البلاد الاوربية تستقبل العقول دون أن تنظر في ديانتها وجنسيتها وترعاها وتقدم لها كل سبل النجاح؛ بينما المملكة العربية السعودية تضيق الخناق على الوافدين الأجانب وتفرض عليهم الرسوم والضرائب وتضعهم أمام خيارين كلاهما أمر من الآخر إما البقاء واستنزاف دخلهم وإما مغادرة المملكة والعودة إلى بلاد عربية بائسة اقتصادياً، أو بلاد ما تزال تُعقد على ارضها الحروب مثل سوريا واليمن؛ من خلال نظرية التغيير ورؤية المملكة 2030 وتحاول أن تقنع نفسها بأنها أصبحت مستعدة للاستغناء عن الجهود الأجنبية والاعتماد على أبناء الوطن وتطرد الوافد بطريقة دبلوماسية ” تطفيش”

يقول أحد الصينيون:

” لو تملك الصين ما تملكه المملكة السعودية من ثروات وموارد وعائدات لن تتردد الصين في أن تجعل من سطح القمر كوكب باذخ للصينين؛ واستغربُ من دولة مثل السعودية تملك كل هذه الثروات وما تزال معظم أراضيها صحراء قاحلة عرضة للغبار والحر الشديد، ومدنها تغرق من زخة مطر”

• ما الذي يحتاجه محرك السيارة؟ مع العلم بأن الميكانيكي البسيط في الورشة الصغيرة صار يعرف أصغر جزء في هذا المحرك؟ وماذا ينقص دول غنية مثل السعودية والامارات العربية وباقي دول الخليج من اختراع سيارة تصميم عربي من الألف إلى الياء؟ أم ثمة أسباب سياسية أقوى وأكبر من فهمنا هي ما تمنع العرب من صناعة سيارة؟
الحكام العرب والملوك لا يحرصون مطلقاً على التعليم ولا المناهج التعليمية،بقدر حرصهم وبراعتهم في صناعة الموت والقتل واختراعاتهم المبهرة لأحدث أساليب التعذيب وتهجير السكان من بيوتهم وبلادهم ورسم خرائط التقسيم العنصري والطائفي. وأذكياء إلى درجة الدهاء في بناء السجون والمعتقلات لتغييب السجناء والمعارضين لنهج طغاة الأمر.

إن من أضعف وأسخف الوزرات في الدول العربية كافة، هي وزارة التربية والتعليم. فهي الوزارة الأكثر بؤساً وبخلاً والمعلم العربي لا قيمة له والتعليم العربي ومناهجه الرتيبة والمملة تدفع للغثيان، كل دولة تكتب وتحرف في تاريخها وتاريخ ملوكها وحكامها وتجعل من نفسها الدولة الأعظم والأشرف. شعارات رنانة وعبارات تهز الجبال ونشيد وطني يجعل الأرض ترتعش من هول موسيقاه وكلماته الحماسية وحين تتأمل في حقيقة هذا البلد تجد بأنهلم يطلق طلقة واحدة باتجاه تل أبيب ولم يشارك جيشه في معركة فعلية، فقط أغاني ثورية وتمجيد للحاكم أو الملك، بينما التعليم وتطوير مناهجه أخر هممهم وأضعف ميزانية في الدولة هي ميزانية التعليم لهذا يتخرج الإنسان العربي من الجامعات مثل الطبل، والعبقري منهم يحوله المجتمع إلى مجنون يدور في الشوارع يصفق خلفه الأولاد ويسخرون منه، ولو فكر أحدهم بتقديم اختراع صار في غياهب السجون ولم يعد له أثر ويُصلى عليه صلاة الغائب.

مثل هذه الدول وهذه الشعوب من السهل أن يتم اختراقها والعبث بعقولها من خلال الجماعات الإرهابية التي تعمل لصالح الدول الكبرى والتي تدعمها وتمدها بالسلاح والتسهيلات لتستغل العقول العربية الفارغة وتجعل منها قنبلة بشرية انتحارية فليس لديها ما تخسره فهي تعيش في فقر وقهر واستبداد فتكون فرصتها القوية لتفريغ الحقد والكراهية وما تُحقن به من أفكار سامة وهدّامة، فلو أن الدول العربية تعنى بالتعليم ومناهجه وتكرس له ميزانية وعقول كبيرة ما استطاعت الجماعات المنحرفة والمأجورة أن تخترق عقول الشباب بهذه السهولة وتحرك الشارع العربي لتجعل منه شلال من الدماء.

الدولة هي من دفعت المعلم أن يتاجر بالعلم ويتنازل عن رسالته السامية؛لأنها لا تعطيه حاجته ولا تعيره أدنى احترام؛ فمن خلال اهمالها لجانبالتعليم هي تخلق بطالة فكرية ليتكدس في شوارعها ومقاهيها العاطلون عن التفكير وتهيئ لهم أسباب الجريمة والانحراف.

▪ مصر:
أقرأ في الاحصائيات العالمية عن حالة التحرش في مصر وإلى حجم البطالة سوف تدهشك الأرقام وعدد العاطلين عن العمل والذين لديهم استعداد تام أن يعملوا مع الشيطان في سبيل أن يعيشوا ولديهم الدافع في أن يتاجروابالمخدرات وبيع الأعضاء البشرية.

▪ العراق:
يشهد العراق ظاهرة جديدة وهي بيع الأولاد من شدة العوز والفقر، ولا أحد يعلم ماذا سيكون مصير هؤلاء الأولاد وإلى ماذا سيؤول حالهم. وأصبح عدد الحسينيات الإيرانية أكثر من عدد المدارس التعليمية وقاب قوسين وأدنى سوف يُمحى من الذاكرة تاريخ وحضارة بلاد الرافدين وتصبح اسوار بابل ذكرى عابرة.

▪ سوريا:
بعد ان أصبحت تحت الاحتلال الروسي المغلف بما يسمى الدعم ومحاربة الإرهاب، تم إدراج اللغة الروسية في مناهج التعليم من باب التصاهر الحضاري والثقافي؛ ناهيك عن انعدام التعليم في المناطق المدمرة وانحصرالتعليم في العاصمة دمشق وبعض المدن الساحلية التي لم تتأثر بالحرب.

▪ اليمن:
صار مرتعاً للأمراض المعدية والجوع الشديد؛ وإن دامت الحرب في اليمن أكثر سوف يعود اليمن إلى عصور ما قبل التاريخ وتنعدم به الحياة البشرية ويبقى مجرد أطلال لا يُعرف أين كانت تقع ممالك سبأ.

اللاجئ العربي:
بات يتلقى تعليم ممنهج على حسب ايدولوجية الدولة التي تأويه. رويداً،رويداً سوف ينسى النازح واللاجئ والمهاجر العربي نشيده الوطني وشكل علمه، وينسى جغرافية الوطن الأم ويبدأ بحفظ نشيد وجغرافية وتاريخ البلد الحاضن له؛ وهكذا هم يقتلعون من ذاكرته جذور وطنه.

المقال السابقحب وشوق
المقال التالىوطن مقلوب الهرم قاعدته في الاعلى
الشاعر السوري لؤي طه، الذي يراوغ رؤاه في كل مرة، ويبحث عن شتات الإنسانية وولع الذات التي تكون حاضرة في أشياؤه وأشياء الآخر. ليس هذا فحسب إنما يسمح لعاطفته أن تقوده إلى كتابة مالا يكتبه الآخر في أمكنة تستنطق الكلمات لتوقظ مساحة البوح. الشاعر لؤي طه، سوري الجنسية من مواليد 1970 يعتبر أن القصيدة توأمة....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد