حضارة الإنسان غاية كل الأديان

 

تظهر الدراسة التحليلية للعلوم الدينية على اختلافها، بما في ذلك الديانات القديمة، أن الوجود هو تجلي للطاقة الإلهية. ما معناه، أن الوجود هو انعكاس لله غير الظاهر في المادة الظاهرة، فإذا كان الوجود هو تجلي الله وإظهار مجاله وطاقته، يكون بذلك هدف الوجود هو إظهاراً للكمال الإلهي في المادة.
وبمراجعتنا لما تدونه كتب التاريخ والأدب عن الحضارات القديمة، نجدها تتحدث عن بعض من مراحل الزمن عاش فيها الإنسان بحياة الجنة على الأرض، وكانت هذه الحياة تعم بالسلام وبالبحبوحة والصحة. وتترافق مع هذه المعلومات حول الحياة في النعيم، تعاليم وممارسات من أجل التطور الروحاني. لقد كانت كل هذه الكتب التي تذكر الحياة الأفضل التي عاشتها الحضارات القديمة، تربط ذلك بمعرفة روحانية وشعائر دينية كانت تتبعها تلك الحضارات. لا بل إن الديانات السماوية قد ربطت الحياة في الجنة مع التقوى والتطور الروحاني للفرد.
وبدخولنا في تحليل المعتقدات التي اعتمدتها الحضارات القديمة، منها الحضارة العراقية القديمة واليونانية والفرعونية وحضارات أمريكا القديمة والحضارات الهندية والصينية وغيرها، نجد أن في كل حضارة من هذه الحضارات الكثير من التعاليم التي ترمي إلى التطور الروحي والحضاري والوصول إلى الله أو إلى التوحد بالطاقة الكونية في المعتقدات القديمة وعرفنا أن الإنسان هو تواق للوصول إلى الله أو الوصول إلى ما كان إنسان الحضارات القديمة يسميه بالألوهية. في كلا الحالتين كان الإنسان يبحث عن الوسيلة التي ترفع شأنه ومرتبته. وأن الإنسان الذي يعمل برضا الله، يحمي نفسه من مصاعب الحياة، ويعيش حياة أفضل فيها الطمأنينة والسعادة والرقي.
إن الأديان واحدة في أصلها وجوهرها وغايتها، ولكن تختلف أحكامها من رسالة إلى أخرى تبعًا لما تقتضيه الحاجة في كل زمان، وفقًا لمشكلات العصر الّذي تُبعث فيه هذه الرّسالات.إذ إن للبشريّة في كل طور من أطوارها مطالب وحاجات تتناسب مع ما بلغته من رقّي ماديّ وروحانيّ، ولا بدّ من ارتباط أوامر الدّين ونواهيه بهذه الحاجات والمطالب. فالمبادئ والتّعاليم والأحكام الّتي جاء بها الأنبياء والرّسل، كانت بالضّرورة على قدر طاقة النّاس في زمانهم وفي حدود قدرتهم على استيعابها.
إن الغاية من ظهور الأديان هي تعليم الإنسان وتهذيبه والمساهمة في تحضره . ما من دين حاد عن هذا الهدف الجليل الّذي ينشد تطوير الإنسان من كائن يحيا لمجرّد الحياة نفسها ، إلى مخلوق يريد الحياة لما هو أسمى منها، ويسعى فيها لما هو أعزّ من متاعها وأبقى، ألا وهو اكتساب الفضائل الإنسانيّة والتّخلّق بالصّفات الإلهيّة تقرّبًا إلى الله. والقرب إليه ليس قربًا مكانيًّا أو زمانيًّا، ولكن قرب مشابهة والتّحلّي بصفاته وأسمائه.
لطالما تعاون العلم والدّين في خلق الحضارات وحلّ ما أشكل من معضلات الحياة. فالدّين هو المصدر الأساسيّ للأخلاق والفضائل وكلّ ما يعين الإنسان في سعيه إلى الكمال الرّوحانيّ بينما يسمح العلم للإنسان أن يلج أسرار الطّبيعة ويهديه إلى كيفيّة الاستفادة من قوانينها في النّهوض بمقوّمات حياته وتحسين ظروفها, فبالعلم والدين معًا تجتمع للإنسان وسائل الرّاحة والرّخاء والرّقي مادّيًّا وروحانيًّا, فإن مال الإنسان إلى الدّين دون العلم، سيطرت على فكره الشّعوذة والخرافات، وإن نحا إلى العلم دون الدّين، سيطرت على عقله المادّيّة، وضعف منه الضّمير. واختلافهما في الوقت الحاضر هو أحد الأسباب الرّئيسيّة للاضطراب في المجتمع الإنسانيّ، وهو اختلاف مرجعه انطلاق التّفكير العلميّ حرًّا، مع بقاء التّفكير الدّينيّ في أغلال الجمود والتّقليد.
ونأمل أن يعود التوازن بين الطاقتين الروحية والعلمية من جديد لخلق إنسان متحضر إيجابي يبني المستقبل ويزرع الإلهام للبشرية أجمع .
انتهى

لا تعليقات

اترك رد