الفساد ينخر في بنية ثلثي دول العالم تقريبا


 

لا زال الفساد ، بأنواعه المختلفة ينخر في بنية الكثير من دول العالم، و بشكل أساسي العالم الثالث أو الدول النامية أو المتخلفة إن صح التعبير ..

و متابعة تقارير الفساد و الإطلاع على تفاصيلها مؤلم و محزن جدا، لكن الأكثر إيلاما و حزنا الإطلاع على مستوى الكثير من بلادنا العربية و الإسلامية التي باتت تتربع على قمة الدول الأكثز فسادا في العالم ..

منظمة الشفافية الدولية، و مقرها ألمانيا، إعتادت إصدار تقريرها الدولي عن مؤشرات الفساد العالمي منذ عام ١٩٩٥، ما يعنيه أن التقرير الأخير موضوع هذه المقالة و الذي صدر يوم ٢١ شباط ٢٠١٨ عن مؤشرات الفساد لعام ٢٠١٧ هو التقرير السنوي ال ٢٣ للمنظمة في هذا المجال، علما أن تاريخ صدوره يتزامن مع الذكرى ٢٥ لتأسيس هذه المنظمة التي تزايدت أهميتها و الإهتمام بها عبر السنوات المنصرمة، و قد أكدت المنظمة في هذا التقرير على أن تدني مستويات الحريات و الحماية الممنوحة للصحافة و الإعلام و المنظمات غير الحكومية كانت متزامنة و مترابطة مع تزايد و تفاقم الفساد في تلك الدول ..

و كان لي الشرف شخصيا أن أكون على إتصال مع المنظمة منذ أيامها الأولى، و أن أتابع أعمالها و نشاطاتها و تقاريرها منذ ذلك الحين، و ما يحزن أن تتجه التقارير لتشخيص مواطن الخلل و أحيانا تقترح بعض المعالجات، لكن النتيجة العامة و التوجه العام في العالم، أن الفساد مستمر في التعمق و التجذر و التزايد و الإنتشار في هيكلية الكثير من دول العالم، رغم جهود هذه المنظمة و المنظمات الدولية الأخرى ..

من الجدير بالذكر أنه حتى في أقل الدول فسادا لا بد أن نجد نوعا من الفساد هنا و هناك، لذلك نجد أن المعدلات لا تصل إلى ١٠٠٪ ، فهذا العام كان المعدل الأفضل و الذي حصلت عليه نيوزيلاند هو ٨٩ فقط، مما يعطينا فكرة عن مدى تعقيد هذا الموضوع و صعوبات مواجهته و التغلب عليه في معظم دول العالم، علما أن عدد الدول التي خضعت للدراسة هذا العام كانت ١٨٠ دولة ، و أن المعدل العام لنتائج الدول المشاركة في البحث بلغ ٤٣ ٪ ، علما أن ثلثي دول العالم تقريبا حصل على معدل ضعيف يقل عن ٥٠ ٪ ، مما يعطينا مؤشرا

على مدى تفاقم و تعاظم مشكلة الفساد حول العالم ..

كالعادة سنحاول بقدر الإمكان إستعراض أهم النتائج و الملاحظات و المؤشرات التي ذكرها التقرير، و أهم ملاحظاتنا بشأنه، مع تركيز خاص على الدول العربية و الإسلامية كلما كان ذلك ممكنا ..

تربع على رأس قائمة الدول الأقل فسادا في العالم دولة نيوزيلاند و بمعدل مقداره ٨٩ و هو الأعلى دوليا هذا العام، تليها الدانيمارك ، و جاءت فنلندا و النرويج و سويسرا في المرتب ٣ مكرر، و بعدها سنغافورا و السويد في المرتبة ٦ مكرر، و من ثم كندا و اللوكسيمبرغ و هولندا و بريطانيا التي جاءت في المرتبة ٨ مكرر ..

أستراليا حصلت على الترتيب ١٣ عالميا، و أميركا ١٦، و المفاجأة السعيدة كانت في حصول دولة الإمارات العربية على أعلى ترتيب بين الدول العربية، و ترتيب جيد ضمن دول العالم متقدمة عن عدد من الدول الأوربية ، حيث تمكنت من بلوغ المرتبة ٢١ و بمعدل مقداره ٧١ ..

قطر جاءت الثانية على المستوى العربي و في الترتيب ٢٩ عالميا و بمعدل مقداره ٦٣، و إسرائيل في الترتيب ٣٢ و بمعدل مقداره ٦٢، أما السعودية فجاءت في الترتيب ٥٧ عالميا، و بمعدل ضعيف واضح هو ٤٩ ، أما الأردن فجاء في الترتيب ٥٩، و من ثم عمان في الترتيب ٦٨، و بعدها تونس في الترتيب ٧٤ ..

الصين بإعتبارها من الدول العظمى سياسيا و إقتصاديا و ماليا، جاء ترتيبها متدنيا نسبيا ، في المرتبة ٧٧ و بمعدل منخفض مقداره ٤١، كما جاءت الدولة الكبرى الثانية الهند في الترتيب ٨١ و بمعدل عام مقداره ٤٠ ..

تركيا ، الدولة التي تعتبر متقدمة تكنلوجيا و إقتصاديا، و التي تحسب ضمن البلاد الأوربية، و من ضمن الدول الإسلامية المهمة و القيادية، جاءت في مرتبة متأخرة جدا قياسا للدول الأوربية و دول العالم الأخرى، حيث حصلت على الترتيب ٨١ و بمعدل عام ضعيف مقداره ٤٠ ، و ربما موضوع الفساد هو واحد من المعوقات التي تقف أو تستخدمها الدول الأوربية في مواجهة قبول تركيا في الإتحاد الأوربي على الرغم من تطورها و تقدمها في مجالات عديدة خلال العقدين الأخيرين ..

نعود لقائمة الدول العربية، و التي بدأت الآن في الظهور في كعب و قعر الترتيب العالمي، فبعد تونس نجد المغرب في الترتيب ٨١ مكرر ، بعدها الكويت في الترتيب ٨٥، و البحرين في الترتيب ١٠٣، و بعدها الجزائر في الترتيب ١١٢، و مصر الدولة العربية الأكبر من حيث عدد السكان في الترتيب ١١٧ و بمعدل عام منخفض جدا هو ٣٢ ..

أندونيسيا و الباكستان ، البلدان الآسيويان الإسلاميان جاءا في ترتيب متأخر جدا، مما يعطي مؤشرا قويا على تفشي الفساد فيهما بشكل كبير، فجاءت أندونيسا في الترتيب ٩٦ و بمعدل عام ٣٧ مكرر، و الباكستان بعدها

في الترتيب ١١٧ و بمعدل ضعيف جدا مقداره ٣٢ ..

جيبوتي جاءت في الترتيب ١٢٢، بعدها لبنان في الترتيب ١٤٣ و بمعدل عام ضعيف مقداره ٢٨ ..

روسيا، الدولة العظمى الأخرى جاءت في مستوى متدني جدا ضمن دول العالم، مما يعطينا مؤشرا على إنتشار الفساد في عموم البلاد، و أعتقد أن هذا بات معروفا خاصة بعد عهد الرئيس يلتسن و الإنفتاح الذي شهدته البلاد بعد تدمير و تقسيم الإتحاد السوفييتي السابق، حيث حصلت على الترتيب ١٣٥، و بمعدل منخفض جدا مقداره ٢٩ فقط ..

نصل الآن إلى قائمة الدول الأتعس و الأكثر فسادا في العالم، و التي تتربع على آخر قائمة الترتيب العالمي، حيث نجد العراق و ” كالعادة ” في الترتيب ١٦٩ و بمعدل منخفض جدا مقداره ١٨ فقط، و هنا لا نستغرب إحتفاظ العراق على مثل هذا الترتيب و الذي إعتاد الحصول عليه خلال السنوات ما بعد الإحتلال، على الرغم من الثروات الطبيعية و المالية الهائلة التي تدخل للبلاد، لكن الفساد المستشري هناك بات مضربا للأمثال، مع الأسف الشديد ..

بعد نظام اللادولة في العراق، تأتي اللادولة الليبية في الترتيب ١٧١ و بمعدل ١٧، و من ثم السودان في الترتيب ١٧٥، و اللادولة في اليمن في الترتيب ١٧٥ مكرر، و بعدها عربيا اللادولة السورية في الترتيب ١٧٨، و قبل الأخير جاءت اللادولة السودانية الجنوبية، الدولة الوليدة الجديدة للنظام العالمي الجديد و جاءت في الترتيب ١٧٩ و حصلت على معدل ١٢ ، و أخيرا اللادولة الصومالية في الترتيب الأخير عالميا و هو ١٨٠، و بمعدل ضعيف جدا جدا هو ٩ فقط ..

من ضمن الدول الأقل حظا عالميا في مجال الفساد أيضا، جاءت فنزويلا في الترتيب ١٦٩، بعدها كوريا الشمالية في الترتيب ١٧١، و أفغانستان في الترتيب ١٧٧ ..

و يقدم التقرير بعض الملاحظات بشأن عدد من الدول العربية، فعن لبنان، يشير التقرير أنه شهد تقدما ملموسا خلال عام ٢٠١٧ فيما يتعلق ببعض المجالات المرتبطة بمكافحة الفساد، مثل إقرار قانون للحصول على المعلومات و البيانات، كذلك إنتمائه لمبادرة الشفافية في المجالات الصناعية، و خاصة تلك المتعلقة بالنفط و الغاز و الموارد الطبيعية الأخرى، أيضا فأن الحكومة اللبنانية تمكنت من مراجعة و إقرار الموازنة السنوية للدولة بعد سنوات طويلة من الإنقطاع ..

أما تونس، فعلى الرغم من تحقيقها بعض الإنجازات و التطور في مجالات مكافحة الفساد خلال السنوات الماضية، إلا أنها فاجأت العالم بإصدارها قانونا يمنح عفوا خاصا لعدد من المسؤولين في نظام بن علي السابق، و الذين شاركوا في كثيرا من حالات التلاعب و الفساد، و هذا يعتبر برأي منظمة الشفافية نكسة و تراجع في جهود

تونس بإتجاه مكافحة الفساد و أوجهه المختلفة ..

و يشير التقرير إلي أن عموم البلاد العربية تتميز عن كثير من مناطق العالم، بشيوع ظواهر الحكم الديكتاتوري و البيروقراطية و إنخفاض مجالات الحريات الشخصية و حريات الإعلام، و إرتفاع مؤشرات الفساد بشكل عام، و حصر الموارد و النشاطات المهمة بأيدي فئة الشيوخ و الأمراء و الشخصيات المقربة للسلطة أو رأس السلطة أحيانا و بالتحديد، و حرمان الملايين من السكان من كثير من الحقوق و الإمتيازات و الموارد، و ربما تتشارك معظم البلاد العربية في هذا المجال مع عدد من أكثر دول العالم فسادا و تخلفا في أميركا اللاتينة و أفريقيا على سبيل المثال ..

و يؤكد التقرير، أنه مع بداية و إنطلاق ما يسمى بالربيع العربي أو الإنتفاضة العربية عام ٢٠١١، شهدت عموم البلاد العربية تراجعا في مجالات الحريات و الإعلام و حريات إبداء الرأي و إستقلالية الإعلام و القضاء، و إختفاء أو السيطرة على نشاطات و حركة المنظمات غير الحكومية و الشخصيات المستقلة التي تمارس نشاطات إجتماعية أو سياسية بارزة في تلك الدول، و تم إعتقال و إجراء محاكمات صورية للعديد من الشخصيات، و هنا يضرب مثلا بما جرى و لا زال يجري في مصر و بعض دول الخليج و العراق و المغرب ، و هذا كله كان عاملا دافعا و مشجعا لإرتفاع معدلات الفساد في تلك الدول بشكل عام ..

و يفرد التقرير حقلا مهما لأسوأ الدول العربية أداءا في مجال مكافحة الفساد و هي، العراق ” دائما “، و سوريا و ليبيا و الصومال و السودان و ” جنوب السودان ” و اليمن، و يؤكد التقرير إلى أن من أهم العوامل المساعدة على الفساد هناك الحروب المستمرة في بعضها منذ سنوات طويلة، و النزاعات و الصراعات الداخلية، و غياب الحكومة و القيادة الواعية المخلصة الأمينة، و غياب أنظمة و قوانين مكافحة الفساد و غياب الأجهزة و المؤسسات اللازمة لإدارة هذه الفعاليات بالشكل المطلوب، و يشير إلى أن هذه الدول لا زالت لم تبذل الجهد الكافي للخروج من المستنقع الذي تغوص فيه منذ سنوات ..

على الرغم من النتائج المرتفعة نسبيا لنتائج الدول المتقدمة كأوربا و أميركا، لكن هناك مؤشرات عديدة برأيي تدل على كون أن رجال الأعمال و كبار الشركات الرأسمالية الأوربية و الغربية و الأمريكية لها دور محسوس في إنتشار الفساد و الرشاوي و العمولات في الدول النامية و الدول الأقل تطورا، و إن كان نفس هؤلاء رجال الأعمال و الشركات تحاول أن تكون أكثر إلتزاما في دولهم الغربية الأوربية نظرا لتشدد الأنظمة و القوانين المالية و الإدارية و تلك المحاربة للفساد ..

كانت هناك تقارير سابقة لهذه المنظمة، و لمنظمات و مكاتب إستشارية مختلفة تؤكد و تذهب بهذا الإتجاه، و تعزز تلك النتائج بالعديد من الحالات و الأمثلة، و إن كانت هناك من فترة إلى أخرى إعلان و ضربات إعلامية عن إغلاق شركات أو مسك و محاكمة مسؤولين مرتبطين بتلك الجرائم و الفساد، لكن ذلك لا يمثل إلا قطرة في بحر، و برأيي أن تعاظم نسبة الفساد مرتبط بشكل جذري و قوي مع تزايد الغنى الفاحش و الفوارق الإجتماعية في العديد من دول العالم، و تزايد قوة و هيمنة و سلطات الشركات الرأسمالية متعددة الجنسيات، سواء في البلاد الغربية أو الدول النامية و المتخلفة، و أبسط مثل قريب يمكننا أن نضربها، موضوع تجارة السلاح و شركات أو لوبي السلاح في أميركا، الذي يدير تجارة الأسلحة و التي تقف وراء الكثير من الحروب و النزاعات في معظم دول العالم، و كيف أن هذا اللوبي القوي بات قادرا على فرض كلمته و إرادته على الحكومة الأمريكية و العديد من الحكومات الغربية، التي تدعي القوة و النزاهة و قيادتها لحملات مكافحة الفساد ..

لا تعليقات

اترك رد