صورة المهمشين في الإعلام العراقي

 

عدا ما يتصل بالتهميش السياسي فهو ليس موضوعي هنا ، تعددت فئات المهمشين في العراق ، طبقياً دينياً مذهبياً اجتماعياً و مناطقياً لكن الفئة التي تمثل قاسماً مشتركاً بين الجميع هي فئة الطبقة المسحوقة التي لا ناصر لها و لا معين و لاحزب و لا عشيرة و لا ميليشيا ، منتسبوها عراقيون من جميع الأديان و المذاهب و القوميات و المناطق يجمعهم الفقر و الجوع و المرض و الإضطهاد . هذه الطبقات هي مادتي في هذه المقالة و هي صاحبة الحق في أن يتناولها الإعلام من اجل إيجاد حلول دائمة لقضاياها ، وهي بالفعل مادة رئيسية في برامجه ، في نشرات الأخبار وتقارير المراسلين لكن كيف تناول الإعلام العراقي مآسي هذه الطبقة و بأية طريقة قدمها و لأية غاية ؟
تقرير تلفزيوني عن عائلة فقيرة أصيب كل أفرادها بمرض غريب يشبه الجذام . يبدأ التقرير بلقطات عامة لحي عشوائي بائس ثم لبيت آيل للسقوط تقترب الكاميرا من البيت بحركة انتقالية مع سرد كتبه المراسل لاستثارة عاطفة المشاهد من قبيل ( هنا تسكن عائلة ابتلاها الله بمرض عضال …الخ ) فجأة يقطع على لقطة متوسطة لأربعة شبان واقفين صفهم المخرج كما يصف العريف جنوداً في وحدة عسكرية ثم يترك كاميرته تستعرض أجسادهم ووجوههم وقد تساقطت أجزاء منها و تشوهت بفعل المرض يبدأ بعدها المراسل بتحقيق بوليسي معهم يطرح من خلاله أسئلة استفزازية لا تراعي وضعهم الإنساني و لا كرامتهم كبشر : ما اسمك ؟ كم عمرك ؟ هل فكرت بالزواج ؟ لم لم تفكر بالزواج ؟ لم تجد فتاة تقبل بك أليس كذلك ؟ هل لديك أصدقاء ؟ لم ليس لديك أصدقاء ؟ وهي أسئلة من الواضح أن الغاية منها دفع هذا الشاب المسكين إلى الإنهيار فالقناة لا تريد عرض حالة شاب متماسك يواجه مشكلته بقوة لأن مثل هذا العرض لا يثير المشاهد وبالتالي لا تحقق الغاية من التقرير و عندما يتلكأ المتهم بالإعتراف بدوره ب” ارتكاب ” المرض بسبب الخجل أو الألم الذي يعتصره يساعده المراسل بالإجابة : هل تقصد أن الناس يهربون منك ؟ هل يهربون لأنهم يخافون شكلك أم لأنهم يخشون العدوى ؟ ما هي ردة فعل الأطفال عندما يشاهدون وجهك المشوه ؟ و يستمر التقرير – التحقيق البوليسي باستفزاز و تحطيم ” المتهم ” حتى يصل إلى غايته : إستخلاص الدموع من عيني شاب يائس تتناقص أعضاء جسمه حتى الموت و هو يقبل بتصويره بهذا الشكل المهين و ظهور تفاصيله التي يخجل من اطلاع أقرب الناس إليه عليها فيوافق على عرضها على الشاشة أمام الملايين لأنه يريد التمسك بقشة ربما ساقها القدر اليه لعل هناك من يشاهده فيرأف بحاله . في اللحظة التي ينتظرها المراسل ، لحظة انهمار الدموع تتحرك الكاميرا لاصطياد هذا الإنجاز الكبير الذي حققه المراسل بحركة زوم على عيني المريض المغرورقة بالدموع ووجهه المشوه لتضاف إليها فيما بعد موسيقى تصويرية ، ناي أو كمان منفرد حزين يرافق بكاءه ليختم المراسل تقريره بهراء متكرر في كل التقارير التلفزيونية تقريباً : هذا هو حال شعبنا مع صمت المسؤولين ( و صاحب قناته واحد من المسؤولين ) .. الخ .. من امام الحفرة التي تتعفن فيها عائلة كاملة هذا مراسلكم يحييكم .
التقارير التلفزيونية ذاتها تتكرر مع تغيير الوجوه البائسة و اليائسة . مراسلون يتوزعون على العشوائيات و المناطق الفقيرة و مخيمات اللاجئين و تقاطعات الشوارع بل و المستشفيات أيضاً للبحث عن هذه القصص ، شاهدنا مراسلاً يتبعه المصور حاملاً كامرته المهتزة على كتفه يطاردان شاباً خارج المستشفى أخبره الطبيب لتوه أنه مصاب بالأيدز ، كان صيداً ثميناً لا تجوز إضاعته ، الشاب يبكي بحرقة لأن حياته انتهت ومستقبله انتهى قبل أن يبدأ و سمعته انهارت لفهم الناس القاصر لهذا المرض الذي تبين لاحقاً أنه أصيب به بسبب وشم بإبرة ملوثة ، حاول الشاب التخلص من المراسل الذي أقسم كاذباً أنه لن يظهر وجهه و أنه يستطيع مساعدته ، لا ندري كيف ، وبعد أن حصل على قصته تركه منهاراً و حث خطاه بصيده الثمين الى مبنى التلفزيون ، حصلنا على رزقنا لهذا اليوم نتمنى أن يجنبكم الله ما ابتلى به هذا الشاب المسكين ، هذا مراسلكم يحييكم من أمام المستشفى و إلى قصة أخرى نستودعكم الله .
و يبدو أن هناك قوالب جاهزة لدى هذه القنوات تعيدها كل يوم حيث يضع المونتيرأدواته في ملفات تحت اليد على سطح مكتب حاسبته ، ناي أو كمان منفرد و لقطات ارشيفية ربما من تقارير سابقة و خاصة التقارير التي تستعرض أوضاع مخيمات النازحين فلا أحد منا زار هذه المخيمات ، نحن جميعاً تعرفنا عليها من خلال تقارير تلفزيونية و لذلك يصعب تمييز اللقطات إن كانت حقيقية أم من مخيمات في دول مجاورة أخرى .
حمّى التصوير انتقلت من المراسلين الى ضباط الشرطة الذين يريدون الظهور من خلال لعب دور شارلوك هولمز الذي يكتشف الجريمة ليعرضوا علينا ، ان لم يكن على قناة تلفزيونية فعلى مواقع التواصل ، تحقيقاً أولياً مع متهمين أو مداهمة لبيت متهم بالارهاب او منزلاً يرون أنه مشبوه ، يُظهر الضابط إنحرافه في تعمد إظهار وجوه المتهمين قبل أن تثبت عليهم التهمة و يحولهم القاضي من متهمين الى مدانين و هم كحال المراسلين لا يعرفون شيئاً عن المعايير المتبعة في صيانة حق الإنسان بعدم ظهوره علناً حتى و ان ارتكب جرماً ناهيك عمن لم يعرض على محكمة بعد لتثبت جرمه و قد نُشر مؤخرا مقطع قيل أنه لمجموعة من طلاب و طالبات الجامعة يقيمون حفلة في بيت أحدهم و لا يبدو أنهم متورطون بعمل يخالف القانون و بدا الضابط مهتماً جداً بإجبار الفتيات على إبراز وجوههن للكاميرا محاولاً بهذا السلوك تعويض نقص في شخصيته المنحرفة التي يحملها كثير من رجال الأمن غير مبال بما قد يحل بهن و بأسرهن من عواقب اجتماعية ، شريحة الشباب طبعاً في مقدمة الشرائح المهمشة التي حرمت من فرص التعبير عن نفسها بشكل سليم لا يتنافى مع القانون و لا مع التقاليد الإجتماعية السائدة
عرض قضايا هذه الفئات بهذه الطريقة لا يخدم التصدي لقضاياهم و لا يهدف لإيجاد حلول تعالج أصل المشكلات و لا يعمل على إنقاذ شريحة من حيف أو إهمال أو حتى خطأ وقع أفرادها به بل يخدم غايات بعضها سياسية ، مع كل انفجار تتعزز طبقة المهمشين بأعداد جديدة من الأيتام و الأرامل و المشردين منهم من يفترش الشوارع لا حيلة له و منهم من ينحرف و منهم من يحترف الجريمة ، ألسياسيون ضالعون بإبقاء هذه الشرائح بهذا الوضع لأنهم بحاجة لطبقة مسحوقة يبيعون لها الأحلام و يشترون منها الأصوات ، و قنواتهم تنتهج نهجاً و سلوكاً مهيناً للإنسان باستغلال هذه الطبقات أبشع استغلال و هم جميعاً مادة دسمة للمزايدات و المناكفات السياسية و ما دام كل حزب يمتلك عدداً من وسائل الإعلام فإننا على موعد كل مساء مع سهرة تلفزيونية لقصص جديدة من قصص المهمشين

المقال السابققراءة في تجربة الفنان محمد الشاوي -1
المقال التالىالوسائل الحديثة ..؟
عماد عبود عباس كاتب عراقي عضو عامل في نقابة الصحفيين العراقيين 1974 وعضو اتحاد الصحفيين العرب و الاتحاد الدولي للصحافة İFJ اكمل دراسته في جامعة سراييفو في يوغسلافيا السابقة عمل في مجال الاعلام مدير تحرير و مذيعا و منتج برامج، يكتب العمود الصحفي و المقالة في عدد من الصحف و المواقع الالكترونية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد