أردوغان من وجهة نظر عربية اسلامية

 

ما ان تنشر وسائل الاعلام مواقف وتصريحات الرئيس التركي “أردوغان” تجاه اي قضية تتعلق بالمنطقة او بالعالم الاسلامي تحديداً، سواء كانت تلك المواقف ايجابية او سلبية حتى تنطلق حملات الطعن والانتقاد لهذه المواقف كانها سيول جارفة من قبل الطرف الاخر.

والذين هم مزيج من السلفيين سواء المرجئة او الجهاديين او بين الحدين او حتى من هم ابعد من السلفية الذين يحملون بالعموم مواقف بالضد من الثقافة الاخوانية او الاسلام السياسي عموما.

وعلى النقيض تماماً نرى حملات ترويج مقدسة لهذه المواقف بشكل مبالغ من قبل مؤيدي الثقافة الاخوانية والاسلام السياسي ومؤيدي أردوغان الى حد العبودية لدرجة يرادوك الشك هل من يتحدثون عنه نبي طارئ ام ذاته الرئيس الجمهورية التركية الميكافيلي أردوغان!

حيث يتباهون بـ أردوغان كأنه ولد من رحم مدارسهم الفكرية او الفقهية، او انه ثمرة كفاحهم السري في حكم القوميين، ، فياخذون بشرعنة السياسة الميكافيلية التي تقوم عليها مواقفه، وسط سفسطة تبريرية طفولية.

وبين هؤلاء وهؤلاء تشتعل مواقع التواصل بشكل دوري اينما صرح أردوغان او ابدى موقفاً، لااريد هنا الانحياز للطرف الاول الذي جعل من أردوغان معجزة سماوية، ولا ادعي العكس واجعل منه وضعياً ماسونيًا، كما يتحدث الطرف الثاني، مستدلاً باسخف الادلة وان كانت له صورة مع عارضة ازياء او انه قدم مساعدة انسانية لدولة ما.

على العكس تماماً، ما اريد في هذا المقال انتقاد الطرفين ليس لان أردوغان شخصية غير عربية، او لانه لا يعول عليه فعلاً في انقاذ الواقع الاسلامي العربي، انما اريد ان اوضح عدة نقاط والتي هي ام الاشكالية والجدل الحاصل سواء مع قضية أردوغان ، او مع زعماء اخرون ذو هوى اسلامي ان صح التعبير، فالجدل الحاصل هو انعكاس لازمة انطباعات وثقافة غير واقعية لعل يتضح ذلك تحديداً من السطور ادناه.

الحاكم من وجهة نظر فقهية

ثمة ازمة حادة في التراث الديني الاسلامي من مؤلفات وفتوى حول الحاكم والدولة عموماً، فاذا ما جئت تقارن بين الابواب والمؤلفات في المواضيع الفقهية والعقدية، بالمؤلفات والكتب حول مفهوم الدولة والحاكم في التراث تجد هناك ندرة واضحة!

وهذا واقع يكاد يعترف به الكثير من الاسلاميين، باستنثاء المدرسة السلفية التي لازالت في نمطها التقليدي، باقامة دولة عابرة للحدود الوضعية كما يسموها وان يكون الحاكم امبراطوراً عادلاً وان تكون اراضي المسلمين قطعة واحدة.

وفق الية ادارية وسياسية كالتي قبل قرون، يريدون ان تكون واقعا حاضراً بكل سذاجة، ، ولهذا لايمكن ان تستوعب سخرية تنظيم القاعدة عندما اعلن دولة اسلامية في العراق في عام 2006، وهو يملك اي سيطرة لديه فعلية سوى في بعض المناطق الصحراوية والقروية، لكن مع ذلك متمسك بانها دويلات وانها حاكما عليها ويتحدث كأنها فعلا كذلك.

فالسلفي خاصة رؤيتهم عن الدولة والحاكم هي تمثيل عن ازمة فكرية وانعكاس لازمة نفسية اكثر من كونها تمسك واصرار اصولي، فالسلفية بالعموم متعطشين للمظاهر الاسلامية واكسسوراتها، اكثر من نضوج فكري وعقدي توسيعي يرغب باقامة دولة دينية فعلية.

فاذا كان اكثر المطالبين بوجود دولة اسلامية وحاكم اسلامي، يعانون من رؤية ركيكة، ويفتقدون سواء لمروث غني وقدرة من استحداث وتحديث من نظم ونظريات اقامة دولة.

كيف اذن بالعامي عموما وباصحاب هذا الجدل خصوصاً الذين نتحدث عنهم، ما اريد الوصول اليه ان الرؤية المتوفرة لدى المسلمين عموما والاسلاميين خصوصاً، هي رؤية غير ناضجة مورثة بشكل قصصي اسطوري.

فالحاكم المسلم والدولة الاسلامية انطباع ومفهوم لديهم مرادف للاحلام الوردية والعدالة المطلقة، والسلام الابدي، وذلك سخرية لاتضاهيها سخرية، فواقع الدولة الاسلامية على العكس تماما اعني واقعياً، فحتى ثمة هناك مبدأ ان صح التعبير الحاكم اذا ما وقع الاختيار بين مرشحين الاول يكون غير متلزم دينيا مقارنة بالمرشح الثاني يتم اختيار الاول على علته ان كان مهنيا ويتصف بصفات القيادة، هذا من حيث اصل فلسفة الدين.

ومن حيث التاريخ ان الحكام المسلمون منذ بدايتهم من الخلفاء كانت هناك صراعات دموية وخلافات سياسية من الدولة الاموية الى العباسية ونشاطها السرية وجواري سلاطينها الى ما بعدها من خلافات مروراً بالعثمانية!

فمهما كان الشكل الذي يحاول الفقهاء المسلمون تبريره ومحاولة استخراج من تلك الصرعات الدموية والاختلافات الدموية حكماً نثرية، الا انها صراعات حاصلة واضحة اسبابها، وبعبارة اخرى ان “الفاروق عمر بن الخطاب” وعدالته هي حالة انسانية شخصية اكثر من كونها واقعا ونمط حكم سائد طيلة قرون، “والمعتصم بالله” الذي حرك جيوش جرارة من اجل امراة مسلمة، هي حادثة حصلت في عهد حاكم اكثر من كونها سياسة دولة اسلامية على مر عصورها.

وغيرها من الحوادث المشهورة والتي تزرع في عقول الشباب المسلم صباحاً مساءاً، فالصورة النمطية عن الدولة والحكام اليوم في واقع الاسلاميين سبب فجوات كثيرة وخلافات لاتعرف الانتهاء ختامها غالباً التكفير والتخوين.

ولعل هنا قد اخرج عن اطار الموضوع قليلا، لكن ارى من المفيد الاشارة، فالفجوة بين هذه الصورة النمطية لدى الشباب وبين قيادات الاسلاميين جعلتهم في واقع يطعن الاخر ويخجل الاخر.

فقيادي الاسلام السياسي يضع في عقول شبابه حكما وصوراً مثالية لانداهن لا نفعل لن ولن، لكن عند اي محاولة تضييق او تلزم الحاجة التفاوض سرعان ما تطلق تهم الخيانة على تنازلاتهم، فهناك اليوم ثمة فجوات متراكمة نتيجتها فشل ظهور نظرية ونظام اسلامي بامتياز سواء انطلق جديداً او اقتبس من التجارب السابقة، واقعها صوراً مثالية كالحاصل الان.

أردوغان يسعى لبناء مجد قومياً

أردوغان ، شخصية قومية بامتياز، أردوغان يا معشر الاسلاميين رجل طوراني اكثر من كونه اسلامي، شخصية تهمه تركيا ومصالحها اكثر من مما تهمه اي دولة اسلامية كانت، وشخصيا اجد ذلك مبرراً له.

فهو يريد بناء دولة قوية وان يمثل تجربة ناجحة في واقع مليء بالتحديات، أردوغان شخصية يسعى لبناء اسمه كشخص وعلامة في الاجيال القادمة كتجربة عالمية اكثر سعيه لان يذكر اسمه بان حاكما مسلم قام بموقف بطولي حماسي.

أردوغان يعول على ابناء بلده لبناء دولة قوية، فحتى اسلمة الدولة التركية التي يخشى منها العلمانيين من حصولها، هو سعي ان تكون دولة عثمانية اسلامية، لاحجازية او سلفية او شامية اموية، فهو يريد بالمحصلة ان تعلو دولته ودين دولته، ويستعيد مجد اجداده.

أردوغان عندما يفاوض ويتنازل ويتدخل ويضغط في سوريا او غيرها لديه مصالح دولته اكثر من مصالح غيره، اليوم لو كان أردوغان غير اسلامياً كان يستطيع التدخل بسوريا وان يقيم اكثر مما يقوم ويتاجر في سوريا، دون ان يستقبل لاجئاً واحداً، فان يكون الشخص اسلامياً لايعني ذلك تحملوه منه او تطلبوا منه معجزات او منجزات.

فثمة واقع عليكم ان لاتتناسوه يفرض معطياته وله اعتباراته، اما ان تجروا تلك المعطيات وتجعلوا من مراجعكم الفقهية والثقافية المحدودة معياراً للتقديس او الحط، ذلك لايرقى ان يكون جدلاً بيزنطياً.

لا تعليقات

اترك رد