الغوطة وحيدة في مواجهة مصيرها في إطار صراع المحاور


 

ما يحدث في الغوطة يريد الروس تقديمها جائزة لإيران مقابل الشمال لتركيا، في ظل صراع المحاور التي استجدت في سوريا، فيما تحاول روسيا الحفاظ على الحليفين التركي والإيراني لمواجهة النفوذ الأمريكي الذي يدير الأزمة السورية بلا أي تضحيات.

الروس لا يمتلكون حوامل حقيقية تعزز تواجدهم في سوريا، لذلك هم يستعينون بالمرتزقة ممن يعزز نفوذهم لأنهم لا يستطيعون جلب جيشهم مثل أمريكا لمسائل سياسية داخل روسيا فهم أصيبوا بجرح بسبب عفرين.

إيران اندفعت إلى مناطق سراقب الاستراتيجية التي يوجد فيها ثاني أكبر قاعدة عسكرية في إدلب، والعيس في جنوب ريف حلب تحاول تحقيق شريط ممتد إلى البحر المتوسط مما أدى إلى نزاع بين الروس والأتراك، كما أن دخول القوات السورية المدعومة من إيران على خط المواجهة بين الوحدات الكردية والقوات التركية في شمال سوريا، أعاد على ما يبدو خلط أوراق اللعبة في المنطقة المضطربة وأربك حسابات تركيا وروسيا، أي أصبح الدم السوري خصوصا في الغوطة صندوق فقط من أجل مواصلة روسيا نفوذها الذي بدأ يتزعزع بعد صراع المحاور بعدما انسحبت أطراف فاعلة في الشأن السوري بعد مقدمها إلى سوريا بسبب عدم تورط الدول الداعمة في صراع مع روسيا كما تريد واشنطن.

لكن هناك تعنت إيراني حيث تعتبر الغوطة الامتداد الحيوي للعاصمة دمشق ولن يساوم النظام عليها، حيث الغوطة الغربية والشرقية بالنسبة لإيران لها أهمية استراتيجية لأنها تصل إلى سهل الزبداني التي تريدها إيران كمنطقة نفوذ، خصوصا وأن اعتراف أمريكي بأربعة كيلومترات تبعد عن الأردن كمنطقة عازلة هو اعتراف أمريكي للنفوذ الإيراني أو على الأقل لن تعترض أمريكا على هذا النفوذ الإيراني.

كل المستعمرين الذين استعمروا سوريا تاريخيا قاموا بشئ من الاعمار باستثناء الفرس الذين استعمروا مصر 200 عام على يد قمييز الثاني عام 525 قبل الميلاد وأصبحت مصر ولاية فارسية بعدما كانت تتمتع بالاستقرار في عهد أحمس الفرعوني الثاني ولكن بسبب أن في الجيش المصري مرتزقة انقلبت على مصر بسبب ولاءاتها الخارجية ولم تعمر فارس مصر بل جعلتها منطقة متخلفة.

أيضا المستعمر الروسي مستعمر متخلف لا يعترف إلا بالعنف مثل حرق أجزاء من أوكرانيا، لذلك روسيا لا تطلب منذ مجيئها إلى سوريا منذ عام 2014 سوى الاستسلام، لكن هناك خلطة دولية، روسيا تعيش مراهقة امبراطورية قيصرية وتعتقد أنها تعيش في عهد الاتحاد السوفيتي فقط من أجل أن تثبت للمجتمع الدولي أنها موجودة على الساحة الدولية، ليس هذا فحسب بل حولت سوريا إلى ساحة لاختبار أكثر من 200 سلاح جديد كما في اعتراف شامانوف القائد السابق للمظليين بفعالية هذه الأسلحة الروسية أمام العالم أجمع، وهي مشاركة في أعنف هجوم على الغوطة الشرقية آخر معاقل المعارضة، ويقوم الجيش الروسي منذ سنتين بدأها في سبتمبر 2015 بحملة دعما لنظام الأسد وأدى ذلك إلى تغيير مسار النزاع المتعدد الجبهات لصالح النظام السوري.

ساهم التدخل الروسي بعدما فشل التدخل الإيراني في قلب موازين القوى بعدما كان النظام السوري على حافة السقوط مع اقتراب فصائل المعارضة المسلحة من معاقله الرئيسية، لكن دخول روسيا على خط الأزمة أنقذ الأسد وحول مسار الحرب من هزيمة مؤكدة إلى مكاسب ميدانية لدمشق ونكسات متتالية للمعارضة، حيث شكلت سيطرة قوات النظام على مدينة حلب في 2016 منعطفا حاسما في الحرب وأسست لمرحلة جديدة من الصراع التي تريد إيران التكسب على هذا التغير لصالح نظام الأسد، لكن هناك محاور جديدة ظهرت في الصراع داخل الأرض السورية خصوصا بعد ظهور إسرائيل بعدما التزمت الحياد خلال فترة الحرب داخل سوريا فقط كانت تراقب تحركات نقل الأسلحة لحزب الله.

حتى بعض الفصائل تقاتل بالريموت كنترول، تقاتل من أجل ولاءات خارجية وليس ولاء لسوريا أو دفاعا عن سوريا، فهي مرتزقة أيا كانت الراية التي ترفعها غير الراية السورية، فالغوطة قلعة لكن بعض الفصائل التي تملك أجندات خارجية، لذلك هي تقاتل بعضها البعض، وتحتفظ بسلاحها لتصفية حساباتها، لكن بالمعنى الوطني سقطت مثل تلك المعارضة، فأنقرة تراهن على الجماعات السورية المسلحة التي تدعمها لحسم المعركة وإخلاء المنطقة الحدودية من أي قوات مناوئة لها، لكن رهانها اصطدم بمقاومة كردية شرسة، وهو يعتبر نجاح للنظام ولإيران في اللعب على تفتيت المعارضة.

تريد إيران والنظام وروسيا تهجير جماعي ديمغرافي، هذه الخلطة وهذا الفكر من أن سكان الغوطة يحملون فكر القاعدة، لكن من يحمل فكر القاعدة في موسكو وواشنطن

أضعاف أضعاف هي محاولة للتعمية على الجرائم التي ترتكبها إيران والنظام وروسيا في الغوطة وفي إدلب وفي سوريا بشكل كامل.

يبدو بعد هذه المتاهة وبعدما أعلنت روسيا عن انتصارها في سوريا تثبت الولايات المتحدة لروسيا التي لم تتورط في سوريا كثيرا مثلما تورطت روسيا وأصبحت مسؤولة أمام العرب بأنها مسؤولة ومشاركة في قتل الشعب السوري لفك تعاونها مع السعودية التعاون حول الطاقة ومع مصر التعاون السياحي ومع تركيا وأخيرا مع الأردن، بأن تثبت لروسيا وللعالم بأن هناك قرار أمريكي منفرد في سوريا.

وكأن أمريكا أضاعت الجهود الروسية التي كرستها لصالح نفوذها بل شوهت سمعتها ونرى واشنطن تكثف وجودها العسكري في البحر الأسود لمواجهة نفوذ روسيا الاتحادية في تلك المنطقة المليئة بالتوترات خصوصا منذ سيطرة روسيا على شبه جزيرة القرم الأوكرانية أوائل عام 2014 بعد الإطاحة بالرئيس الأوكراني فيكتور يانوكوفيتش الذي كان مواليا للحكومة الروسية.

أرسلت الولايات المتحدة مدمرة الصواريخ يو آي إس كارني إلى البحر السود في منصف فبراير 2018 لتقوم بعمليات تأمين بحرية بالاشتراك مع السفينة الحربية الأميركية يو إس إس روس، وتعتبر هذه المرة الأولى التي توجد فيها سفينتين تابعتين للبحرية الأميركية في منطقة البحر الأسود لحفظ الأمن لشركاء الولايات المتحدة في المنطقة وتحقيق الأمن الجماعي لأعضاء حلف شمال الأطلسي الناتو من أجل تحجيم الوجود الروسي المتزايد في هذه المنطقة التي تفصل بين شرق القارة الأوربية ومنطقة القوقاز وغرب آسيا.

تخشى روسيا من التواجد الأميركي خصوصا وأن هاتين السفينتين تتمتعان بقدرات قتالية عالية ومعززة بمعدات حديثة هذا بجانب قيام حلف شمال الأطلسي بزيادة وجوده وتقوية موضعه في جنوب شرقي أوربا وهي المنطقة المجاورة لجزيرة القرم التي كثفت وجودها روسيا بعد احتلال شبه جزيرة القرم فقط تقوم روسيا بعد دخول السفينتين الأمريكيتين بعمليات مراقبة دورية من خلال طائرات الاستطلاع.

لكن في المقابل تمكنت روسيا من تمتين علاقاتها مع الدول العربية خصوصا أن الدول العربية فهمت اللعبة الأمريكية والجميع شركاء في تدمير المنطقة نتيجة الضعف العربي خصوصا بعدما مرت المنطقة بما يسمى بالربيع العربي، وهي الآن في مرحلة النقاهة واستعداد عافيتها وليست بصدد المزيد من ارتكاب الأخطاء السياسية.

رغم أن بوتين يرتعد من هذا الانزلاق الخطير لمغامراته العسكرية في هذا البلد، خصوصا بعدما بدأ الروس يستقبلون جثث قتلاهم من سوريا بما يعيد إلى أذهانهم الجثث التي تتدفق من الجبهات الأفغانية قبل عقود، رغم ذلك تدفع الغوطة ثمن مقايضات خبيثة نتيجة لعبة الأمم القديمة الجديدة.

المقال السابق” ألو “!!
المقال التالىمسار الإصلاحات
د عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب أستاذ الجغرافيا السياسية والاقتصادية العمل الحالي : قسم الجغرافيا بكلية العلوم الاجتماعية بجامعة أم القرى بمكة الخبرات العلمية : - رئيس قسم العلوم الاجتماعية من 1413-1419 بمكة المكرمة - رئيس قسم العلوم الاجتماعية من 1420- 1427 - رئيس لجنة اختيار مكة ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد