تذكرة الى الجنة .. واقع مؤلم .. وفوز بالجنة ..


 

لقد اصاب العالم المعاصر ( شيئاً ) من التدمير الوحشي إثر دخول زمرة ( حيوانية ) غايتها خراب البلاد وتدمير البنى الانسانية ، من خلال المسك والتشبث بمفاهيم اسلامية وتحويرها وفق فكر متطرف ، ما يجعلها تطرح افكاراً تدميرية لكل معايير المجتمع عامة وقوانين الفعل الانساني خاصة … انها زمرة ( داعش ) التي اتخذت من الدين الاسلامي شعاراً لها يروّج لفكر جديد يراد به خرق المنظومة الانسانية وتجلياتها الالهية ، إلا ان هناك من تصدى لهذه الهجمة وبَذَلَ دمه وماله وعرضه لأجل عدم استمرار هذا الفكر الحيواني بالنفوذ الى كل مفاصل الحياة التي تنبض بالانسانية ..

 

لقد اخذ الانسان الحقيقي بكل توجهاته رصد المشاهد والفكر الداعشي والعمل على توثيق كل الممارسات التي قام بها من ( سلب وقتل وانتهاك حرمة واغتصاب وتهجير وغيرها ) ، والقيام بمحاربته وقتل افكاره عبر العديد من الاعمال سواء أكانت سلاحاً او الانتقاص من إعلامه الكاذب ومسحه من خلال رصد لغة خطاب جديدة تسودها الحقيقة المطلقة .. فكان صوت الانسان الحق الذي تعالى لمواجهة هذا الفكر ، الامر الذي ادى الى تلبية هذا النداء واستنفار كل الطاقات لتهيئة مجموعة وطنية سميت بـ( الحشد الشعبي ) .. وهناك من يقوم بمحاربة هذا الفكر عبر وسائل تواصلية بين الفرد والمجتمع والعالم .. انها لغة الفن التي تنطق بكل معاني الاشارة الدلالية ومحتواها الرصين الذي يؤكد حقيقة ما هو ( داعش ) ؛ حتى تستطيع الانسانية جمعاء معرفته ..

وهذه كلية الفنون الجميلة في جامعة واسط تميزت لغتها في محاربة الفكر التدميري من خلال مشاهد مسرحية اخترقت المألوف ، فبرعاية السيد رئيس جامعة واسط الاستاذ الدكتور هادي العتابي وبأشراف عميد كلية الفنون الجميلة الدكتور سامي علي ، والاداري الدكتور محمد السويطي ، وسيناريو واخراج الاستاذ قيس القره لوسي ، قام مجموعة من الطلبة بعمل مسرحي يجسد خطاباً اعلامياً يفكك ويقتل العمل التخريبي والاجرامي الذي قام به داعش ، اذ تدور احداث المسرحية حول مجموعة من شهداء الحشد الشعبي يخرجون من قبورهم الى عالم افتراضي ، ليجسدوا لنا اين ؟ وكيف ؟ ولماذا ؟ استشهدوا ..

لقد كانت الانطلاقة الى الجنة والسفر الى عالمها هو الحصول على تذكرة سفر ، وهذا تم من خلال النداء الذي نادى بالوقوف ضد هذا

الفكر الاجرامي ومحاربته بكل الوسائل .. كي تعطي الانسانية ارواحاً في سبيل الوصول الى عالم الجنة الخاص .. لقد استطاع المخرج القره لوسي ان يطرح دلالات اشارية عبر التعبير المسرحي ( بانتوميم) وهو الفنالذي يحاكي به الممثل نماذج بشرية أو مشاهد واقعية من الحياة اليومية .. انه تعبير ايمائي عن معنى او اشارة او موقف ما ، وهذا ما قام به الممثلين من اداء حركي يجسد طبيعة الوصول الى الجنة ، وهي الفكرة المراد طرحها امام المجتمع عامة ؛ ليعرف معنى الشهادة امام جبروت وطغيان الفكر الارهابي .. لقد استغرقت المشاهد ما يقارب (45) دقيقة وعلى المسرح الصيفي في كلية الفنون، فكانت الحركة الايمائية تتنافذ مع الايقاع الموسيقي الذي عدّ هو الاخر لغة خاصة ، مع توظيف ديكور بسيط بعيد عن التفصيلية ، وامام الجمهور الذي كان يعيش العالم الافتراضي مع اداء الممثلين (الشهداء) ليدمع تارة ويفرح تارة اخرى .. فالمخرج اختار الشهداء ( الجندي والطالب والصحفي ) باعتبارها احدى النماذج التي انظمّت الى صفوف الحشد الشعبي .. وببراعة متقنة للمخرج ( القره لوسي ) اعطى لكل ممثل شخصيته ودوره الفاعل ، فكان الجندي يحتضن الخوذة ثم يرتديها من خلال حركة صامتة ليبدأ بالقتال ، والطالب يحمل كتاباً ويقوم بتمزيقه ، والصحفي يخرج من فمه مجموعة اشرطة .. وفي مشاهد اخرى يخرج مجموعة من الشياطين مع زعيمهم بحركات واشارات دلالية ذات فعل مفعم بالارهاب والخوف من خلال الايماءات الصامتة ذات السخرية والعبثية والفوضى ، لتؤكد الشياطين امام الجمهور انهم يحملون دولة جديدة وعلماً جديداً .. انهم داعش ودولتهم ( دولة الخلافة الاسلامية ) .. وهنا يقومون بمشهد اخر يظهر فيه طفل ويتم تلقينه والباسه حزام ناسف .. ثم تتوالى احداث المسرحية وترتفع الدراما الايمائية مع ايقاع موسيقي شجي من خلال قيام الشهداء من قبورهم والتصدي لهؤلاء الدواعش الشياطين وبناء جبل شامخ يصد هجمتهم القبيحة لقتلهم لينالوا بعد ذلك الشهادة .. ويعبروا الى جنتهم بتذكرة سفر ..

لقد اعطى المخرج سيناريو يحمل صوراً تحاكي الواقع المرير الذي مرّ به الوطن ، فهناك الأم والزوجة والحبيبة والاخت والاب والابن والعجوز ، كلهم ضحوا برجالهم ليلتحقوا الى جنة الخلد .. ان هذا الرصد الذي قام به المخرج بالتعاون مع الاشراف العام والاداري واستخدام التقنيات المتعددة والموسيقى ما هو الا رؤية منطقية تحاول محاكاة وتفكيك الفكر الارهابي وتدميره ، فهذه اللغة الفنية المسرحية تعد لغة خطاب حقيقية تكافح وتحارب لغة الخطاب الداعشي .. انها لغة لا تحتاج الى كلمات ، بل تمكّن المخرج من طرح رؤيته عبر التعبير الصامت واستخدام لغة الجسد والاشارات ؛ بوصفها دلالات يستطيع فهمها الجمهور .. انه (الايضاح والتأكيد) الذي اظهره الممثلين وبقصدية المخرج الذي اراد طرحه وفق منظومته التخيلية والعقلية معاً ، فهو يريد تجاوز حدود المتعة البصرية عبر الاثر الذي تتركه الايماءة والاشارة الجسدية لتفصح عن فكرة ومضمون العرض ..

وبالرغم من المساحة المكانية لطبيعة المسرح الصيفي داخل الكلية ، إلا أن المخرج استطاع ان يوزع عناصره ( الممثلين ) بطريقة اخراجية متقنة تحاكي مشهدية الواقع ، وهذه دليل على مقدرة الفنان ( القره لوسي ) من بث رؤية اخراجية تكون جزءً من هذا العالم المعرفي والثقافي والانساني الذي يحارب سطوة الفكر التدميري ، بهدف الوصول الى ايحائية وفحوى ودلالة ما يقوم به الداعشي من ممارسات ارهابية ، لكن في نهاية المطاف تبقى الحقيقة شمساً تنير سماء الوطن وتتجلى في الانفس البشرية وتكون طريقاً واضحاً للعبور الى العالم الاخر .. انه عالم الجنة .. ولا يمكن الوصول اليه إلا من خلال قيام الانسان بفعله الانساني وممارساته الوطنية والروحية والوجدانية ، ومن ثم الحصول على تذكرة سفر تسمح له بالدخول الى الجنة … وهذا ما قام به شهداؤنا .. الرحمة والغفران لكل شهداء الوطن ..

شارك
المقال السابقالتأنيب شجرة يابسة في غابة الضمير
المقال التالىالنارجيلة
الدكتور قاسم جليل الحسيني ، مواليد 1970 – دكتوراه تربية تشكيلية - عضو نقابة الفنانين العراقيين منذ عام 1988- عضو جمعية التشكيليين العراقيين – معرض اول عام 2008 على قاعة ملتقى الاكاديميين والاساتذة الجامعييين – مشارك في العديد من المعارض داخل القطر وخارجه – وحاصل على العديد من الشهادات التقديرية – مش....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد