محاربة الفساد بين الأحكام الخفيفة وهرب الفاسدين ..

 

تتناقل هذه الأيام الصحف العراقية، والفضائيات ،أخبارا متواترة عن الفساد وملاحقة المفسدين، هروب البعض والقبض على البعض الآخر، ليس من الحيتان وإنما من (ألزوري وأبو خريزة). بعد ان تحول الفساد الى سوق سوداء، له أبطال يخططون ووكلاء يتعاملون وشبكات تدير الصفقات ، وعصابات يهربون ،و أنَّ وسائل الإعلام كانت ناشطة في تسليط الضوء على حالات الفساد وممارسة الضغط.
والغريب في الآمر إن حجم هذه السرقات ليست بالملايين، وإنما بالمليارات وجميعها من أموال الدولة، والسبب يعود للحكومة ولأحزاب السلطة ،لأنهم هم من جاءوا بهؤلاء الفاسدين عن طريق المحاصصة الحزبية والطائفية، واستغلالهم بعقد الصفقات، وضخامة السرقات يعتبرون أنَّ الانتماء السياسي، أكثر أهميةً من المؤهلات والكفاءات، في التوظيف الحكومي.
والأكثر غرابة من ذلك هو ان تجد المحاكم تبريرا لسرقاتهم وتطبق بحقهم عقوبات مخففة من خلال تطبيق المادة 341 من قانون العقوبات العراقي “والتي تنص بالحبس او بغرامة كل موظف او مكلف بخدمة عامة تسبب بخطئه الجسيم في الحاق ضرر باموال او مصالح الجهة التي يعمل بها او يتصل بها بحكم وظيفته ان كان ذلك ناشئ عن اهمال جسيم باداء وظيفته او عن اساءة استعمال السلطة او عن اخلال جسيم بواجبات وظيفته “على الرغم ان الاموال المستحوذ عليها تقدر بالمليارات وهي متأتية عن اختلاس وليس اهمال بعد ان اصبحت عمليات الفساد والاستئثار بأموال الشعب ثقافة عامة من قبل حيتان الفساد في حين كانت تطبق المادة 315 من قانون العقوبات العراقي على مثل هذه الحالات وتحكم “بالسجن المؤبد فضلا عن رد السجين ما اختلسه او استولى عليه من المال اوقيمة ما حصل عليه من منفعة ” هذا ولاتطبق بحق المختلس قوانين العفو العام ولاتخفف العقوبة .
إضافة إلى اضمحلال قبضة القانون، والاستهتار بمكانة الدولة، والتعدي على حقوق الوطن والمواطن. نتيجة التراخي في اتخاذ القرارات الحازمة تجاه هؤلاء، كونهم ينتمون لأحزاب متنفذه، وان عملية الفساد تعم الجميع، وليس حزبا معينا او كتلة معينة، ولهذا عملوا بمبدأ ( طمطم لي وطمطم لك) . وما يدرينا أن هؤلاء لن ينعموا بعفو أو مكرمة سخية ويصدر بحقهم قرار يعفيهم من جريمتهم ليعودوا إلى السلطة من الشباك بعد أن طردوا من الباب.
بعد أن أصبح حق الدولة مستباحا نهارا جهارا. من قبل هذه الخلايا التي تتحدى القوانين ،والاستخفاف بأجهزة الدولة المعنية بملاحقتهم، ولذلك تولد التزوير والاحتيال، وعدم احترام حرمة المال العام، وكثرة الجرائم والممنوعات المهددة لأمن الوطن . وتدخل نواب ووزراء ومسئولين، في شؤون كثير من دوائر ومؤسسات الدولة، وحماية الفاسدين والمحتالين.
وكان الأحرى بالحكومة، ان تخرج عن نهج المجاملة على حساب الحق، وحماية القانون وان تضع حد لتدخلاتهم وزياراتهم للوزارات والمؤسسات، لغرض الوساطة التي هي محل شك.
لقد وردت كلمة الفساد في القران الكريم 150 مرة، لتجسد أنواعه الأربعة” الإدارية والسياسية والمالية والأخلاقية ، حيث قال تعالى في كتابه الكريم :(فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ-(116 هود) (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) ( 117هود (.
وما يثير الدهشة والاستغراب أن جميع الكتل تتحدث عن الفساد وتضع اللوم على الحكومة ، وإذا افترضنا أن الفساد يتركز بالحكومة ، أذن جميع الكتل السياسية البرلمانية تشترك في هذا الفساد ، لأن جميعها ممثل بالحكومة ، ومن المخجل والمعيب أن يصدق البعض من الناس استخفاف الأحزاب التي تعلن براءتها من الفاسدين الذين انكشف أمرهم أمام الرأي، فأين ضمائركم من الفساد الذي دمر البلاد والعباد طوال السنوات الماضية؟ وان السكوت وعدم الإبلاغ عن الفاسدين، هو أيضاً من قبيل عدم العمل بما جاءت به السيرة النبوية الكريمة من الأمر)) من رأى منكم منكرًا، فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان((، وأوضحت طرقه التي تبدأ باليد وهذه بالطبع لولاة الأمر، والثانية باللسان وهذه من نصيب من يقدر عليها، وهي متاحة الآن عبر التظاهرات والاحتجاجات الخطابات التي تُرسل إلى أجهزة الدولة نفسها، وفي مقدمتها هيئات ولجان مكافحة الفساد، أما الإنكار بالقلب فقط، فلا يستقيم مع الأمور، كونه يسمح بتفشي الفساد، أكثر وأكثر.

ويرى ابن خلدون في مقدمته المشهورة التي أسس بها ( علم الاجتماع) واسماه ( العمران) أن الاسترسال في الترف والاستسلام للرفاهية تدعو للانهماك في الشهوات والتفنن فيها مما يفسد الأخلاق ويقول ص٣٧٤ (.. إن الترف إذا بلغ غايته انقلب إلى الفساد..) والترف واضح اليوم على الكثير من المسئولين السياسيين الذين تهربوا من الإفصاح عن ممتلكاتهم وممتلكات أفراد أسرهم بشفافية كاملة. بالأمس تم الحكم على ناشط مدني من محافظة المثنى رفع أكثر من 300 دعوى قضائية ضد الفاسدين وكسب نصفها وقدموا ضده دعوى بالضد بتهمة التشهير والحكم عليه بالسجن لمدة ستة سنوات في حين أن الفاسدين سراق المليارات يتم الحكم عليهم بالحبس لمدة سنة واحدة.! ما هكذا تورد الإبل يا قضائنا العادل.!
يجب فضح هؤلاء وعدم السكوت على الظلم فإذا كان هولاء يستقوون بأحزابهم فأن كل قوي هناك من هو أقوى منه هو القانون في حالة تطبيقه بشكل صحيح والله أقوى من الجميع .

لا تعليقات