النارجيلة


 

ودخلت المقهى ذات مساء….

سألني النادل : ماذا تريد؟ قلت : سأفكر…..فأنا أنتظر من يشاركني الطاولة….

كان الدخان الكثيف يتجول في أرجاء الصالة كغيمة ضلت الطريق….تتجول كلحظات الحب الهاربة لتدخل الصدور مرات ومرات….كنت أود أن استكشف عالم المدخنين من الجنسين ….

عاد وسألني : أتريد نرجيلة…؟ لدينا أطعمة مختلفة….نكهات جديدة….نكهات كلاسيكية….نكهات عصرية…. واسترسل في الكلام…واسترسل خيالي المتعب ….هناك من يعب الدخان……وهناك من يعب ضلال الأيام….. وعدت من شرودي ليقول : مثلك صعب إرضاؤه يا سيدي ومثلك يجب إرضاؤه بأي ثمن.

وصلت شريكتي في الطاولة…..صور….من الماضي…صور من حياتنا….صور من أيام مع الأيام …..وفور وصولها…. عبق وجهها بألوان الحياة….كأنها الحياة تحتفي بنفسها… لم تستطع أن تخفي ما بداخلها من أحاسيس…. تقاطيع وجهها تفضح أسرارها…..

اقترب النادل وكأنه يقول : هي المرة الأخيرة التي أطلب منك ما تريد.. وإلا…. الحمد لله أن هذه الـ ” إلا” بطل مفعولها بوصول شريكتي في الطاولة . النادل فتى نصفه عار ناعم الصدر ضيق الكتفين كصبية مراهقة….قدم صينية مذهبة عليها كأسين من شراب الضيافة….كأس أهلا وسهلا…..طلبتْ منه أن يعمر لها نرجيلة بمذاق التفاحتين الأصلي….الثقيل…..

سألتها عن معنى التفاحتين…..فأومأت برأسها أن ستشرح المزايا والرزايا أثناء جلستنا….وأضافت أن الحياة نصفها مرح ولهو….والنصف الآخر يتوزع على باقي النشاطات….

وتابعتْ….مع أول سحبة دخان…انتشرت في الجو….العبق بالروائح والحكايات الغريبة….النرجيلة رفيقة كل من ليس له رفيق…أنت مثلا تكلف الكثير ….أما هي فتكلف خمسمائة ليرة سورية ….قد تحاول أن تتخذ قرار لكنك لا تستطيع…وبعد لحظات يمتزج التبغ المعتق الفاخر بالدم الذي يجري في عروقك….فتحس أنك محمول على الأكتاف…. ترتفع شيئا فشيئا نحو الأعلى وتتصاعد نشوتك كغيمة ترتفع إلى السماء وكأنها دعوة علوية تجتذبك برفق ويسر….وبعد قليل يختلط الحلم مع الواقع فلا تعلم إن كنت تصعد….درجا شاهق الارتفاع أو أنك تسبح مع الملائكة في رحاب فضاء فسيح..فسيح…

كأنما عام مر….

ربما عمر أو حقبة من عمر مضت…..وانقضت…..

كل ما ذهب من زمن لا علاقة له بما أنت فيه الآن….ربما هو وهم ذلك كله… حلم أو وهم…. بداية أم نهاية؟

أن تخترق جدار المرآة فتستسلم له كجسد امرأة… ثم تمضي في الممر مسحورا…كأنك في قاعة سماوية جدرانها شفافة ترتفع في الهواء محلقا لتحط على أرض لينة وكأنها نتف متناثرة من غيمات سمحة… أي حلم…ثم تنظر نحو السماء فتجدها مزينة بأطفال مجنحين يحملون بأيديهم أزهارا لا حصر لها… لأشكالها وألوانها….ترى الملائكة وكأنك في حفلة تشييع ساحرة…

قلت في نفسي :أي موت فاتن ذلك الذي تسعى إليه تلك الجميلة ؟ وأي كفن ناعم يلف جسدها الجميل؟ أهي نهاية المطاف؟ أم أنها تحضر نفسها في رحلة جنائزية نحو العالم الآخر عبر قبر من دخان واسع فضفاض لا ضيق فيه ولا وحشة مثل التي كنت أسمعها من الشيوخ ورجال الدين والكبار في السن….قبر لا تريد…لا تراب…لا صمت…لا ألواح حجرية صماء تسد الحفرة؟

الهواء معطر ببخور يوقظ في الجسد الفاني رغبة جامحة في العودة إلى الحياة للاستمتاع بملذاتها. الصمت يسمح لأنفاسه أن تتردد. والقلب يخفق. كأن البعث هو العودة إلى الحالة المثلى التي يحلم بها الإنسان. أتراه الموت صار أجمل الأحلام وأعذبها؟

ثم تابعت: تسمع أصواتا .لا ليست أصوات .هسيس يتصاعد كمواء قطة مدللة . يمكنك أن تختبر نفسك. ارفع رأسك قليلا.تابع الصوت. ابحث عنه. الضعف الذي ينتشر كالشلل في أبعاد جسدك .يشد رأسك نحو الاسترخاء فلا ترى إلا السقف وكأنه سماء صغيرة تزينها الصور والرسوم الثابتة. فقط عضلات عنقك تدلك أنك لا زلت في مملكة الحياة . تغمض عينيك ..تفتح عينيك يبقى المشهد كما هو…. وحده التشويش بين الألم والخدر ما يشدك للاسترخاء.. تحس باتساع المكان. بغياب من حولك. بالراحة. ثمة فراغ هائل. تنتشي الإرادة. فراغ يحتشد فيه الدفء والانسياب. زحمة الألوان. تنوعها. حقيقة تحس فيها بعينيك وجلدك.

ترتفع قليلا فيبدو التاريخ في أبهى صوره يتمدد بإلفه أمامك. ينتصب في ركن قصي كتمثال مصنوع من خزف صيني. تخرج من رأسه كحورية من شاطئ تشيلي الطويل والعميق عارية لم تمح القوة في ملامح وجهها فتنة طاغية في الجسد الذي تدثر بحمرة توحي بأن الحرارة لا بد ستنفجر بعد حين. يقف التمثال في ركن ركين يمتد تحت قدميه بساط حريري وكأنه طريق شق من أجل الوصول إليه . تفتح عينيك أكثر تمشي فوق البساط كأميرة نضرة جاءت من ضباب تاريخ استيقظ متثائبا….

قلت: يا الهي ….يا الهي…..أتثير النرجيلة كل هذا الغبار…..؟ بين الصداع والنسيان….والتعب….والإرهاق….

لم أتمالك نفسي…فخرجت من المقهى كطفل خرج من بطن أمه بعملية قيصرية….

لا تعليقات

اترك رد