السيناريست عبد الوهاب الدايني


 

ابن مدينة المحمودية الوسيم الذي سعت اليه الشهرة وهو في المرحلة الثانية من معهد الفنون الجميلة فكان بطلا للفيلم الطويل (عروس الفرات ) من اخراج عبد الهادي مبارك, وكان بطلا حينما درس المسرح ومثّل وأخرج وكتب ..كان بطلا يلتهم أوراق الكتب ليصنع منها خزينا معرفيّا وجماليا جعله يرفض ويختار ,ينتقي ,يبدع ,يسجن ,يسافر ,يعيش ..وأفعال كثيرة صنع منها الدايني شخصيته المحبّبة التي تأرجحت بين الاماكن والازمنة فصال وجال هادئا كثير الالتفات نحو مصادر الافعال وصداها, فمرّة اضافت له جمالا ومرّة اخذت منه سنينا قاسيات يغلّفها التعذيب والاهانات والضرب بالكيبلات كادت انتقتل كل لحظات السعادة التي عاشها الدايني في معهد الفنون وفي ساحات المسرح والسينما برفقة عبد الهادي مبارك وبرفقة فيتوريا ديسيكا وحقي الشبلي وجعفر علي وابراهيم عبد الجليل وعبود الذي يغني وهو مخمورا ويحاول ان يحرق البار من (شخّاطة ) فارغة ..

كان بطلا وهو يتحمّل تعذيب الامن والمخابرات وحكم الاعدام الذي صدر بحقّه ثم عاد الى الحياة بحكم اخر اسمه مؤبد ثم فجأة ينتهي كل شيء ويعود عبد الوهاب للحياة المدنية ويأتيه الموت مرّة اخرى بصورة مرض لعين فيغادر عراقه مرّة اخرى محمولا في نقّالة ويعود مرّة اخرىمعافى الاّ من بعض الام تسنده مرّة في الكتابة وتأخذ منه مرّة ساعات يسودها الالم والتامّل والكتابة من جديد لكن بهّم يختلف و باهدافوامنيات وغايات اخرى, فبعد ان كان الجمال والطموح يغلّف اسرارهاواغوارها بدأ الان يظهر لها غطاء المهنة والعيش والمواصلة ومحاولة استحضار الماضي بألمه وجماله ,وعوالم نجيب محفوظ الهائلة, واحداثجمال الغيطاني المذهلة, وتعذيب السجّان وضياع السنين السبعة في سجن ابو غريب التي تختلف كثيرا عن سنوات دراسة السينما في ايطاليا ,السنوات الخمسة, التي تبعها متدرّبا كمساعد للاخراج مع رواد الواقعية الجديدة دي سيكا وباوليني ,مقارنة ظالمة للازمنةوالامكنة التي قد تظلم صاحبها وقد ترتقي فيه الى اسمى واجملوابهى الصور ..

تناقضات لا يمكن ان نتقبّلها الاّ حينما يتم رسمهامحبوكة في فيلم سينمائي لكنها في بلدنا الذي يرتبك يوميا تحدث لاتفه الاسباب وفي كل مكان وزمان ويكذب من يقول انها غابت في زمان ما ماضيا ,او انها ستغيب في زمان قادم اخر لان تربة هذا المكان بنيت من التناقضات التي سكنت في قلوب ساكنيها وتشخّصتفي قلوب فناّنيها وكتّابها ومساكينها في الخصوص وقد سكنت بعض شظاياها جسد الدايني الذي ظنه البعض شيوعيّا مثلما عدّ هو نفسه كذلك لكن الحقيقة انها بعض اختراقات ابداعية لروح الفنّان الحقيقي التي تتأرجح بين الحقيقة والخيال ,روح المؤلف المبدع الذي تعيش بداخله كل المفاهيم والاحزاب والصفات والاجناس والحوارات التي تسمو به الى ارقى المفاهيم احيانا والى ادناها احيانا اخرى فتزوغ معها روح الفنان احيانا, او تقف متفرّجة محايدة تتلبس روح الناقل أو الراوي أو الراوي الذي يعلم كل شيء, اوالذي هو جزء من الحدث ..

والدايني كان كل هذا وذاك ..حينما تراقبه وهو ساهما تقتنع تماما بانه لايتحمّل صفعة شرطي لكنك ماتلبث ان تغيّر رأيك الى صورة اخرى غاية في القساوة فتجد في ابتسامته نوع من التحدي والحزم فتتغير الصورة من المستضعف الى الجلّاد الذي يختفي تحت صورة الملائكة ..هذا الرجل أنموذج للانواع والاشكال واللاأستقرار الوضائفي .. هو قريب من رجال الفضاء الذين ولدوا على الارض مرغمين فأحتارت الطبيعة في كيفية رسمه وأخذ منها الوقت الكثير كي تقتنع في النهاية ان تترك له ان يرسم لنفسه صورة وتترك له مركز الليبيرولكنه للان لم يستقر على مركز هل هو مدافع ام مهاجم ام وسط فلا ارسطو خط له بناءا ولا دي سيكا ولا لينين ولا عوالم الاديان المختلفة فخاض في بحر الجميع ولم يخرج منها الاّ في اوقات قصيرة هنا وهناك مبحر في بحر الابداع حينا وفي عوالم السحر والاثارة احيانامضطراّ ترك اشياء واشياء ومضظرا ابدع هنا وهناك ,ترك المسرح ودخل عالم الكتابة والسيناريو ..ابتسامته التي رسمها الله على شفتيه لاتختلف كثيرا مع اختلاف الافعال لكن المفردة المكتوبة والمنطوقة تغيّر كثيرا من المفاهيم التي يبغي اثارتها وينوي توضيحها ,نصوصه تنتمي الى الواقعيّة الجديدة التي تعلّمها من دي سيكا وباوليني لكنها لم تتمسّك بها فعاشت حالات همس ولمس وشجاعة وحياء وخوف من الشيء الذي تخيّله هو ووضعه امامه تمثالا حجريا صلدا وان تهاوى فانه لا يلب ان يعود من جديد فيرتقي الى حد الشفّافيّة, وحينما يطمح فأنه يكون في قمّة الطموح كما في ثلاثية(حضرة صاحب السعادة ).

يختلط عنده الجد والهزل والواقع والخيال بصورة اقرب الى عالم (فائق يتزوج),تختلط عنده مفاهيم الامن والجريمة والعقاب فيساهم في لملمة شتات الفوضى كما في (الملاذ امن ). وتتوقف عنده حالات استقرار العبث ويتمرد حتى على عبث العبث ويتحوّل الى شعلة من نار كما في (عبود لايغنّي )..عبد الوهاب الدايني ليس كاتبا أو مؤلفا بل هو سيناريست لاحداث مؤلّفة قبله فأعاد صياغتها ووضع لها الحوار المناسب ,هو يكتب في الحد الفاصل مابين الواقعية الجديدة والموجة الجديدة دون ان يعبر ذلك الحد, لانه اختار التشويق المصنوع من احتراماته للمكان الدرامي والافعال التي تسكن هذا المكان دون غيره ظنّا منه بأنها ملاذ امن يقيه شر الاشرار .الدايني يحب ويعرف كيف يعبّر عن صولات حبه بالصورة المرسومة اكثر من الحوار المكتوب ,يهتم بأبطاله اهتماما استثنائيا قد يؤدي الى بعض الاهمال الذي يمس الثانويين لكن النتائج تكون متجانسة ومنصفة للجميع وبهذا يكون قد اعطى لكل ذي حق حقه كما في مسلسل (جذور واغصان).بدايات اعماله حذرة تتقدم قليلا ثم تتجاوز مرحلة الحذر وتمنح لنفسها الحرّية فيشتد الصراع الذي يضيف للاحداث دفقا معنويا قد يساهم في ربحها وبلوغها الهدف وقد يمكن في معاقبتها كما في مسلسل (عندما تسرق الاحلام ).

ولد عبد الوهاب في مدينة المحمودية ذات يوم من ذات عام لانه يرفض ان نعد سنين حياته مادّيا بل هو يعدّها على مزاجه فيحذف منها ولا يضيف لها ,دخل معهد الفنون الجميلة كأجمل شاب ,قمّة في الاناقة لكنه واثق لدرجة انه اشترك في تمثيل شخصية الفتاة سيسيل وهو بعمر (15),في الصف الثاني من معهد الفنون قام ببطولة فيلم (عروس الفرات )اخراج عبد الهادي مبارك ,وتواصل مع المسرح الذي عشقة ممثلا ومخرجا فمثّل في مسرحية(الدب)لتشيخوف واخراج بدري حسون فريد ومسرحية (يوليوس قيصر )اخراج حقي الشبلي ,ومسرحية (ورد جهنّمي ) تاليفطه سالم واخراج خالد سعيد ,وأخرج مسرحيّة (الارض)من تاليف نور الدين فارس ,ومسرحية (العطش والقضية )تاليف علي رفيق ,و(البيت الجديد)تاليف نور الدين فارس ,و(بهلوان اخر زمان)عن مسرحية (الذي ضحك طويلا للكاتب المصري علي سالم ,و(الحفارة ) للكاتب الروسي اربوزوف ..

عشق المسرح لكنه لم يحصل على فرص للاستمرار فاتجه الى عالم الكتابة من خلال قصة قصيرة للروائي المصري (نجبب محفوظ) والروائي (جمال الغيطاني ) فاعد عن قصصهم اعمال تلفزيونية مهمة .انهى دراسة المعهد متفوقا فسافر ببعثة الى ايطاليا لدراسة السيناريو والاخراج في ستوديوهات(دينوديلاروش ).عاد من ايطاليا فعيّن مدرّسا في متوسطة المأمون لكن اصرار طلبة معهد الفنون الجميلة اتوا به اليهم مدرّسا لاجيالواجيال .اسّس مع مجموعة من زملائه فرقة (اتحاد الفنانين )المسرحية .من اعماله التلفزيونية المهمة كسيناريست تمثيلية (عبود يغني )عن قصّة قصيرة لنجيب محفوظ ,و(عبود لايغني ) و(عبود هسّه شلونك) وثلاثية (حضرة صاحب السعادة )و(الصرخة )و(اقوى من الحب )ومسلسل (ايلتقي الجبلان )عن قصة لنجيب محفوظ ,ومسلسل (بائع الورد)و(الحب الذي ياتي من النافذة )و(امراة في هذا العصر )و(الضبع ) عن قصة للغيطاني ,(الطيور المحنطة),ومسلسل (الملاذ امن),(كرايب المدير العام )ومسلسل (عندما تسرق الاحلام ,وقبل رحيل المواسم,الهروب الى الوهم ,وجذور واغصان)وتمثيلية (الهجرة الىالداخل ) واعمال اخرى كثيرة ,كتب قصة وسيناريو وحوار فيلم (فائق يتزوج )اخراج ابراهيم جلال ,ومثل دور البطولة في فيلم (سنوات العمر ) للمخرج جعفر علي .

من المحطات التي لاينساها الدايني ابدا هي سجن ابو غريب وحكم الاعدام ,مديرية الامن والتعذيب ,مقهى خضيرفي المحمودية ,اصدقائه واساتذته في ايطاليا والعراق ,ومحاولة اغتياله ,معهد الفنون الجميلة ,قصة الامير السعيد لاوسكار وايلد المكتوبة للاطفال ..وبعد .مازال الدايني يعيش متأملا ان يجد بعض سنين تضاف الى السنين الخمسة التي يعدّها الدايني عمره الحقيقي.

لا تعليقات

اترك رد