الهوية الوطنية العراقية و بناء الدولة


 

بعد نهاية فترة حكم نظام حزب البعث العربي الاشتراكي في العراق و الدكتاتور صدام حسين المجيد على يد قوات الإحتلال الأمريكي في نيسان 2003 م كانت الآمال كبيرة في أن بناء الدولة العراقية يجب أن يحتل الأولوية بعيدا عن الإنتماء السياسي و الحزبي أو الطائفي . هذه الحقيقة التي كان يجب أن يؤمن بها الجميع لأننا من دونها لن نتمكن من بناء الدولة المدنية الحديثة التي يحظى بها المواطن بكل حقوقه .
كان العراق و لا يزال يعاني من التوجهات الشخصية و الحزبية و الطائفية و القومية للقوى السياسية و عدم التركيز على مقومات بناء الدولة المدنية الحضارية و التي لا بد أن تكون عبر الانتماء للهوية الوطنية أولا مع احترام الهويات الفرعية .
لقد غابت مقومات الدولة المدنية لعقود طويلة بسبب تعاقب الأنظمة الديكتاتورية على حكم العراق ، لذا استبشر الجميع خيرا بعد نظام البعث العراقي و آمنوا أن مسيرة البناء تحت شعار بناء الدولة أولا ستنطلق قريبا ، حيث كان من المفروض أن تتجه جميع الطاقات و الإمكانات نحو بناء هذه الدولة و إعادة إعمار وبناء العراق ، و لكن ما حصل لم يكن كذلك ، حيث انطلقت العملية السياسية في العراق وفق مبدأ المحاصصة الطائفية بعيدا عن الهوية الوطنية العليا و تقاسمت الكتل و الأحزاب جميع المناصب و الوزارات و تراجعت مفاهيم المواطنة و الوطنية و العدل و المساواة و أبعدت الكفاءات عن استحقاقاتها و تراجعت الخدمات و لم يحصل المواطن العراقي على التعويض المناسب بعد عقود طويلة من الظلم و الحرمان .
لا شك إن من أهم شروط بناء الدولة الالتزام بالدستور و تطبيقه على أرض الواقع و أن يحظى باحترام القوى السياسية جميعا من خلال الالتزام الكامل و الدقيق بجميع مواده و فقراته و الابتعاد عن الانتقائية في اختيار ما يناسب المصالح الشخصية و الفئوية الضيقة .
إلا أننا من خلال متابعة الأحداث نجد أن الدستور العراقي لم يعد المرجعية العليا للقوى السياسية و للعملية الديمقراطية في البلاد، حيث أصبح الجميع يتاجر بشعارات احترام الدستور و الرجوع إليه ، بينما يقوم نفس الطرف بخروقات دستورية فادحة عندما يصطدم مع مصالحه و مصالح حزبه و فئته .
و من هنا غابت القيمة الحقيقية للدستور و ابتعدنا عن أهم الركائز التي من خلالها يتم بناء دول المؤسسات الدستورية و القانونية ، الأمر الذي يجعلنا نطرح تساؤلات كثيرة أهمها كيف يمكن لنا أن نحل مشكلاتنا في ظل الابتعاد عن الدستور ، لا سيما الأزمات المتعاقبة بين حكومة إقليم الشمال و الحكومة الاتحادية المركزية ، ففي ظل غياب الدولة الدستورية المدنية سيكون من الصعب إيجاد حلول للأزمات و المشكلات في هذه الدولة . فقضية تحركات الجيش العراقي والبيشمركة وقضية كركوك و المادة 140 و قضايا كثيرة أخرى لا يمكن حلها إلا بالعودة إلى الدستور الذي كتبه العراقيون و استفتي عليه الشعب العراقي .
أن بعض القوى السياسية تريد أن يبقى الدستور معطلا و لا تريد أن يكون هو الحكم ، بل ما زالت تطالب بالاتفاقيات الجانبية التي تقودنا للمحاصصة الطائفية و السياسية و التي حكمت التجربة الديمقراطية منذ انطلاقها و كانت العائق الرئيسي في تأخر عجلة البناء و التقدم و وقفت حائلا في طريق وصول الخدمات الحقيقية للمواطن .
و في الوقت الذي تدعي فيه القوى السياسية الحرص على حقوق الشعب العراقي نجد أنها تصر على خرق الدستور من خلال تمرير اتفاقات كثيرة شهدتها العملية السياسية يتم من خلالها تكييف الدستور مع رغبات السياسيين و كل ذلك تحقيقا لمصالحها الفئوية بعيدا عن مصالح الشعب العراقي. من أجل ذلك نريد أن نقول إنه على جميع الحريصين على التجربة الديمقراطية

لا تعليقات

اترك رد