اَلْكَلِمَاتُ رَقْمُ الْمِدَادِ فِينَا


 

” وهذه الكلمة كأنّها المعنيّة بقوله “أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا” (1).

كلمةُ تدِقّ وتلُطُف حتّى “تقعَ على الحرف الواحد من حروف الهجاء” وتتّسع وترحُب حتّى تكون الخطابَ وطولَه. كلمةُ تطِيبُ بأثرِها، وأثرُها يُخصبها لِطيبها كلماتٍ… كلماتٍ نلتقيها كلّ يوم؛ نعانقها، نقبّلها، نجلس إليها، نشكوها وجعنا، نشاورها حيرتَنا، نحملها شوقا يختلجنا، نُعْتدُها زادا في سفرنا، نستمرئها ذكرى حلوة في حاضرنا، يكون بها تصميمُنا وفعلُنا، ووعدنا وعهدنا، وسرّنا وجهرنا، هي فاتحة كلامنا ومسك ختامه.

الكلمة سيرةُ الإنسانِ عقلِه وقلبِه وفعلِه، اجتماعِه وغربتِه، ألمِه وأملِه، غُنمِه وتضييعِه… الكلمةُ قصّتُه ومأواه.

أليس الإنسانُ ما تقوله كلمتُه: حكاياه وقصصُه وأمثالُه وحكمُه ووصاياه وأناشيدُه ومجالسُ أشعاره وأسماره؟ أليس الإنسانُ سرَّه الّذي أخفى فباح به؟ أليس الإنسانُ ترانيمَه ما هزّه الطّرب؟ أليس الإنسانُ رنّاتِه ما عاده الشّجو؟ أليس تأوّدَه ما خفق بين جنبيه الشّوق؟ أليس أهازيجَه حَمِيّة وانتصارا؟ أليس اعتبارَه؟

وبعدُ

أليست كلمتُك هذه في تصرّف أحوالها وتعدّد أشكالها واختلاف ألوانها هي ما تقرأه في آداب طالعتك، وعلوم امتحنتك؟ ألستَ طرسا يملأ حضورَه الغيابُ، يُثقِل حاضرَه ماضيه، تُداخله أصواتُ الماضي فهي منه؟ ألستَ شواردَ حروفٍ اجتمعت فيك فكنتَ بها كلمةً نصّا عابرا في سِفْر الوجود إليّ إليك إلينا؟ وذاك شأنُ كلّ نصّ. نصوصٌ نحن في الحياة نتراسل ونتحاور ونأوي إلى بعضنا البعض أمشاجا من حياة.

نصوص من حروفٍ نصّها ابن عربي في فتوحاته فهي” أمة من الأمم مخاطبون ومكلّفون، وفيهم رسل من جنسهم ولهم أسماء من حيث هم”.

ولا أجد مقاما تعرج فيه الحروف إلى مداها خطابا بلاغا ونبوءة رسولا كمقام التّعليم مؤئل الكلمات الطيّبات الّتي تبني وترفع وتَشيد وتُعلي. ولن تفعل حتّى تذهب بعيدا في العقل والوجدان، ولن تذهب ذهابها ذاك حتّى يمحضها قائلُها جهدَه ويبذل فيها وُكده ويعطف عليها ضميره فُتُقرأ في سمته وتُرى في مواقف يقفها وأفعال يأتيها.

ولن تعرج الحروف عروجها حتّى تُنزّه عن رغائب النّفس العجلى، وحتّى ترتفع عن أرضيّ الهوى إلى سماويّ القيمة وحتّى يُنظر إليها مجازا إلى فعلٍ قابلٍ وحياةٍ تصيرُ لا سببا إلى المعاش القريب يسعى المرء في تحصيله وإصلاحه فذاك همّه لا يدري أقامت حروفُه مقامها أو أدركت تمامها أو بلغت سنامَها؟

وإنّي لأذكر مُعلّما لنا هو مدير مدرستنا الابتدائيّة كنّا نختلف إليه مُبْكِرين في صباحات الشّتاء الباردة قبل بدء الدّروس بها وقد أثقل النّومُ أجفانَنا الصّغيرة وقد ضاق وقته ووقتنا ومعلّمينا عن غير ذلك من الزّمان ومدرستُنا منشغلة بإعدادنا لاجتياز مناظرة السّنة السّادسة من التّعليم الابتدائيّ حُلُمِنا وحلمِ آبائنا ومعلّمينا وحلم وطننا. وما أذهبَ النّومَ رغم إلحاحه وبعثَ النّشاط رغم كَلَل أجسادنا كلمةٌ ثَبُت أصْلُها فينا وقد رأينا شواهدها في حدب معلّمينا واهتمامهم لنا، وفي كلّ ما يحيط بنا، وفي كلّ ما يملأ أسماعنا وهي أنّك بِعلمك وعملك بالغ ما تريد “وأنْ لعنة على الزّائفين”. نختلف إليه ندرس نصوصا من كلام ضاع نشْرُ كلام معلّمنا فيها وفينا فهي حيّة فينا لم تزل. وكان جزاء معلّمنا نظرة امتنان وشكر تبرق في عيون أبنائه ورضى ضمير كان ” قاسيا غير رحيم”. كان “حسن المختار” اسمه ووسمه.

وإنّي لأذكره يُغريه أبوه بمائة ملّيم عن كلّ دراسة نصّ يجيب عن أسئلتها فلا يخطئ، جاء أباه، في براءة طفل، يوما فقال له “أبت، أخشى أن أكون – بما اتّفقنا عليه-أغْرمْتك بما يثقُل عليك فإنّي أعفيك من العَطيّة وحسبي أن أكسب الرّهان فلا أخطئ”

وإنّ دروسا تحتفل بالنّقول وبالأشكال والصّيغ وبالقواعد والضّوابط وتعْدِل عن النّظر والتّدبّر والفعل والتّجريب والخلق والإبداع، وتحول بين المتعلّم وحياةٍ في النّصّ صنوِ الحياة خارجَه، بين المتعلّم ونفسِه، بين الصّوت وصداه لن تؤتيَ أُكُلَها ولن تطيبَ فيها الكلماتُ.

سلامًا معلّمينا، كلماتِنا الطّيّباتِ الّتي ورفت فينا فأخصبت الوطنَ. وكلّ كلمة طيّبة تُخصِبُه وكلّ كلمة خبيثة تُجْدبُه وإنّما البدء كلماتٌ. وما نحن إلّا بياض القرطاس والكلماتُ رقم المِداد فينا.

ما بعد

“هذه كلمة طيّبة” ذاك قولُ أبي العلاء عَدَلْتُ به عن مقامه في رسالة الغفران فنشرْتُ طِيبها مؤمنا معتقدا. وما أشقَّ أن نقول قولَه في مقامه من رسالة الغفران في كثير من كلمات العصر الّذي نعيش!

(1) رسالة الغفران. أبو العلاء المعرّي. ص 140 دار المعارف. ط 9. تحقيق بنت الشّاطئ.

تضمين (الآية 24-25 سورة إبراهيم)

لا تعليقات

اترك رد