المهاجرون المسلمون واليسار الاوروپي ..


 

هذا الموضوع من الامور المثيرة للاهتمام وقليلةُ هي الدراسات ذات أهمية التي تذكر بصدده باستثناء بعض الدراسات الحديثة والكاتبة من روادها ، اما الدراسات الكلاسيكية حول الهجرة ومشكلاتها فقد باتت قديمة وخارج المعطيات الحديثة التي طرات خلال السنوات العشر الاخيرة . هذه قضية عايشناها شخصياً ، اسرتي وانا ، ولنا فيها تجربة مفيدة تقع في جوهر المقالة التي اقدمها ولابد من ايجاز صغير حولها .

شخصياً أعيش وافراد اسرتي في السويد منذ حوالى اربعة عشر عاماً وقد جربنا كأسرة العمل في الحياة العامة المحلية في المدينة التي نعيش فيها وحققنا نجاحاً مهماً حيث تشارك زوجتي بفاعلية في الانتخابات المحلية وفازت في دورتين بمقعد العضوية في مجلس بلدية المدينة التي نعيش فيها وهي مدينة كارلسكرونا Karlskrona الواقعة جنوب شرقي السويد ، وهي مدينة تحتل أهمية خاصة في حياة البلاد من الناحيتين التاريخية والأمنية حيث شكلت منذ نحو خمسمائة عام قاعدة متقدمة للدفاع عن آلأمن الوطني للبلاد من جهة بحر البلطيق ضد القوى الساعية للتوسع في المتطقة وفي مقدمتها روسيا .

كان نشاطنا السياسي في اطار الحزب الذي راينا فيه مايمثل مصالحنا كمهاجرين الى البلاد وهو الحزب الاشتراكي – الديمقراطي الذي يتبنى قضية المهاجرين ويدعو لقبول المزيد منهم لاعادة توطينهم في البلاد باعتبارهم ثروة بشرية بالرغم مما يعني ذلك من تكاليف مادية ورغم مايعنيه ذلك من تحديات اجتماعية وثقافية ودينية باعتبار ان معظم القادمين هم من المسلمين من بلدان الشرق الاوسط التي تشهد نزاعات وحروب متواصلة . يفترض الحزب ان إمكانيات اندماج هؤلاء في المجتمع السويدي امر ممكن وان هنالك مساحة وسطى يمكن فيها ان تتعايش قيم المجتمع السويدي مع القيم الاساسية التي وردت مع المهاجرين من خلال احترام متبادل وفق الحدود التي وضعها القانون . يعتقد قادة الحزب ان للهجرة فوائدها حيث تغني البلاد بتنويع ثقافتها اضافة لكون هؤلاء القادمين ملتزمون بعلاقات أسرية صارمة والحرص على إنجاب الاطفال هو في طليعة اهتمامهم وهو عكس ماتعاني منه قطاعات واسعة من المجتمع السويدي التي تعاني من مشكلة تدني نسبة المواليد الجدد بما يؤدي الى خلل في توزيع الفئات العمرية داخل المجتمع وهو امر يتم تلافيه عن طريق فتح باب الهجرة ، ويشير قادة الحزب هؤلاء الى ان السويد هي بلد مهاجرين من الناحية التاريخية وان نسبة كبيرة من السكان المنتجين هم من المهاجرين الجدد وأنهم يمثلون حاجة وطنية . ان موقف هذا الحزب هو ستراتيجية وطنية تتبناها السويد استناداً لدراسات تعدها هيئة مختصة بشؤون السكان ، بالرغم من ذلك فانه من الملاحظ ان الحزب قد واجه صعوبات ملموسة في تبرير موقفه هذا خصوصاً وان موجة اليمين الشعبوي الاوروپي قد طالت المجتمع السويدي واخذ نجم احد الاحزاب الصغيرة واسمه حزب السويديين الديمقراطيين بالصعود وتمكن من احراز مقاعد في مجالس بلديات بعض المدن ثم نال عضوية الپرلمان في الدورتين السابقتين للانتخابات الوطنية ، وكل المؤشرات تدل على انه يحرز المزيد من التقدم .

يعود السبب في صعود اليمين الشعبوي الى ذات الاسباب التي عانت منها السياسة الاوروپية بشكل عام وتمثلت في الاساس بفشل احزاب الوسط سواء وسط اليسار او وسط اليمين في معالجة الأزمات الاقتصادية وهي موضوعات تناولتها في عدد من المقالات من خلال موقع الصدى العام الماضي . اضافة للاسباب الوطنية العامة فان هنالك اسباباً تتعلق بالمهاجرين انفسهم وأغلبها يعود الى صعوبة تأقلم نسبة مهمة منهم مع محيطهم الاجتماعي الجديد بشكل معقول خاصة وان ادارةٍ ملفهم قد شابها خلل مصدره في تقديري عدم فهم طبيعة الوافدين الجدد وعدم فهم طبيعة المجتمعات التي قدموا منها ؛ تتميز السويد بمعاملتها الكريمة للمهاجرين ولكنها تفتقر لبرامج من شأنها تسهيل اندماجهم في المجتمع السويدي ونمط النظام العام الذي يحكمه من خلال اعادة تأهيل وفق الحدود الدنيا المطلوبة لتسهيل عملية إدماجهم دون المساس بالقيم الاسرية والدينية للوافدين . مازالت شريحة مهمة من هؤلاء اسيرة تقاليد بالية لاتتناسب مع الاعتبارات الانسانية بشكل عام ؛ هنالك ما يشير الى ان السلطات السويدية تراجع سياستها بشأن أساليب اعادة التوطين مستفيدة من تجاربها المتراكمة في هذا الشأن . .

قد لاتصلح السويد لاتخاذها مثالاً نموذجياً للموضوع لانها مع بقية اسكندناڤيا تمثل وضعاً استثنائياً ، على المستويين الشعبي والرسمي ، في التعامل مع المهاجرين وقضاياهم رغم ان بعضاً مما يحدث في بقية القارة يجد له بعض الصدى ومنه صعود اليمين الشعبوي وان كان ذلك بنِسَب متواضعة ، لكن يبقى المجتمع السويدي مجتمعاً غربياً تسوده قيم اللبرالية الاجتماعية الغربية ، وبالتالي يمكن استخلاص الدروس منه في بعض الاوجه الاساسية لموضوع البحث .

هذه ملاحظات عامة نابعة من تجربة شخصية أراها مفيدة لفهم السياق العام الذي يرد المقال موضوع بحثي في إطاره ، ثم مناقشته وفق المعلومات العامة المتيسرة حول الهجرة وتداعياتها السياسية بشكل خاص .

من المهم الإشارة الى ان كاتبة المقالة التي اقدمها هي واحدة من اهم المتخصصين في مجال دراسات الهجرة والمشكلات والتحديات الناجمة عنها ، الا انها تفترض ان تحول المهاجرين الى القيم اللبرالية الاجتماعية الغربية هي الوسيلة الوحيدة لتأمين اندماج سليم في اطار المجتمعات الغربية والاوروپية دون ان تنتبه الى الدوافع العملية الكامنة خلف توجه الغرب لفتح أبواب الهجرة تتجاوز اللغة الشاعرية التي يحفل بها الخطاب الاوروپي والغربي حول الدوافع الانسانية المحركة لموجة الترحيب بالمهاجرين . الدول ليست هيئات خيرية وسياسات الهجرة تحديداً توضع استجابة لمشكلات سكانية تقوم بتشخيصها عادة هيئات پيروقراطية متخصصة محايدة في الشأن السياسي الوطني وليست معنية باليمين او اليسار ، وان نمو التوجهات اليمينية الشعبوية مرتبط بفشل طويل المدى واجهته السياسات الاقتصادية – الاجتماعية الاوروپية على يد احزاب اليسار والوسط على مدى عقود والتي ادت الى تهميش شرائح اجتماعية مهمة شكلت المعين الذي يغترف منه تيار اليمين الشعبوي الحالي في اوروپا والغرب عموماً .

لقد انتهج الغربيون ذات السياسات الاقتصادية – الاجتماعية مع تباينات نسبية بسيطة حسب الظروف الوطنية لكل بلد ، حتى ان اسماء الاحزاب والتحالفات الحاكمة وبرامجها في عموم اوروپا تكاد ان تكون نسخاً عن بعضها خلال العقود السبعة التي اعقبت الحرب العالمية الثانية ، وقد امتدت هذه الظاهرة لتشمل اوروپا الشرقية بعد سقوط الشيوعية ؛ هنالك واجهت تلك السياسات اختبارها الأهم ، ولذلك لم يكن من الصدف ان تكون بلدان اوروپا الشرقية هي منطلق الشعبوية في بواكير ظهورها خلال العقد الأخير . لقد راكمت اوروپا الغربية قدراً كبيراً من الثروة مكنتها من احتواء التيارات الشعبوية لفترة من الزمن من خلال ادارة الأزمات المزمنة ، لكن ذلك لم يكن متيسراً لحكومات وسط اليسار او اليمين في بقية اوروپا الاقل ثروة فانطلق مارد الشعبوية من عقاله ، وكان من اسهل الاهداف أمامه هم المهاجرين وثقافاتهم ؛ ولم تخلُ الساحة السياسية من الاستثمار المُغرض فتم وضع الاسلام في دائرة الاتهام ونعرف من له مصلحة ستراتيجية في تخريب آية علاقات طبيعية بين الغرب والإسلام : انه التطرّف ومنتجوه والمستثمرون فيه والمستفيدون من ثماره !! .

رغم ان المقال يرصد مشكلات مهمة تواجه عملية اندماج المهاجرين الجدد في مجتمعاتهم الاوروپية الجديدة ولكنه يختزلها في قضية واحدة ذات وجهين حسبما يفترض : الاول يتمثل في رغبة المهاجرين في المحافظة على أنماط وقيم عيشهم وخاصة مايتصل بقدسية الاسرة ورابط الزوجية ، وهما قضيتان يتراجع الاهتمام بهما في اوروپا والغرب عموماً ، وهي من بين الاسباب الرئيسية التي دفعت السلطات الى فتح أبواب الهجرة في مجتمعاتها التي اخذت تنمو بشكل هرم مقلوب حيث تتسع شرائح المعمرين والمتقاعدين على خلفية العمر فيما يتراجع حجم الشريحة الشابة العاملة ، ويشكل ذلك احد اهم التحديات التي تواجهها اوروپا والغرب عموماً ؛ كان الحل في فتح أبواب الهجرة امام قادمين من ثقافات معينة . لقد جربت اوروپا الغربية في مراحل مبكرة فتح الهجرة امام قادمين من اوروپا الشرقية ولكنها واجهت مشكلة عملية تتمثل في ان هؤلاء القادمين قد يمثلون حلاً مؤقتاً لمشكلة تقادم العمالة عمرياً ولكنهم سيتجهون للعيش وفق مفاهيم اللبرالية على الصعيد الاجتماعي وسيتم اعادة انتاج ذات المشكلة الاساسية وهي تراجع نسبة المواليد الجدد امام ازدياد نسبة المعمرين مما يعني تعاظم الاعباء التي تتحملها الأجيال الشابة لإعالة هؤلاء المعمرين ؛ اللبرالية الاجتماعية الغربية كتلة فكرية متكاملة لايمكن تجزئتها وهي تتجه نحو احلال قيم فردانية مطلقة تؤدي في نهاية المطاف الى تراجع قدسية الحياة الاسرية ، من بين امور كثيرة ، رغم عظمة وجاذبية المبادئ اللبرالية بشكل عام ، ورغم التقدم التقني وصناعة الروبوت والحواسيب فأن العمالة البشرية مازالت هي العامل الأهم في انتاج الثروة الاجتماعية ؛ ان جميع اساليب انتاج الثروة ترتبط في نهاية المطاف بالعامل البشري .

اما الوجه الثاني للمشكلة ، فهو توجه الاحزاب اليسارية التي يشكل اصحاب النزعة العالمية من اهل المدن والطبقة العاملة قواعدها الرئيسية ، نحو استقطاب اصوات المهاجرين الجدد من خلال اعلاء الصوت المرحب بالقادمين الجدد على خلفية موقف اليسار المرحب بالتنوع الثقافي والاثني والديني والتأكيد على حق المهاجرين بالمحافظة على أنماط عيشهم الشخصي والأسري والتعايش مع تقاليدهم الثقافية والدينية دون المساس بالقواعد القانونية السائدة ، ومع ذلك فقد وجد البعض ومنهم الكاتبة ان ذلك يمثل مشكلة كبرى فصلت المقالة في بعضها وبالغت في اعتبار انها تمثل المحرك لنمو التيارات اليمينية الشعبوية مقابل تراجع احزاب الوسط . رغم انني قد اتفق جزئياً مع ماورد في المقالة الا انني اعتقد ان المبالغة في ذلك تتم على خلفية ايديولوجية تفترض الصواب المطلق في قيم ايديولوجية معينة ؛ وفق قناعتي المتواضعة فان المشكلة التي تواجه المهاجرين واليسار وقضية الاندماج لها ابعاد تاريخية وسياسية واقتصادية متعددة الجوانب ومن أهمها :

١- ان ظهور التيارات اليمينية الشعبوية لم يكن رد فعل ضد الهجرة بل هو ثمرة فشل هيكلي في النظام الراسمالي الغربي واليات الادارة السياسية للاقتصاد من قبل احزاب وسط اليمين ووسط اليسار التي حكمت اوروپا منذ سبعة عقود .

٢- ظهور الاٍرهاب والتطرف الديني وخاصة هجمات ١١ أيلول في الولايات المتحدة ثم الهجمات الإرهابية المتكررة التي تعرضت لها عواصم ومدن أوروپية على أيدي ارهابيين مسلمين وهي احداث عمقت شرخاً تاريخياً بين الاسلام واوروپا ؛ المشكلة هنا تكمن في الاستثمار السياسي لهذه الاحداث . لقد جرت في الولايات المتحدة ٣٠٠ عملية إطلاق نار جماعية خلال عام ٢٠١٧ راح ضحيتها خمسة عشر الفاً من الضحايا لكنها نادراً ماتذكر في الاعلام فيما تُحفر كراهية المسلمين حفراً من قبل الاعلام على خلفية عمليات يقوم بها متطرفون اسلاميون لاتزيد عن عدد أصابع يد واحدة ومعظمهم ولد وتربى في الغرب نفسه وبعضهم يمثل قصة فشل غربي في احتواء افراد يحملون هوية مواطنة في بلدانه ؛ ان كل ذلك القتل يتم على خلفيات ثقافية محلية تمجد العنف والقتل .

٣- طبيعة الأنظمة الاجتماعية والسياسية لبلدان المهاجرين التي تمثل للذهن الاوروپي نوعاً من الأوبئة السياسية والاجتماعية يحملها القادمون معهم ولذلك ترتبط باسمهم تطورات لاشأن لهم بها مثل صعود التيارات الشعبوية .

من المتفق عليه ان موجات الهجرة الكبيرة التي حصلت خلال السنوات القليلة الماضية كانت ثمرة اضطرابات تدل على تخلف وعجز في الأنظمة السياسية للبلدان المصدرة للمهاجرين مما يعزز شعور المواطن الغربي العادي بأنه من يدفع ثمن ذلك رغم عدم توفر دليل يربط بين الهجرة وازمات المجتمعات الغربية بل ان هنالك دراسات فنية متخصصة تؤكد العكس حيث وفرت الهجرة عمالة رخيصة وقاعدة استهلاك ساهمت في ابقاء عجلة الاقتصاد دائرة .

٤- لابد من الاعتراف ان بعض شرائح المهاجرين تمثل عبئاً اجتماعياً – اقتصادياً خصوصاً تلك التي قدمت وهي محملة بفتاوى تحريم العمل في ” بلاد الكفار ” وتحريم دفع المستحقات الضريبية وتحريم المشاركة في الحياة السياسية . لقد صادفت شخصياً نماذج من هذا النوع ولكن أستطيع التاكيد انها حالات نادرة وربما فردية ، والجالية العربية والمسلمة في الغرب تضم قصص نجاح لاحصر لها .

بسبب هذه العوامل واُخرى اقل أهمية ، نستطيع الجزم بان المجتمعات الاسلامية في الغرب ستظل محافظة على قدر كبير من قيم العيش التقليدية التي لاتمثل خرقاً للقانون مثل التمسك بقدسية الاسرة والزواج ، وستعمل الأسر المسلمة على البقاء بالقرب من بعضها كما سينمو دورها السياسي والاجتماعي ، وسيزداد هذا التوجه حدة مع تزايد الضغوط التي تواجهها من جانب اليمين الشعبوي او من قبل القوى السياسية التي ستوجه لها حملات عداء تحت ذريعة دفعها لتبني القيم اللبرالية على المستوى الاجتماعي ؛ هذه العوامل تصنع جواً من الحذر والتوتر جراء الشعور المتزايد بالعداء وعدم الانصاف رغم ان هذه المجتمعات تتمتع بحيوية كبيرة وقد واجهت الكثير من الضغوط خاصة بعد الحرب العالمية الثانية بسبب موجات التعاطف التي أبدتها تجاه الحراك القومي في العالم العربي والقضية الفلسطينية وهي قضايا كانت اغلب المجتمعات الغربية تقف خلالها في الطرف المعاكس ؛ لقد حافظت المجتمعات العربية والمسلمة على تماسكها خلآل تلك المرحلة ، ورغم انها تتعرض اليوم لموجات إعلامية غير مسبوقة لتحميلها أوزار وخطايا عناصر متطرفة ولدت وعاشت في الغرب لكن مواقف العداء التي واجهتها مجتمعاتهم مع حالات التهميش وارتفاع مستويات البطالة وقصور لابد من الاعتراف به في الاداء التربوي للجالية على المستوى الاسري او الاجتماعي العام من خلال الهيئات والمؤسسات مثل أماكن العبادة والجمعيات الاجتماعية والثقافية ، كل ذلك تظافر لإنتاج ظاهرة غريبة عن تقاليد العيش التي مارستها هذه الجاليات لعقود طويلة مضت ؛ لقد وصلت هذه التقاليد حد الانخراط في القوات المسلحة لخوض حروب أوطانها الجديدة دون ان تتلقى عرفاناً او مكافأة مستحقة على غرار ماتلقاه نظرائهم من ابناء تلك المجتمعات . ان أنماط العيش المختلفة ومحاولات تفكيكها بوسائل غير ودية مع شعور تاريخي بالمظلومية صنعت اجواءاً من عدم الثقة يتعين فهمها بدل الانخراط في تفسيرات مبتسرة وسطحية في احيان كثيرة وقد لاتخلو من روح العداء وأحادية التوجه لابد من التعامل معها بروح اكثر ايجابيةً .

لنتابع ….

وصل الى اوروپا خلال السنوات العشر الاخيرة مايزيد عن مليوني لاجئ معظمهم من المسلمين ؛ هذه الظاهرة اصبحت موضوعاً للإعلام وفي الانتخابات على مدى اتساع القارة ؛ لقد كان هذا المعدل المرتفع لتدفق اللاجئين عاملاً مساعداً لليمين الشعبوي ، كما شكل ذلك عاملاً في دفع التيار العام لاحزاب اليمين المحافظ الى التشدد في موضوع الهجرة حفاظاً على حصتهم من أصوات الناخبين . يمكن ملاحظة ان ظاهرة الهجرة قد شكلت معضلة لاحزاب اليسار بذات القدر الذي شكلت فيه عامل دفع لليمين نحو التشدد : كيف يمكن للأحزاب اليسارية ان تستمر في مقاربتها المنفتحة على الهجرة { ملاحظة : وهي عمالة وافدة منافسة في سوق العمل الوطني } وأصوات المهاجرين وفي ذات الوقت مواصلة توجيه خطابها نحو قواعدها العمالية التقليدية .

في المانيا دفعت المستشارة إنجيلا ميركيل ثمناً كبيراً جراء انفتاحها على موضوع الهجرة حيث تخلت عنها الكثير من أصوات أنصار اتحادها الديمقراطي – المسيحي وهو من وسط اليمين في انتخابات ٢٠١٧ ، كما خسرت احزاب اليسار الكثير من أصوات مؤيديها لصالح احزاب اليمين العنصري . لقد نال الحزب الاشتراكي – الديمقراطي عشرين ونصف في المائة من أصوات الناخبين مما شكل خسارة تاريخية هي الأسوأ منذ عام ١٩٤٩ .

اما في النمسا فان وسط اليمين الذي يمثله حزب الشعب النمساوي فقد وافق مؤخراً على تشكيل الحكومة مؤتلفاً مع حزب الحرية الوطني الذي يعلن خوفه المفرط من الأجانب تاركاً الاشتراكيين – الديمقراطيين الذين خسروا الانتخابات ؛ جاء ذلك في أعقاب انتخابات وطنية كان موضوع المهاجرين يحتل المرتبة الأولى في قائمة اهتمامات المصوتين ، وقد حصل حزب الحرية على ٥٩٪‏ من أصوات الطبقة العاملة مقابل ١٩٪‏ حصل عليها حزب العمال .

يواجه اليسار معضلة ؛ لقد اعتادت الاحزاب الاشتراكية – الديمقراطية على حصد المزيد من أصوات ناخبي المدن من ابناء الطبقة الوسطى الذي يرحبون بالتنوع الاجتماعي ، ولكن نسبة عالية من قواعد تلك الاحزاب داخل الطبقة العاملة ترفض استقدام المهاجرين وخاصة من البلدان الاسلامية . لقد دفع هذا التغير في مواقف ناخبي البلاد الأصليين تجاه بعض الاحزاب الى لجوئها لاتخاذ مواقف تتسم بالتودد للمهاجرين والأقليات على امِل تشكيل نوع من التحالفات اللبرالية – الاجتماعية العابرة للطبقات . لقد جرب الحزب الديمقراطي الامريكي ذلك ولكن نجاح التجربة تم بوتائر متقطعة { ملاحظة : اللبرالية الاجتماعية ليست بالضرورة لبرالية سياسية . كان اوروپا الشرقية ترزح تحت أنظمة شمولية ولكنها تتمتع بقدر من اللبرالية الاجتماعية وكذا الحال في بلدان كثيرة حيث تتسم بقدر كبير من اللبرالية الاجتماعية دون ان يتم ذلك او يقود الى أنظمة سياسية لبرالية } .

في اوروپ قد لاتواجه التجربة ذات القدر من النجاح خاصة مع لجوء الاحزاب الى محاولة استقطاب أصوات المهاجرين لان الأساليب التي استخدمتها الاحزاب الاوروپية لتجنيد اصواتهم ربما تكون قد ادت الى تعميق أزمة هؤلاء المهاجرين .

ان المشكلة الاساسية التي تواجه اليسار الاوروپي في هذا الميدان تتمثل في ان اغلب أصوات الناخبين من اصول مهاجرة هي أصوات مسلمة ؛ يجلب هؤلاء المهاجرون معهم عاداتهم الاجتماعية المحافظة في الوقت الذي تزعم فيه احزاب اليسار التي تستقطبهم انها احزاب علمانية مدنية ومناصرة لقضية حرية المرأة ، وهي الشعارات التي تمثل خطابها الموجه لابناء الطبقة الوسطة الميالين بشكل متزايد نحو اللبرالية . ان مايترتب عن ذلك هو صدام بين القيم والتي تتبدى بشكل واضح في المدن حيث تحاول المجتمعات المسلمة اعادة احياء الروابط الريفية والهرمية الاسرية والممارسات الدينية لبلدانها الأصلية في جوار علماني تقدمي يشكله ابناء الطبقة الوسطى من المجتمعات الأصلية . في بروكسل على سبيل المثال يعتقد ٨٠٪‏ من ابناء الجالية المسلمة ان على المرأة ان تعمل قدراً من الساعات اقل من الرجل لتخصيص وقت أطول للعائلة بينما لاتتجاوز النسبة ٣٧٪‏ حول هذا لدى غير المسلمين .

ان الناخبين المسلمين الاوروپيين ليسوا كتلة متجانسة . منهم مصوتين متدينين وهم في ذات الوقت لبراليون على المستوى الاجتماعي ومنهم المصوتين العلمانيين ولكن لديهم احساس بالانتماء الى جذورهم الدينية وهنالك من لايشعرون باي نوع من ذلك الانتماء ، وهنا يتعين على الاحزاب ان تتبع ستراتيجيات متباينة عند العمل من اجل كسب أصوات الناخبين او اعتماد المرشحين المسلمين .

لقد اوضحت نتائج تحليل الحملات الانتخابية في ٣٠٠ مدينة في النمسا وبلجيكا وألمانيا والمملكة المتحدة ان ستراتيجيات الاحزاب تتباين حسب حجم الجالية المسلمة والاهمية الستراتيجية لأصوات ابنائها .

ان العديد من احزاب يسار الوسط تتجه نحو تبني المرشحين المسلمين الذين يناسبون المرجعيات العلمانية والليبرالية – الاجتماعية لهذه الاحزاب وبذلك فهي تعمل باتجاهين : التوجه نحو قواعدها ذات النزعة العالمية من خلال الظهور بمظهر التسامح والتلويح في ذات الوقت للناخبين المسلمين انها مهتمة باصواتهم ، وهذه ستراتيجية يمكن تسميتها ” الدمج الرمزي ” . من المعتاد في هذه الستراتيجية قيام الاحزاب التي تعتمدها باختيار عناصر مسلمة نسوية ذات توجه علماني تقدمي . اما النساء المرشحات فإنهن يبعثن برسالة مفادها أنهن قادرات على الاندماج والتماثل مع البيئة الاجتماعية والتخلص من هرمية السلطة الاسرية ويعزز ذلك عدم ارتدائهن للحجاب . اما الرجل المسلم فهو غير قادر بذات السهولة على التعبير عن مثل هذه التقدمية . هذه الستراتيجية تبدو شائعة الاستخدام في الانتخابات التي لايكون الصوت المسلم هو العامل الحرج لتحقيق النجاح حيث تستهدف الناخب غير المسلم الذي يبدي عدم الارتياح لانتخاب قوائم ذات لون واحد مثل القوائم الذكورية او قوائم البيض او قوائم المسيحيين ، اما الصوت الناخب المسلم فهو ثانوي ولايتعدى كونه اضافة وتعزيز للنجاح . ان ستراتيجية الدمج الرمزي تفسر ظاهرة تعيين المُنتخبات المسلمات في مراكز ذات مظهرية ويتم ذلك حتى في البلدان التي ليس فيها عدد مهم من السياسيين المسلمين ، ويبقى المستهدف الأساسي هو الناخب غير المسلم والأداة هي المرأة المسلمة اللبرالية { ملاحظة : هذا نوع من التعميم قد لايكون صحيحاً بالمطلق في عموم اوروپا . في تجربتنا في السويد وفي الانتخابات المحلية التي فاز فيها عرب ومسلمون غير عرب كانت الاصوات المرجحة التي حصدوها نساءاٍ ورجالاً هي اصوات ابناء الجالية ، علماً ان اغلب المرشحين من الجنسين كانوا يمثلون قصص نجاح شخصية في عملية الاندماج الاجتماعي دون ان يضطروا لمغادرة ثوابتهم الدينية والاجتماعية ويعود ذلك الى انخفاض معدل النزعة العنصرية على المستوى الاجتماعي في البلاد } .

ان ماسبق يفسر لماذا تسمي الاحزاب المحلية في النمسا وألمانيا عدداً من النساء المسلمات للانتخابات لايتناسب مع حجم القاعدة الاجتماعية وأكثر مما يحصل في بلجيكا والمملكة المتحدة . في جميع هذه البلدان تمثل قضية ادماج المسلمين قدراً كبيراً من التسييس ، كما يشكل المسلمون نسب متماثلة تقريباً من اجمالي السكان ، ولكن في النمسا وألمانيا ، حيث تفرض قواعد اكثر صرامة على منح الجنسية والمواطنة ومايعنيه ذلك من حصة اقل للمسلمين في اجمالي أصوات الناخبين وتدني أهميتهم في هذا المجال ، فان وجود مرشحين مسلمين هو في أدنى مستوياته لان الاحزاب اقل اهتماماً بهم طالما ان غرضها هو الفوز بالانتخابات اما تصادف وجود عدد قليل من المسلمين في قوائمها الانتخابية فهو رسالة تستهدف القواعد التقدمية غير المسلمة لهذه الاحزاب ، وهي بذلك تُمارس الاندماج الرمزي .

اما في بلجيكا والمملكة المتحدة ، حيث تمثل القواعد الانتخابية المسلمة اضعاف نظيراتها في النمسا وألمانيا ، فان عدد المرشحين المسلمين اكثر بكثير مما في البلدين المذكورين كما ان عدد المرشحات من النساء اقل بكثير لان المستهدف هو الناخب المسلم الذي يميل الى المحافظة وتفضيل الذكورة في المرشحين . في المانيا والنمسا تمثل النساء نصف اجمالي المرشحين المسلمين مقابل ١٤٪‏ فقط في بلجيكا والمملكة المتحدة .

لم هذا التناقض ؟!

لايمثل المسلمون في المانيا والنمسا توجهاً اكثر تقدمية او علمانية بشكل واضح من نظرائهم في بلجيكا او المملكة المتحدة . على العكس ، فقد لجأت العديد من الاحزاب في المدن البريطانية والبلجيكية الى تبني مايمكن تسميته بأسلوب ” الضم من اجل كسب الصوت ” ، وهذا يقع عندما يكون لدى الاحزاب دافع قوي لاستقطاب الصوت المسلم .

ظاهرة استقطاب الصوت المسلم في بريطانيا وبلجيكا تعود الى طبيعة قوانين منح الجنسية التي تضم جاليات مسلمة مهاجرة كبيرة نسبياً . كما ان حدود الدوائر الانتخابية قد رسمت في بريطانيا بحيث تعطي افضلية للتجمعات كثيفة السكان : تميل مجموعات معينة من السكان الى السكن بشكل متقارب وخاصة الأقليات الدينية مثل المسلمين المتدينين في اوروپا واليهود الأرثوذوكس في الولايات المتحدة مما يمنحها امكانية اكبر للتأثير في الانتخابات . الاكثر من ذلك فان الأقليات تميل الى انشاء منظمات اجتماعية يمكنها توجيه الأصوات في ايام الانتخابات ولاتتردد الاحزاب اليسارية من طرق أبواب هذه التنظيمات . في لندن وبروكسل وروتردام يمكن التعويل على الزعامات العشائرية وأئمة المساجد للفوز بالانتخابات لقدرتهم على توجيه اتباعهم .

ان هذا النوع من التوجه نحو الدمج من اجل كسب الصوت يمثل مشكلة بحد ذاته . ان رغبة قادة الاحزاب اليسارية في استمالة أصوات كتل المسلمين تجعلهم يغمضون اعينهم بشأن المواقف موضع الجدل للمرشحين المسلمين في موضوعات مثل التعليم الديني ومعاملة النساء والفتيات ، وهذا النوع من مبادلة الصوت بالموقف لايقتصر على استدراج المسلمين الاوروپيين بل يسري على كافة الأقليات الدينية في الديمقراطيات اللبرالية بشكل عام .

ان التعويل على الروابط الاثنودينية لغرض تعبئة الأصوات الناخبة من شأنه تعزيز موقف اصحاب المواقف الاجتماعية التقليدية المحافظة ( سواءاً كانوا أفراداً مرشحين او كتل انتخابية ) والذين تتعارض مواقفهم مع المواقف الرسمية للحزب ومع موواقف قواعده العلمانية والليبرالية . على سبيل المثال : لقد فشل السياسيون المسلمون في الماضي لتأمين إنفاذ القانون عندما يتعلق الامر بالعنف المنزلي او الزواج القسري في مجتمعاتهم الصغيرة . كما قاموا بتخريب دخول المرأة في الحياة السياسية . لقد قامت نساء مسلمات في برمنغهام مؤخراً بتقديم شكوى رسمية الى زعيم حزب العمال جيرمي كوربن زعمن فيها ان سياسيين مسلمين ذكور ، وبتواطؤ من قبل الفرع المحلي لحزب العمال ، قاموا بإشاعة كراهية نساء مسلمات من الساعيات الى العمل السياسي وتشويه سمعتهن بشكل ممنهج .

ان اُسلوب الدمج من خلال الصوت ينتج بالاجمال سياسيين مسلمين من الذكور بشكل عام وان تبني قادة الاحزاب لهذا النوع من الدمج يقلل من اعداد النساء اللائي يمكنهن الفوز بمراكز تشغل عن طريق الانتخاب .ان قادة اليسار ، وقادة اليمين على حد سواء ، يعملون على تعميق مبدأ المساواة بغض النظر عن الجنس في اطار قواعدهم عندما لاتسبب لهم ضرراً على مستوى قواعدهم الناخبة .

هنالك ارتدادات اخرى لاعتماد منهج الدمج من اجل الصوت يتجاوز حدود التجمعات الاثنودينية . يقوم اليسار الاوروپي من خلال تقديم الولاء للقبيلة او العشيرة على الطبقة بإضاعة فرصة تشكيل تحالفات طبقية مختلطة الاثنيات ويؤكد التباينات الثقافية . هذه السياسة تخدم أغراض اليمين الشعبوي المتلهف لاستخدام القضايا الثقافية لتحويل وجهة أصوات الطبقة العاملة من احزاب اليسار وهي مشكلة تتكرر في الولايات المتحدة ويعاني منها اليسار الامريكي . ان الفارق بين الحالتين الاوروپية والأمريكية هو انها في اوروپا تؤدي الى تعزيز مكانة الأقليات الاجتماعية المحافظة وخلافاً لما هو الحال لدى الحزب الديمقراطي الامريكي فانها في اوروپا تقود الى احتمال الأضرار بالقواعد اللبرالية .

ان منهاج الدمج من خلال الصوت او الدمج الرمزي لن يؤدي بالضرورة الى تعزيز اندماج المسلمين اجتماعياً واقتصادياً . غالباً ماتستخدم الاحزاب مرشحيها ” الرمزيين ” من اجل جذب القواعد ذات النزعة الدولية غير المسلمة ، ولكن هؤلاء لن يكونوا بالضرورة عوامل من اجل تغيير حقيقي . ان اصرار الاحزاب على هذه السياسة يؤدي الى فوز عناصر محافظة وهي تسبب ضرراً جسيماً للناخبين المسلمين الذين يطمعون في انتخاب ممثلين عنهم يعملون من اجل توفير تعليم أفضل وفرص عمل اوفر وتأمين سكن مناسب . تُظهر الأبحاث المستمرة ان المسلمين يعانون من التمييز الكبير والمتنامي في هذه المجالات لان الاحزاب الناشطة في اطار التجمعات التي تضم المسلمين تسعى لاختيار مرشحيها وفقاً لقدرتهم على حشد الأصوات بدلاً من تقديمهم برامج تتعلق بالاقتصاد او مكافحة التمييز .

ان لدى الاحزاب اليسارية الاوروپية خيارات متعددة . يمكنهم مواصلة سياسة الدمج من اجل الصوت ولكنهم بذلك يوقعون قواعدهم الدينية بوهم ان اندماج المهاجرين يتقدم دون ان تتحقق نتائج عملية على ارض الواقع ويجازونا ن بإحباط الناخبين المسلمين . هذا الامر من شانه تاجيج شعلة الشعبوية .

لكن هنالك مخرج ، حيث يتمكن اليسار من العودة الى جذوره وصياغة تحالف يمكنه جذب الأصوات على اساس المساواة والمشاركة في التحديات الاقتصادية . لن تقود هذه الستراتيجية الى تعبئة الكتل التصويتية للتجمعات السكانية التقليدية وقد تقود الى خسارة اصوات جزء من الطبقة الوسطى التي قد يرجح التزامها بمصالحها على التزامها بالليبرالية الاجتماعية ، إلاّ ان التركيز على التحديات الاقتصادية المشتركة سيشكل عامل جذب لأصوات الأغلبية والأقلية على حد سواء وربما يسهم ذلك في فرملة التوجهات الشعبوية . (انتهى المقال )

ملاحظة : العبارات التي وضعت بين قوسين كبيرين {. } هي من عندنا بصد التعليق او توضيح المعنى كما نفهمه .

Muslims Voters and the European Left

When Inclusion Leads to Populism

By : Rafaela M. Dancygier

Foreign Affairs , February 6 , 2018

المقال السابقدول الخليج تعيد العراق إلى جواره العربي
المقال التالىالمنبوذ
فائز ناجي عبدالرحمن السعدون من مواليد بغداد / الأعظمية ١٩٤٦.. درس العلوم السياسية في جامعة بغداد وتخرج فيها عام ١٩٦٧.. انخرط للعمل في السلك الدبلوماسي العراقي منذ منتصف السبعينات وعمل في البعثات الدبلوماسية العراقية في جنيف والاكوادور وجمهورية مالي وطهران وبوخارست ... تخصص في الشؤون الإيرانية منذ عا....
المزيد عن الكاتب

1 تعليقك

  1. احسنتم كثيرا في اختيار الموضوع والمقالة وكذلك المقدمة الراقية …فعلا دراسة معمقة ومفيدة .
    تبقى دول اوربا بحاجة لطاقات بشرية شابة لادارة اقتصادها وان تشددت في بعض الاوقات فستعود وتسهل عملية استقبال المهاجرين لاسباب ذكرتها جنابكم وهي ملازمة لطبيعة المجتمع الاوربي .

اترك رد