دول الخليج تعيد العراق إلى جواره العربي


 

كانت بريطانيا ضابط السيرك السياسي في منطقة الشرق الأوسط فوافقت على تسليم منطقة الأحواز العربية لإيران عام 1924 حتى لا تتحالف مع ألمانيا، وأعطت تركيا مناطق شمال سوريا لتركيا بموجب اتفاقية أنقرة عام 1921 بين فرنسا وتركيا مقابل اعتراف تركيا بالانتداب الفرنسي على سوريا، تبنى الحلفاء الاتفاق الثنائي في معاهدة لوزان عام 1923 كتعديل لمعاهدة سيفر عام 1920 التي أعقبت الحرب العالمية الأولى والتي رسمت الحدود التركية مع جيرانها واشتملت على خفض كبير لمساحة تركيا وبخاصة في الطرف الغربي، لكن تركيا بعد وقف دعمها للثوار السوريين ضد الانتداب الفرنسي بدأت تعمل على اقتطاع لواء الأسكندرونة السوري الساحلي عام 1939، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل تم تسليم فلسطين وطن قومي لليهود.

لم تتوقف المؤامرة على الجسد العربي بل وافقت بريطانيا عند استقلال دولة الإمارات على احتلال الجزر الإماراتية عام 1971، لكنها لم توافق للملك عبد العزيز مؤسس الدولة السعودية الثالثة أن يضم أملاك الدولة السعودية الأولى إلى أملاك الدولة السعودية الثالثة ورسمت له الحدود عام 1921 بما تسمى باتفاقية الخط الأزرق نفسها التي كانت بين دول الخليج التي تتواجد فيها بريطانيا والدولة العثمانية التي أصبحت سارية مع الدولة السعودية الوليدة.

قبل استقلال الكويت عام 1961 عرض رئيس وزراء العراق نوري السعيد على الكويت أن تنضم إلى اتحاد يضم العراق والأردن والكويت لكن اعتذر الشيخ عبد الله سالم، إلى أن جاء عبد الكريم قاسم الذي أعلن ضم الكويت بعد استقلالها وهو ما جعل صدام حسين يعلن قرار الضم بعد اجتياحها عام 1990 انتهت بحرب عالمية التي كانت جزء من بداية نظام عالمي جديد بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.

بالطبع عقد مؤتمر إعادة إعمار العراق في الكويت نيابة عن دول الخليج العربي بعدما تعالت دولة الكويت على جراحها، لكن إعادة العراق إلى جوارها العربي لتعزيز الأمن العربي أولوية ولا يمكن أن يترك العراق يتم نهش جسده وتفتيته وزعزعة أمنه الذي هو بمثابة زعزعة الأمن العربي الذي ينعكس على الأمن الخليجي.

رصد مؤتمر الكويت 30 مليار دولار وهي لا تكفي لإعادة إعمار العراق الذي أنهكته الحروب فيه منذ أربعين عاما، وبعدما كان العراق بلدا أبيا منيعا محاصر بثلاث قوى

ذات عداء تاريخي مع العرب والعروبة هي إيران وتركيا وإسرائيل ليس فقط مع العراق ولكن باعتبار العراق بوابة شرقية للعالم العربي وبالفعل بعد انهيار العراق نرى أن نصف العالم العربي مدمر وخصوصا سوريا بل أصبح العراق ممرا لتدمير العالم العربي بعدما كان سدا منيعا.

دول الخليج بقيادة السعودية دعمت بيت العروبة مصر حينما كانت مهددة بالانهيار والفوضى حتى لا تعود الكرة مرة أخرى مع البوابة الغربية مصر كما انهيار البوابة الشرقية العراق، رغم أن البعض يرى أن مصر لا تمتلك موارد في حجم موارد العراق الذي يمتلك ثاني احتياطي نفطي في العالم بعد السعودية بالطبع الاحتياطيات المؤكدة وغير المؤكدة.

مهما تقاطرت القنوات الفضائية المعادية لدول الخليج وخاصة ضد السعودية التي تقود مواجهة مشروع استعادة الدول العربية خصوصا العراق وسوريا واليمن، رغم ذلك فإنه يوجد في السعودية نظام رغم أنه ليس ديمقراطي لكنه نظام لا توجد فيه مشانق معلقة وسجون سرية وحروب داخلية استطاعت السعودية ومعها بقية دول الخليج التصالح مع شعوبها حتى في أحلك الظروف زمن الاحتجاجات العربية، تلاها زمن انخفاض أسعار النفط إلى أكثر من 70 في المائة وصلت الأسعار في منتصف عام 2014 إلى 27 دولار من نحو 144 دولار للبرميل، فيما العراق يبدد ثرواته لصالح مليشيات تتبع ولاية الفقيه بل أكبر ثروة بددها العراق التي يقدرها البعض بأنها تصل إلى 700 مليار دولار وأكبر خسارة خسرها العراق هي الثروة البشرية التي خرجت من العراق أو أصبحت مهجرة أو أصبحت تحت خط الفقر وهي تعاني من التململ العنفي الذي يضرب جميع أنحاء العراق.

كيف أقنعت دول الخليج العالم بأن يشارك في إعادة إعمار العراق رغم انه غير متحمس بسبب الفساد الذي يضرب العراق وتنتشر فيه المليشيات التابعة لإيران، بل نفسها دول الخليج تعاني من صعوبات اقتصادية وتعاني من حرب في اليمن بل تعاني السعودية من كثرة فواتير الحروب المكلفة، بل إن البعض يتساءل كيف أن حزب الله دمر لبنان ويتوقع من دول الخليج إعادة تدمير ما تسبب حزب الله في تدميره، والآن ما يحدث في العراق تسببت إيران وحلفائها في العراق من تدمير العراق وتتوقع من دول الخليج إعادة تدمير ما خربته ودمرته بحجة محاربة العراق داعش نيابة عن العالم بينما وكيل إيران المالكي هو من سمح لداعش بالتشكل بعدما اتهم سنة العراق كمكون رئيسي بالارهاب.

كيف تجاوزت الكويت ودول الخليج بأن ما حدث مسؤولية تاريخية يتحملها صدام حسين التي اصطبغت فترته بتذويب العرقيات الأخرى في قومية عربية خصوصا مطلع الستينات رغم أن صدام حسين تراجع عنها فيما بعد وسمح بالحكم الذاتي للأكراد، كذلك تجاوزت دول الخليج أو فرقت بين المبادئ والقيم المشتركة وبين المصالح والأهداف المشتركة، لأن هناك قيم عامة مشتركة في المجالات الإنسانية والعدالة مع جميع شعوب العالم، وقيم لها خصوصية لكل بلد، وعدم مشاركة الجانبين في كل هذه المفاهيم والقيم لا ينفي تشاركهما مصالح وأهدافا لمواجهة الأخطار الإقليمية.

العراق دفع ثمن أخطائه غاليا بعدما فرضت عليه دول العالم تعويض الكويت ب46 مليار دولار بقيت أربعة مليارات، لكن ما يلاحظ من الداعمين غياب اكبر دولة تتدخل في الشأن العراقي والعربي هي إيران غابت عن مؤتمر المانحين لأن الفرق بينها وبين دول الخليج كبير، حيث تدعم دول الخليج الدولة، بينما إيران تدعم مليشيات لتدمير العراق، وإن كان تكاليف الإنفاق على المليشيات هي من أموال العتبات المقدسة ومن أموال العراق فقط تكتفي المليشيات تلقي دعم إيران ودعم مظلوميتهم التاريخية الموهومة صدقها العراقيون، فيما هي تدعم مشروعها القومي عبر وكلاء منتشرين في المنطقة استثمرت انهيار الدول العربية بعد ثورات الربيع العربي، ولماذا لا يطالبها العالم بتحمل الخراب الذي تسببت فيه في العراق مثلما حمل العراق دفع تكاليف حربه مع الكويت.

العراق يعاني من ارتفاع صوت الانقسامات على التوحد، والانفصال على الاستقرار على نحو ما كاد يتحقق في الاستفتاء الكردي في 25 سبتمبر 2017، ولولا الرفض العراقي والإقليمي والعربي لتحقق الانقسام، وعقود المؤتمر في الكويت يطوي صفحة آثار غزو العراق الكويت في 2 أغسطس 1990، الغريب أن انعقاد مؤتمر المانحين في الكويت في زمن الحالة السورية والحالة اللبنانية والحالة الفلسطينية والحالة اليمنية والتونسية رغم ذلك توصل المؤتمر إلى جمع ما لا يقل عن 30 مليار دولار يعتبر مبلغا كبيرا جدا في مثل تلك الظروف، لكن الأهم من رصد تلك المبالغ لأن العراق بلد غني بموارده لكنه كسب العراق ضمه للجوار العربي الذي لا يقابله أي مبلغ يتم رصده أو جمعه.

لكن يتبقى تصويب أحوال العراق وتبديد ما علق في سماء العلاقات من غيوم سوداء تركت آثارها على المشاعر المتبادلة بين جميع الأطراف، ما يعني أن على العرب طي صفحة الخلافات على غرار مؤتمر الخرطوم الاستثنائي عام 1967 الذي عقد لنجدة مصر بعد هزيمتها من قبل إسرائيل والتوجه بتقديم مبالغ نقدية من السعودية والكويت وليبيا لإزالة آثار الهزيمة التي حلت بمصر بعدما نسيت خلافاتها مع مصر التي جعلت إسرائيل تستفرد بمصر يتكرر السيناريو نتيجة الخلافات العراقية الخليجية العربية استفردت إيران بالعراق.

هناك تصريح لأمير الكويت بقوله إن دعم الكويت ومؤازرتها للعراق لم ولن يتوقفا أبدا لأننا نؤمن بأن أمن العراق من أمن الكويت، وأن استقراره أيضا من استقرار الكويت والمنطقة كلها، وأن المؤتمر بمثابة محطة مهمة واستطرادية في هزيمة الإرهاب، في المقابل صرح رئيس الصندوق العراقي لإعادة الإعمار الدكتور مصطفى الهيتي بقوله إنها وقفة تاريخية لدولة الكويت ستحسب على مدى الأجيال القادمة.

لا تعليقات

اترك رد