هل الدين ثقافة أم إرث؟ وهل يمكن فصله عن السياسة في العراق؟


 
هل الدين ثقافة أم إرث؟

قبل أن نسترسل في أبعاد هذا الموضوع الحسّاس والدقيق والذي يعدّ من اهم المواضيع التي يتمحور حولها كثيرٌ من المنعطفات الاجتماعية وبالتالي السياسية، يجب ان نثبت هنا أمرين مهمّين :

الاول: هو أن السياسة هي نتاج المجتمع..
والثاني: هو أن المجتمع وضع كثيراً من الاعراف والتقاليد والتي نسبها الى الدين ليُمدّها بقوة التأثير المطلوبة لإرضاخ الفرد داخل المجتمع.
ان الدين بمفهومه المجرّد الحديث هو التوحيد, حيث كانت في العصور القديمة جدا من عمر الانسان ديانات وعبادات مختلفة أيضا وكان لكلّ منها طقوسه ومؤيدوه, وقد اضمحلّت بتطور الانسان العمليّ والتركيز على فكرة الإله الواحد بدلا من تعدّد الآلهة حيث إن التقرّب الى الإله الواحد أيسر وأقلّ كلفة مما كانت تتجشمه تلك المجتمعات القديمة من تقرّبها للعديد من الآلهة حيث كان لكلّ إله دار ومعبد وكهنة وطقوس .

في وقتنا العصيب الحالي وفي مجتمعاتنا العربية عامة ومجتمعنا العراقي خصوصا,نسينا فكرة الإله في خضم التعدد المذهبي والذي اصبح فيه الدين هو نصرة مجموعة من الناس او رمزٍ معيّن والتعصب لهم حتى لو تكلف الانسان حياته نتيجة هذا التعصب وقد غذى المجتمع هذه الفكرة الوثنية على مر السنين كأنه بهذا يعاني فترة نكوص وتراجع في التطور الفكري حتى عن المجتمعات السحيقة ( قديما كان تعدد الآلهة وفي الوقت الحاضر تعدد الآلهة البشريّة “الرموز”).

وعليه فإن المجتمع هو من يحدّد المسار الديني للفرْد وبهذا يكون الدين فكرة نتوارثها عن آبائنا حتى وان كانت الفكرة لا تنطبق على عقولنا او قناعاتنا, فانتفت صفة القدسية , بما انطوت عليه عبر السنوات من اضافات كثيرة من المجتمع وفق ما يضمن أسْر الافراد ضمن حدود معينة مرسومة لهم لا يمتّ كثير منها الى التعاليم الاساسية لكلّ الاديان على تعدّدها وهي الحق والمساواة والرحمة وعدم القتل وعدم السرقة واحترام جميع الكائنات وهي ان تعمقنا في معانيها البديهية والبسيطة نجدها تشكل قِيَما أخلاقيةً لاي مجتمع مهما كانت عقيدته, والتي لا نجدها الآن في مجتمعنا بالقدر الذي يحقّق الأمان وكرامة الانسان.

وفي حال تحوّل الدين الى تصرف ظاهري خالٍ من تطبيق روح “التعاليم السماوية”أو حتى المفاهيم الاخلاقية ويكون الغرض منه هو التقوقع على الذات والتعصّب لملّة او جماعة معينة, فسينتج عنه ازدراء الاخر وبالتي تشظي المجتمع..

والنتيجة الحتمية لهذا التعصب وهذا التقوقع هو سلوك قسري يفرض على الفرد خوفا متعمقا للدرجة التي يلغي فيها أيّ قناعة مخالفة لما يورثه له اباؤه من تعاليم مذهبية.

ولنفترض جدلا أنّ الاشخاص الذين يؤسّسون للمشهد السياسي في العراق ويديرونه هم من داخل البلد, إذن فهم يحملون كلّ هذا الإرث القابع في زاوية واحدة دون الأخذ بنظر الاعتبار حق الآخر او الشريك او الأخ بالدم والأرض.

وفق هذه المعطيات فالسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل ان المجتمع مستعد لان يسلّم قياده لاشخاص او جماعات تقف على بعد واحد من فكرة الدين بتعدّده؟ هل سيعي فعليا ان البديهيات الاخلاقية هي ما سوف يعيد بناء مجتمع محطم لم يشفع له تعدد أديانه او مذاهبه؟
اذا وصل المجتمع الى هذه القناعة الفعلية فمن الممكن بل من السهولة ان يتم فصل الدين عن السياسة وبالتالي ستتداعى المشاكل التي خلقت بسبب التعصب الديني والمذهبي الواحدة تلو الأخرى ليكون التركيز الأساس على فكرة بناء الفرد ضمن مجتمع متزن.
وعندها فقط.. لن تكون السياسة الوجه الآخر للدين…

لا تعليقات

اترك رد