رسالة الكلام


 

ليس بمقدور الكلام سواءً كان منطوقاً أو مكتوباً مهما كانت بلاغته وفصاحته وقوة تأثيره إن يأتي بما يفترض، وكل من اعتقد بذلك فهو واهم،فتجارب الحياة والتاريخ ادلة قاطعة بهذا الخصوص، من هذا المنطلق تزداد قناعتنا بأن الكتابة في ما يخص نقد السلبيات من الظواهر السياسية أو الإجتماعية او غيرها قد لا تأتي بأي ثمار أو ربما تأتي بما هو دون المستوى المطلوب،
يتصور البعض إن ضعف التأثير في المقابل يعود الى اسباب تتعلق بشخص المتكلم سواءً كان خطيباً او شاعراً او بشخص الكاتب اياً كانت كتابته تقريرية
أو ادبية،
والحال إن هذا التصور يخالف المنظور التأريخي وتجارب الحياة مخالفةً واضحة وصريحة،
إن المتتبع لمسيرة الأمم السالفة من خلال التأريخ او القصص القرآني يجد إن الإنبياء (ع) قد بذلوا قصارى جهودهم وأستنفذوا جل وقتهم الطويل في تبليغ أممهم وحرصوا كل الحرص على نصحهم وارشادهم ولم يقتصر الامر على التبليغ من خلال الكلام ( مورد البحث) فقط وأنما تعزز ذلك بالاستجابة إلى مطاليب قومهم لتحقيق المعجزات وخرق العادات كي يطمئن أولئك الى صدق أصحاب الرسالات، وهم بهذا ( أي الإنبياء ) لم يتركوا اية حجة يمكن تُحسب لصالح المُنذَرين ، مع العلم إن جهودهم ومعاناتهم كانت تحت عناية ورعاية الوحي ولم تسفر على طول الخط وعرضه إلا عن نزول عذاب الاستئصال والابادة لتلك الأمم البائدة ورب قائل يقول أن ضعف الاستجابة لدعوات الإنبياء كان مبنياً على دعوة التوحيد وهي قضية تتعلق بمسيس ما ألِفته وتوارثته الأمم من معتقدات وطقوس وعبادات ، فالجواب إن اغلب دعوات الإنبياء وإن كان جوهرها التوحيد إلا انها لم تقتصر عليه بل تعرضت الى المظاهر الخاطئة التي كانت تمارس من قبل تلك الأمم وبنظرة سريعة الى القصص القراني نجد هذه المسألة واضحة جدا في قصص بعض الإنبياء (ع ) كنبي الله لوط( ع ) إذ يقول الله (تعالى) في سورة الشعراء الآيات (( أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ(١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (١٦٦) قَالُوا لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ ))،
وكذلك فيما يخص نبي الله شعيب (ع) قال تعالى في سورة هود الآية ٨٥ (( وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ))،
من خلال ذلك يتضح إن الكلام مع الإنذار والاعذار قد لا يحقق اية غاية بل إن هناك الرفض والتحدي كما هو معلوم من نتائج القصص التي مرت علينا.
وهناك مصداق أوضح يحمله القرآن الكريم ايضاً الذي نزل بلغة العرب متحدياً لهم إن يأتوا ولو بسورة واحدة من مثله وهم الفصحاء البلغاء ولم يتمكنوا من ذلك، كما يؤيد هذا المصداق ما أشرنا اليه سلفاً بأن الفصاحة والبلاغة وقوة التأثير قد لا تأتي بما يفترض وهو قول الله تعالى في سورة الحشر الآية ٢١ (( لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۚ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ )).
وهذا بالتأكيد ما هو مشخص وواضح بأن كلام الله تبارك وتعالى رغم ما يحمله من قوة تأثير وفصاحة وبلاغة وبيان وسحر وحلاوة وطلاوة وكثير من الصفات التي اقرها المشركون قبل غيرهم ولكن لم تتصدع له القلوب كما يتصدع له الجبل لو أُنزل عليه،
إن مسألة عدم التأثر والاستجابة لم تنحصر على دعوات الإنبياء فحسب بل تعرض الكثير من المصلحين والثائرين من أجل المبادىء الإنسانية في مختلف بقاع الأرض قديماً وحديثاً الى مواقف الرفض والتخاذل من قبل أممهم وبالتالي فشل الإصلاح والثورة وبالرغم من ذلك لم تتوقف الثورات وحركات الإصلاح بل استمرت الإجيال تحمل مشاعلها جيلاً بعد جيل،
من هنا يتبين لنا إنه ليس بالضرورة اصابة الهدف في كل رمية بل حتى لو لم يصب ولو برمية واحدة فلا يكون ذلك حاجزا عن الاستمرار بمواصلة رسالة الكلام والكتابة كما في حالة الإنبياء والمصلحين إذ لم يمنعهم عدم الاستجابة من الاستمرار في تأدية رسالاتهم على اكمل وجه .

لا تعليقات

اترك رد