دلالة الومضة الشعرية في نصوص الشاعرة ميساء زيدان


 

تقوم معرفة النص على استنطاقه بوساطة الأسلوب الذي يتخذه المنشيء وسيلةً لإيصال غاياته الدلالية, وإن مفتاح فهمه يقوم على استقراء بنيتهِ التكوينية كاملة ,لأن البنية تمنح الناقد اللبيب قيماً فنية كثيرة تأخذ به إلى علامات دلالية ,لم يلجأ اليها الشاعر اعتباطا ,وإنما هي نتاج حاجات نفسية,فتحقق تلك العلامات حين تنتظم في السياق قيم المعنى وقيم الموسيقى التي تتآلف معها , لتكوين دلالةٍ عامة أو خاصةٍ , إذ إن للبنية الشعرية علاقة بالتوجه الدلالي المقصود, وهي مدعاة لإظهار تلك الدلالات بصفات صوتية يقصدها الكاتب وعياً أو لا وعياً ,ويستعملها في إنتاج الدلالة العامة للنص, لأن قدر المعنى يتعلق بقدر اللفظ فلكل واحد منهما أهمية في تكوين جمالية النص وتصويره,أو ما تتوطنه – النص- من إشارات واضحةٍ تنبئ عن اهتمام المتكلم , إذ إن كل شيء يخرجه المتكلم على لسانه له صلة بما يعتمل في نفسه , فما يخرجه إلاّ ليُظهر شكلَ إحساسه وتصوراته , فإرهاصات الشاعر تفضحها عيون كلماته, لأن الأخيرة علامات يقدمها المنشيء برسائل مهمة إلى المتلقي الذي يستطيع من خلالها فك شفراتها , وتحليل معانيها , ومعرفة مقاصدها , فالعلامةطريقٌ يدلي الباحثين عن حقيقة النص ,ووجودها في السياق إيماءة إلىالمسكوت عنه, ولهذا فإن للشعراء لغتهم التعبيرية الخاصة التي يجدون فيها بوحهم, وكل كلام شعري هو حصيلة انفعالات نفسية يُظهرها مضمون ما يجيش في أعماق الكاتب, ومن هنا بات الكلام رسالة ابلاغية,تحمل القصدية والوظيفة معا, فكيف إذا كان الشاعر يؤكد أهمية حضورها وغايتها التعبيرية في نصهِ .

لقد تابعت ما تكتبه الشاعرة السورية ميساء زيدان في ومضاتها الشعرية فوجدت الكلمة تتحرك في بنية السياق حركة حيّة تمنحه تموجات دلالية , إذ تتوسع حيوية النص لتجعل تلك الحركة انبثاقاً وجدانياً قائماً على العدول والتكثيف الدلالي, فهي تختزل الكلام بقدر ما تستطيع ايصال قصديتها إلى المتلقي بصدق وجداني وفني ,ولكي تؤدي الومضة الشعرية وظيفتها الدلالية تحرص الشاعرة على أن تمنح القصيدة على قصرها عنوانا يأخذ حيز العلامة ,شاهد معي عنوانات نصوصها الآتية التي باتت علامة تضيء فحوى النصوص في مجموعتها الشعرية: (لا شريك لك في القلب).

العنوان(علامة) القصيدة

(غرفتي)     بين حلم وحلم/يولد ألمي
(الليل)       عنوان حزني الذي يصادر وسادتي
(الستائر)    رايات ترفرف ساعة انتصاري
(البرق)      سيف يحزُّ رقبة أحلامي
(غرفتي)     مدن تطرد الغزاة
(مرآتي)     لا ترى جمالها إلا في عيوني الخضراء

في حين كتبت نصوصا تنتمي إلى الومضة الشعرية وجعلتها بلا عنوانات,فيستشف القاريء دلالات تلك النصوص و شعريتها منالتأمل في سياقات النص التي حرصت الشاعرة على سبكها كما نجدها في هذه النصوص:

نص بلا عنوان

1-حينما تدق الكنائس أجراسها تبدأ صلواتي معك.
2-معك أغزل الحياة قميص محبة.
3- بياض شعرك غيمات أستظل بها.
4- خجلي تفاح يساقط على خديك.
5- في عيوني اخضرار البراري .
6- من عينيك أرتشف عسل حنيني.

لقد تميزت نصوصها الأولى التي حملت عنوانات بتكثيف دلالي يتلاءم مع ارهاصاتها النفسية,فالشعر انبثا ق نفسي عما يعتمل في الصدر ويجيش في أعماق الوجدان,فباتت تلك العنوانات علامات تحكي المختبيء في المضمون,إذ جاء التكوين الشعري عند الشاعرة ميساءعلى هذا المنوال مؤلفاً ظاهرة مهيمنة في توجهانها الوجدانية, فالظاهرة تسجل علامةً حين تُقصح عن حضورها كما يرى (بيرس) (ظ, اتجاهات في النقد الأدبي الحديث,ترجمة :د.محمد درويش,436),ثم أن الصورة الحاملة للمعنى ترجع إلى انثيالات نفسية معبرة عن أطواء الوجدان وفي الوقت نفسه غير منفصلة عن العقل, إذ يرى(اي.س.دالاس):(الفنان يخاطب اللاوعي فينا),و(إن إنتاج الصورة الشعرية يرجع بشكل عام إلى عمل العقل في عتمة اللاوعي)(ظ: الصورة الشعرية,سي,دي لويس,ترجمة د.أحمد نصيف الجنابيوآخرون,43),ومهما يكن من أمرفاننا نجد الشعراء يعولون على جعل الكلمات علامات تؤدي دورها في السياق,فتارة يصبح النص كله علامة حين يتمكن الشاعر من حسن الإختزال والتكثيف الدلالي واختيار الصورة المعبرة, وتارة تأخذ الكلمة تلك المهمة حين تصبح علامة تفعّل مجال الإنزياح الذي هو أسٌّ فاعل في تكوين الصورة ,أي يتسع مجال تعدد المعنى .

فالشاعرة حين تذكرعنوان النص يأتي الوصف لاحقا للعنوان بتكثيف دلالي موضحاً المعنى, وهنا يُصبح العنوان علامة تضيءُ مساحةَ السياق ,ويُصبح السياق وصفاً للعلامة,فيتوضح المعنى ,ويتركز المطلوب بوساطة التكثيف الدلالي ,الأمر الذي يثير انتباه المتلقي,وكلما تعانقت العلامة مع الوصف دلالياًوُلدت الفكرة ,تأمل معي:

العلامة :(غرفتي),وقد تم ايضاحها وصفا بالسياق التعبيري : بين حلم وحلم/يولد ألمي ,فتمت الفكرة,

وكانت العلامة عند الشاعرة ( الليل ) وجاء وصفه ب( عنوان حزني الذي يصادر وسادتي),فبانت الفكرة,ومثل هذا التقابل نجده في العلامات الأخرى وعلاقتها بمظاهر النصوص المقابلة لها,إذ يتم التفاعل الإنفعاليوالإجتماعي, ويتحقق الإدراك بوساطة الفهم والإفهام للدلالة الإيحائية, وماتحققه الأخيرة من تعدد لدوائر المعنى, وهنا توضح شخصية المنشيء لدى القاريء الفطِن بملاحقة دلالات الكلمات وآثارها النفسية,لأن سياقات الكلام إشارات وعلامات لأفعال شعورية تخص الحال النفسية للباث,فيستنتج المتلقي الواعي مضامينها بالتواصلية مع مضامين الرسائل كما نرى ذلك في مفهومات العلامات الآتية وتوصيفاتها:

(الستائر) …… رايات ترفرف ساعة انتصاري
(البرق) ……… سيف يحزُّ رقبة أحلامي
(غرفتي) …….. مدن تطرد الغزاة
(مرآتي) ……… لا ترى جمالها إلا في عيوني الخضراء

وهكذا تحددت الومضة الشعرية بسياق خاص بها,إذ بُنيت على علامة فُهمت مقاصدها بوساطة نهايات الأقوال,فكان السياق التعبيري دالّاً لها ,وكان المحتوى أوالمعنى المضمر في السياق مدلولاً لها,فحضر كلٌّ من التكثيف الدلالي والصورة التي مزجت بين التصوّر ومتعة التلقي حيث يحصل الاكتشاف,فوصفت الشاعرة (الستائر)بالرايات المرفرفة ,وقيدتها ب ساعة انتصارها ) ,فيما تحددت صورة (البرق) بالسيف الناحر لرقبة الأحلام ,فأوحى بقساوة الوقت, وتمثلت (الغرفة) بالرفيق الأنيس كونها طاردةً لما تتعرض لها الشاعرة من غزو في واقعها المعيش , وبحسب معاني الغزو الذي تفهم هي كنهه,فباتت المرآة متفهمة لجمال عينيها,ويجد المتأمل في خفايا هذه النصوصالأولى الحاملة للعنوانات رفضا للواقع,إذ برهنت الشاعرة على ذلك الرفض بوساطة عنوانات الومضات الشعرية وماتلاها من الوصف والتكثيف التعبيري,فجاءت الدلالات تموجات نفسية تقدح ومضات فكرية ,ارتضت الشاعرة لها هذا الشكل الشعري وهذه السياقات التعبيرية الحافلة بالصور الحسية,فكانت الصورالوصفية تارة ساخرة وأخرى ناقدة معبرة عن حال نفسية يحاصرها ألم يتلون في خصائصه مع طبيعة موقف الشاعرة من الوجود, حيث تتجلى وحدة الصراع,فتبوح به بومضة شعرية يتنامى سياقها تحت ظل العلامة والتكثيف الشعري والتلوين الشعوري إذا كانت العلامة تتصدر الومضة الشعرية, وفي سياق شعري آخر وجدنا ومضاتها الشعرية قد خلت من العنوانات فاختفت العلامة من الصدارة في التعبير بوصفها عنوانا للنص وانضوت في أثناء السياق التعبيري, ويمكن للشاعر ذلك لأن اللغة الشعرية منظومة كلامية قائمةٌ على قدرته في انتقاء الكلمات التي لها أثر في توجهه النفسي بسبب حاجته إليها وتمييزها من سواها,ومن ثم معرفة تضمينها في السياق ,بإكسابها أو منحها حركة حيه تُنفِّسُّ عن كبته,وتعبّرُ عن حقيقة خفايا خلجاته,فيشعربالسعادة ويطمئن لتعبيراته التي يراها رسالة أحاسيسه إلى الآخر, ويرتضيها رسالة معبرةً عن وجدانه المعرفي واليقيني, إذ يتجلى الدال والمدلول في التعبير إذا جاءت العلامة كلمةً منتقاةً,فتُمسكُ ذهن المتلقي وتأخذ به إلى وجودٍ ذهني , هو ابن الوجود الحقيقي , لكنه وجود تكلله الصورة الشعرية والدلالات المثيرة التي تتغلغل إلى الوجدان, وكلما هيمن الشاعر على عملية اختيارالكلمة وتضمينها سياق النص المنتقى, كلما تحكّم باسلوبهوأحسن سبكه , كما نجد ذلك في نصوص الشاعرة التي لم تحمل عنوانا:

1-حينما تدق الكنائس أجراسها تبدأ صلواتي معك.
2-معك أغزل الحياة قميص محبة.
3- بياض شعرك غيمات أستظل بها.
4- خجلي تفاح يساقط على خديك.
5- في عيوني اخضرار البراري .
6- من عينيك أرتشف عسل حنيني.

فكانت الكلمات في كل نص مكثف علامةً أسهمت في نسج النص نظماًومعنى,وكان لقوة التكثيف الدلالي سبك أفاد المضمون قصدية الدلالة ,إذ لم تبعد تلك القصدية عن ذهن المتلقي لأن ألفاظها تنتمي إلى ظواهر لغويةملموسة في الوعي الجمعي,فضلا عن صورالشاعرة التي عولت على الحسيةفي صيرورتها فكانت أقرب فهما إلى المتلقي, الأمر الذي يُظهر لنا انفعال الشاعرة,فالصور الحسية هي الأخرى علامة على تنامي انفعال الشاعر إن لجأ إليها,ونجد ذلك واضحا في دلالات الكلمات ( تدق …أجراس,أغزل…قميص, بياض ,شعرك,غيمات,تُفّاح يساقط,خديك,عيوني,اخضرار,البراري,عينيك,ارتشف,عسل), إذ أصبحت تلك الكلمات علامات منحت النصوص طاقات تعبيرية انتظمت في سياقات مقصودة وايحاءات مطلوبة تحت إرادة ابتغتها الشاعرة لتبوح,فاختارت الشاعرة ميساء أساليب مقصودة لها, لأن التكوين الأسلوبي يعد أحد الأركان الثلاثة في العملية الإبداعية, مَثَلُه مَثَلُ التكوينين الفكري والتواصلي , وإن الشاعر المبدع هو الذي يستطيع تحقيق هذه الأركان الثلاثة بقدرة إبداعية ,تجمع مستويات النص بدءا من توقد جذوة الفكرة إلى المستوى التركيبي الذي يقوم على الصواغات الأسلوبية بعلائقها المختلفة لإيصال تلك الفكرة إلى السامع, ومن ثم تنامي المستوى التوليدي الذي يهتم بالمعنى المترشح عن عملية الرصف الفني المقصود للسياق , فهو نتاج ثانٍ للتكوين الشكلي, يقدم لنا المعنى الذي يسعى إليه المبدع لغايات مقصودة , وهكذا وجدت الومضة الشعرية عند الشاعرة ميساء زيدان تقوم على صواغة أسلوبية مقصودة, اعتمدت على وجود العلامة في نصوصها ,سواء كانت العلامة عنوانا يتصدر النص ,أو كلمة تنتظم في السياق لتقول بالإيحاء شيئا تقصده الشاعرة, فأسهمت تلك العلامات في ايضاح موقفها من الوجود, إذ اتسم ذلك الموقف برفض الواقع المعيش رفضا تاما مثلما أنبأت عنه النصوص الأولى التي حملت عنوانات للنصوص,أو رفضت الواقع المعيش وارتضت لجوء حلمها الشعري إلى طيف تستتر به يصنع لها السعادة فهومقيد غير مطلق,وقد أفصحت عنه النصوص الأخرى التي لم تحمل نصوصها عنوانات, فكان المخاطب واحدا تأنس له الشاعرة وقد دلت عليه الجمل( معك أغزل الحياة قميص محبة. , بياض شعرك غيمات أستظل به, خجلي تفاح يساقط على خديك, من عينيك أرتشف عسل حنيني. )فدل كاف الماخطب على عالمها الخاص المقيد به,فهي تبقى رافضة لوقعها الميش الأوسع لضرورات نفسية , فدل على ذلك الإختزال والتكثيف في التعبيرفضلا عن اختيار الصور التي هيمنت عليها الحسية ,فأنتج التعبير ومضة حية تدفقت دلالتها سريعا بوساطة أسلوب ارتضته الشاعرة حاملا للمعنى الخاص بها,فتمت الملاءمةبين الشكل والمضمون ,ولم يكن الأخيرين محض كتابة أو تصورات اعتباطية ارتبطت بجذورعملية ابداعية فحسب, وإنما ارتبطا بحالها النفسية أصلاً,وتواصلا مع مقاصدها الشعرية ,فقدم الشكل الشعري المنتقى مضمونا حمل وظيفة نفسية أفصحت عن رؤى الشاعرة ,وبينت موقفها من وحدة الوجود أو وحدة الصراع,فتجلى رفضها لواقعها المعيش,وبانت مواقفها منه .

لا تعليقات

اترك رد