أن لم تجد من يحبك


 

أولُ درسٍ درستهُ باللغه الهولندية كان من قبل مدرستي برناديت، ذات الشعر البرتقالي القصير، في قرية صغيرة جنوب هولندا، وكانت أول كلمات نطقتها: “أَحب و احترم نفسك قبل أن تُحبَ وتحترمَ الآخرين.” وبدأت تشرح هذه الجملة بكلمات مبسطة وإشاراتٍ حتى نفهم معانيها. وحين فهمت هذه الجملة البسيطة بقيت ببالي، واستغربتها كثيراً، إذ تختلف تماما عمّا اعتدت أن أسمعه من مجتمعي. فلطالما تعلمّت الدرس بشكل خاطئ، حيث علمّني من حولي أن حب الذات هو نوع من الأنانية وطالما رأيت من حولي يضحي براحته وسعادته من أجل الآخرين. فلم ارى أمي يوماً سعيدة، بل منهكه و متعبه، لأنها عاشت لتوفّر الراحة للآخرين إلى مماتها و نسيت نفسها. وكان باعتقادي ان حب النفس مرتبطٌ إرتباطاً مباشراً بالتكبّر والغرور وهذه صفات غير لائقة لنا. نحن من تعودنا كُره أنفسنا والتعامل معها بكل قسوة حتى أصبحنا كقالب الكعك، نتقوْلب بنفس الشكل ونفس الطعم الذي تربى عليه آبائنا وأمهاتنا، حتى وان عاشوا تعساء.
لا شك ان الحب هو أحد أهم العواطف الإنسانية التي نحسها. فقد نقضي معظم أوقاتنا في محبة كل شيء من حولنا ولكننا كثيراً ما نتجاهل أهم من يجب أن يتلقى محبتنا؛ ألا و هي ذاتنا! ولأن العلاقة بيننا وبين النفس غير واضحة يصعب الحكم إنْ كنا بالفعلِ نَوَدُّها أَم لا.
أُعْتُبِرَ درسُ السيدة برناديت هذا واحداً من الدروسِ التي يجبُ ألّا نأخذهُ معنا بحقيبتنا بل يجب تركُهُ عند أروقة الكُليّة، وكما قيل لي عند دخول الحدود الهولندية بأن اللبرالية والانفتاح الموجود في البلد قد يفسد عقولنا.. وكان أول إفساد لعقلي البسيط هو ذلك الدرس اللعين، الذي يليه دروس أخرى، حتى وصل الفساد بعقلي بأن صار لا يستوعب ما نتبناه من مفاهيم وأصبح يتوجه من الشرق إلى الغرب ومن متاهات إلى أجوبة لأسألةٍ عدة.
وحين أردت تفسير معنى جملة برناديت، أخذ الموضوع مني سنوات طوال، لأفهم المقصود بحبِ الذات.

ماذا نقصد بحب الذات؟

جلست ذات غرّةٍ مع صديقة طيبة وسألتها ما هو حب الذات؟ أجابتني وهي تشدّ على يدي: حينما تعلمت أن أقول كلمة “لا”، حينما أريد قولها أو قول كلمة “نعم” من دون خجل متى شئت، عندما أكافئ نفسي وأدلّلها، ولا ألومها او أقسو عليها، بل أعلمها من التجارب والأخطاء السابقة بلطف ورحمة فهو حبُّ للذات. أن اواجه مخاوفي وأن اتأنق بكل شيء افعله وكأني بموعد غرامي مع نفسي فهو حبُّ للذات .أن أرقص مع خيالي المكبل على الحيطان والأرصفة. أن أعانق روحي وأهديها وردة حمراء ضاحكة بكفّي فهذا حبُّ للذات. فروحي هي الجندي الشجاع الذي يقاتل جميع المصاعب ليبقيني على قيد الحياة والجندي الوحيد الذي يستطيع ان يحبني بصدق دون ان ينتظر مني مقابل وهو مؤمن بي وبوجودي.
الابتعاد عمّنْ يؤذينا ولا يبادلنا الحب و الاحترام، هو إحترام لذاتنا. ونحتاط بالأشخاص الايجابيين لان لهم انعكاساً مباشراً على قيمة الذات. الحياة قصيرة جداً لإضاعة أوقاتها مع من يمتصون سعادتك وطاقتك.
علمتني صديقتي الكثير من الأشياء التي كنت أجهلها، فازداد شوقي لحب نفسي التي ظننت أني أحبها و لكني كنت أجهل الكثير عنها.

حب الذات لا يأتي بين عشية وضحاها، خصوصاً ونحن من تكبلت عقولنا بمفاهيم مختلفة وَرثناها وتعلمناها من المهد، فصرنا على قيد الحياة لكننا لا نعيشها. كما أصبحت الإلتزامات أهم من الرغبات؛ نحن أكثر قلقاً حيال ما يريده ويرضى عنه الآخرون من قلقنا على سعادتنا و رضانا.
كل هذه التراكمات ترمينا بنفق لا نهاية له، يفصل بيننا وبين عالمنا الداخلي. في نهاية المطاف وبعد فقد الذات لفترة طويلة من الزمن نستيقظ في يوم ما لنجد أننا بعيدين كل البعد عن ما أردنا أن نكون عليه. وكأننا غريبون عن أنفسنا.

قد تكون رحلة اكتشاف الذات طويلة وطرقها عثرة، ولكل منا نهج مختلف ووقت مختلف وبعض الاحيان تأتينا لحظات تعثر المسار ترجعنا لنقطة البداية، لكن ذلك لا يعني الإخفاق. المهم أن تبدأ في التحرك والاستمرار بهذا الإستكشاف العظيم. وهو كفاح مستمر ولا يتوقف. فمن المستحيل إيجاد من يحبنا مالم تقبلنا ذاتنا بمحاسنها وعيوبها، بثقل أوزاننا وخفتها، بطول الشعر وقصره، بردات أفعالنا العفوية عند الحزن والغضب، بالجنون الذي يعترينا عند لحظات الفرح والسعادة، عند العافية والمرض والإعاقة. لنحب أنفسنا بكل حالاتها وانفعالاتها.

منذ أن مرَّ علينا عيدُ العشاق قبل أيام، تتردد على أسماعنا جملة ( أن لم تجد من يحبك، أَحب نفسك) تأتي هذه الجملة من أناس يبدو عليهم هذا اليوم من أقسى الأيام التي تمر عليهم لأنهم فقدوا الأمل بأيجاد محب يهديهم وردة حمراء ترطب أرواحهم المتصحرة فيصابون بخيبة أمل ووحدة وخصوصا عندما تحتل الإعلانات أنظارنا وأسماعنا عبر التلفزيون والأسواق التي تفيض بالهدايا والورود الحمراء والمقاهي والمطاعم التي تخفض الأسعار للاحتفال بمثل هذا اليوم. فتأتي هذه الجملة رد إعتبار لما انكسر في قلوبهم حتى يشعرون بالرضا حيال أنفسهم. ومن اللافت للإنتباه أنهم لا يعلمون بأنهم ليسوا الوحيديين على هذه الارض الذين يشعرون بهذا الشعور؛ رغم التقدم العلمي والثورة التكنولوجية وسرعة التواصل ممّا سمح للإنسان بأن يعيش برفاهية حيث لا تحتاج أن ترسل لحبيبتك رسالة حب عبر الحمام الزاجل أو بداخل قارورةٍ زجاجية وترميها في البحار، ولا تعلم إن كانت ستصلها ام يبتلعها حوت عملاق! بل أصبح التواصل كلمح البصر ومتاحٌ للجميع ورغم ذلك قد كشفت الاحصائيات الحديثة بأن القرن الواحد والعشرون هو العصر الذي يعيش به الكثيرين وحيدون حتى نهاية اعمارهم.

ومن نافلة القول يعوّل العظيم الصامت الناطق تشارلي شابلن بقصيدة طويلة جدا اختصرها ببيت جميل: حين بدأت أحب نفسي، حررتها من أي شيء مضر لصحتي كالطعام، الناس، الأشياء، المواقف وكل شيء يجرني للأسفل وبعيدًا عن نفسي. في البداية إعتبرت هذا التصرف أنانية. لكنّني اليوم أسميه” حب الإنسان لنفسه”.

وفي النهاية، لن تجد فارسا مؤمناً بوجودك ويحارب بأقصى قواه من أجل سعادتك غير ذاتك لهذا أَحبْ نفسك أولا ولا تجعل قبل عشقها أحد، كما يجب أن تصحح تلك الجملة البائسة وتستبدلها بجملة أخرى: “ان أردت أن يحبك الآخرين عليك أن تحب نفسك أولاً” كما قالت معلمتي الاولى الهولندية برناديت. وسترى أن خارجك الذي يتأثر به من حولك، ما هو إلا مرآةٌ تعكس ما تشعرُ به من الداخل، فإن أحببتَ ذاتك و عاملتها بلطف، سيُحِبُك من حولك. وإن كرهتها وانتقدتها طوال الوقت، سيرحل عنك الجميع مهما حاولت التشبث بهم، أو قد يعاملوك بنفس طريقة معاملتك لذاتك.

لا تعليقات

اترك رد