قراءة في اعتصام نواب العراق

 
الصدى نت - البرلمان العراقي

هناك مثل بلهجتنا الدارجة يقول؛ (بعيد اللبن عن وجه مرزوگ) ومرزوق هذا شاب ذو بشرة داكنة تميل الى السواد، أما اللبن فلونه معلوم لدى الجميع، وشتان بين لونه الناصع بياضا ولون بشرة مرزوگ الحالك سوادا. وفي المعنى ذاته يقول المتنبي:
ما أبعد العيب والنقصان عن شرفي

أنا الثريا وذان الشيب والهرم

ومقصدي من ذكر الشاهدين هو ماحدث في مجلس النواب في اليومين الماضيين، إذ هل يعقل أن الصدفة وحدها هي المسؤولة عن تغيير توجهات الإنسان السوي وتبدل ميوله على نحو مفاجئ وسريع، بالشكل الذي رأيناه في بعض النواب الذين اعتصموا تحت قبة مجلسهم؟ لاسيما إذا علمنا أن مانحوا اليه يختلف عن دأبهم وديدنهم الذي استمر طيلة دورتين انتخابيتين من عمر المجلس، وهم اليوم في منتصف الدورة الثالثة “يعمهون” بدأبهم ذاته.

إن مايثير الدهشة ويدعو الى الاستغراب، هو إحداث بعض النواب زوبعة لم تهدأ كباقي الزوبعات، فقد تعودنا في سابق جلسات المجلس على زوبعات بفناجين، وأدمنا من لدن نوابنا جعجعات من غير طحين، ومللنا مقاطعات تشبه الى حد ما “زعلة عروس”..! وشبعنا منهم انسحابات لاتعدو كونها ممارسة للعبة الـ “ختيلان” سرعان ما يعود النائب المنسحب الى اللعبة قبل أن يصيح رئيسه “حلال…”!. فيعاود الانضمام الى حلقة رفاقه بعد أن حقق شيئا من مآربه بفقرة الانسحاب. كما سئمنا تعليق هذا النائب او تلك الكتلة حضورهما جلسات المجلس لأسباب يفتعلونها بذرائع عديدة، عادة ماتكون الغاية منها تعطيل عمل البرلمان، او ممارسة ضغط على رئاسته لغاية في نفس يعقوب او كتلته..! فياترى! ماالجديد الذي جعل من كان بالأمس عدوا لدودا، أضحى اليوم وليا حميما؟ ولاأظن أحدا ينسى مواقف النواب وكتلهم إزاء مآسي العراقيين التي تتالت عليهم منذ أكثر من عقد. ومن كان من النواب (شريفا) بوقوفه الى جانب من يمثلهم من الشعب العراقي أمام المجلس التشريعي، لم يكن بإمكانه تحريك ساكن أو إيقاف متحرك، وسط صولات وجولات النواب من (غير الشرفاء). فلطالما مُررت قوانين لاتخدم المواطن وتمت المصادقة عليها، رغم معارضة بعض النواب من الصنف الأول -أعني الشرفاء-.

أرى أن تبدل الميول وتغير الأحوال يعزو تعليله الى أمور ثلاث هي:
الأول؛ (سبحان مغير الأحوال) ولاتعليق على هذا، فهو “جامع الأمر بين الكاف والنون”، يقول للشيء كن فيكون، وقد يكون جل وعلا قد نفخ في صورة النواب فاعتصموا بحبله بعد أن تفرقوا عن ناخبيهم بنقضهم عهودهم معهم، ونكثهم بوعودهم لهم، وحنثهم بقسمهم الذي أدوه في بداية تسنمهم مناصبهم النيابية.

والثاني؛ أن المعتصمين قد أفاقوا من بعد غيبوبة انحازوا فيها الى مصالحهم الشخصية والفئوية والحزبية، وجاء اليوم الذي استيقظت فيه ضمائرهم الغائبة وعادوا الى أحضان ناخبيهم تائبين، يستسمحونهم ويطلبون الغفران عما بدا خلال السنوات الماضية من تقصير بحقهم. وفي الحقيقة أني أرى هذا التعليل أبعد من اللبن عن وجه مرزوگ بكثير..! ذلك أن صحوة الضمير نأت عن أغلب القابعين تحت قبة البرلمان، فلسان حال المواطن مافتئ منذ سنين يردد بيت الدارمي:
ماظل بعد نواب منهم رجيه
وبسبع صابونات غسلت اديه
والثالث؛ يوضحه البيت الآتي من دون تعقيب او تعليق:
لاخير في ود امرئ متلون
إذا الريح مالت مال حيث تميل

لا تعليقات

اترك رد