الدين الإسلامي نزوع متجذر في العمق


 

بعث الرسول صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) وهو آخر الأنبياء ( إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا وإن أمة إلا خلا فيها نذير ) وأرسل للناس كافة ولم يرسل لأمة العرب فقط ( وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) بشيرا للمؤمنين ونذيرا لمن لم يؤمن أو بشيرا بالجنة ونذيرا من النار كما قل ابن عباس لأن الرسالة المحمدية رسالة تبليغ فقط ( فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب ) ( فذكر إنما لست عليهم بمسيطر ) بل حدد الله مسؤولية الرسول ومن يدعو لتلك الرسالة على مر العصور والأزمان ( نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقران من يخاف وعيد ).

والرسول صلى الله عليه وسلم موصوف في التوارة بصفته في القران _ يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأميين وأنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل لا فظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق لا يدفع السيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر ولن يقبضه حتى يقيم به الملة بأن يقولوا لا إله إلا الله فيفتح به أعينا عمياء وآذانا صما وقلوبا غلفا _ رواه الإمام أحمد.

ودائما ما يدور لغط حول قول الله سبحانه وتعالى ( إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب ) يفسرها قول الله سبحانه وتعالى ( شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط ) لأنه لا تسليم لأحد إلا لله، وما دام الله إلها واحدا، فلا إله غيره يشاركه كما في قوله تعالي ( ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحانه عما يصفون ) وحكمها الله سبحانه وتعالى عندما قال ( لكم دينكم ولي دين ).

أي أن هناك أديان في الدنيا تسليمها لغير الله، والإسلام هو الصلح بين العبد وربه وبين الإنسان والكون، وبين الإنسان والمجتمع ( ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون ) يضرب لنا الله مثلا بين من يخضع لسيد واحد وبين من يخضع لسادة كثيرين، فالعبد المملوك لشركاء تعيس لأن الشركاء غير متفقين إنهم شركاء متشاكسون وبذلك يتبدد جهد هذا العبد ويكثر تعبه ولكن الرجل السلم لرجل هو مستريح وكذلك التوحيد ( ربنا

واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم ).

وكل الأنبياء حثوا بنيهم على إتباع الإسلام منهم يعقوب عليه السلام ( أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون )ويقول الله جل شأنه ( قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ).

إذن الإسلام هي الأديان التي انتهت بالرسالة المحمدية وإبراهيم عليه السلام سمى أمة محمد بأمة الإسلام ( وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير ).

وأبان لنا الله سبحانه وتعالى انحراف أهل الأديان السابقة عن الإسلام وعن الحق وعن التوحيد لم يكن بسبب واضح بل كان بغيا بينهم ونكاية فيما بينهم خصوصا وأنه حدث بعد مجئ العلم إليهم ولو اختلفوا قبل مجئ العلم إليهم لقلنا إنهم معذورون في الاختلاف، لكن هوى النفس قد دخل عليهم لكن عصم الله فئة منهم وآمنوا بالرسول صلى الله عليه وسلم كما آمنوا ببقية الرسل ( ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين ).

الإسلام ليس مشروعا لجماعة بل هو منهاج الناس كافة عربها وأعاجمها، الإسلام دين الناس كافة، دين عالمي ولا يحق لأحد أن يدعي تمثيله خصوصا من قبل العديد من التيارات الإسلامية الجانحة نحو أقصى اليمين المتطرف التي خرجت عن الدين السمح وتحولت إلى تيارات مؤدلجة لا تعترف بالأوطان متحججة بأن الدين الإسلامي دين عالمي فيجب أن تكون جماعات مؤدلجة عابرة للحدود وهي تتزعم نهضة الأمة الإسلامية بدلا من نهضة أوطان.

أصاب هذا الدين غبار وغشاوة على صفاء هذا الدين السمح تولته جماعات ضلت السبيل وخرجت عن نهج الاعتدال والتسامح لسيد الأولين وخاتم الأنبياء ما يعني إعادة

النظر في كثير من المفاهيم والمصطلحات التي سادت باسم الإسلام كدين في العصور السالفة وهناك من بعض المتحمسين للتطرف يريد إحياء تلك المفاهيم والمصطلحات التي تتناقض أصلا مع سماحة هذا الدين واعتداله.

بالطبع هناك تفسيرات عن هذا الدين عبر العصور شامخة وجانحة لكن التفسيرات الجانحة هي الأبرز والتطرف ليست ظاهرة حديثة بل منذ عهد الرسول حينما احتج بعض الصحابة لقيام الرسول عندما مرت جنازة لكن كان رد الرسول صلى الله عليه وسلم أليست نفسا منفوسة، وكذلك حينما نزلت آية ( فأتوا بأربعة شهداء ) قال سعد بن عبادة أرأيت لو وجدت مع امرأتي رجلا آتي بشهداء فقال الرسول صلى الله عليه وسلم نعم حتى أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال أتعجبون من غيرة سعد فإن الله أعير منه أي أن هلم يقره على غيرته التي تتناقض مع نهج الإسلام وسماحته وحفظ أعراض المسلمين والتكتم على أسرارهم وعدم فضحها لأن حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ( كل أمتي معافى إلا المجاهرين ) ولقد جلد عمر بن الخطاب أبا بكرة وأصحابه حيث لم يكتمل الرابع شهادته.

لم يحكم الإسلام العالم في ربع قرن إلا لأنه يرفض ممارسة العنصرية الماحقة ويحارب الكراهية الساحقة ويرفض التمييز المقيت، وإنما حكم وفق توجهات وإرشادات وأخلاقيات التسامح.

سار قطار إسلام الاعتدال مع اليهود مثلهم مثل بقية الأمم حيث كان اليهود أكثر مدحا لمعاوية بن أبي سفيان وهم الذين قالوا رحم الله أبا يزيد فقد كان يعاملنا بشعرته فإذا شد أرخينا وإذا أرخينا شد علينا، وقد تعامل معاوية بن أبي سفيان مع حالات تشدد فردية مع الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري الذي كان كثير الانتقاد له فشكاه للخليفة عثمان بن عفان فدعاه إلى المدينية لكن حدة أبي ذر جعلته يستأذن الخليفة عثمان في الخروج إلى الربذة خارج المدينة المنورة فأذن له حتى وفاته عام 23 هجرية وصدق حديث الرسول فيه الذي قال قبل غزوة تبوك لملاقاة الروم ( رحم الله أبا ذر يمشي وحده، ويموت وحده ويبعث وحده)، لكن تمسك أبو ذر بنصيحة الرسول صلى الله عليه وسلم إذا صحت الرواية ( تنقاد لهم حيث قادوك حتى تلقاني وأنت على ذلك ) أي نصيحه له بعدم الخروج على الحاكم بسبب حدته.

وإذا كان ملك الحبشة هو الذي احتوى الإسلام وحماه من أعدائه بعدما تأكد من صحة تلك الدعوة وصدق نبوءة الرسول صلى الله عليه وسلم حتى صلى الرسول صلى الله

عليه وسلم صلاة الغائب بعد أن علم بإسلامه سرا ( ولتجدن أقربهم مودة للذين قالوا إنا نصارى ) فعدالة الإسلام المطلقة تسع الجميع.

لأنه عندما هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة قال جعفر بن أبي طالب للنجاشي بأن الرسول صلى الله عليه وسلم انتصر على المشركين ونريد أن نعود فقال له اخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنه رسول الله فقل له يستغفر لي، ولولا ما أنا عليه من الملك لأتيت إليه وقبلت قدمه، وبعد وصول الوفد إلى المدينة قام الرسول صلى الله عليه وسلم وتوضأ ودعا ثلاث مرات اللهم أغفر للنجاشي، ( الطبراني ) وفي صحيح البخاري قال الرسول صلى الله عليه وسلم حين مات النجاشي مات اليوم رجل صالح فقوموا فصلوا على أخيكم أصخمة، لأن المعادلة الإسلامية ( فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ).

طوباوية الإنسان الذي يريد أن يعيش الجنة على الأرض وليس بعد الموت التي تسمى بديانة الإنسان وإن كانت في الأساس مستلهمة من الدين نفسه وهو يريد تحقيق أكبر قدر ممكن من الملذات التي يرى أن القوى المتعالية تبحث فقط عن السعادة اللحظية التي تخلق الغبطة وهو تقديس للأشياء المادية التي لا تختلف عن تقديس الشخوص الدينية وادعاء العصمة لهم.

اختلق الماديون أزمة مع الدين من أجل عزله نحو العالم الخاص للمرء وإبعاده عن الحياة العامة بل جعلته أحيانا يقع في عالم الوهم وأنه السبب في سلب الإنسان آدميته، بل أفول مستقبله عن حياة الإنسان يدعم هذه النظرية النزعات الأصولية المتطرفة، لكن يبقى للدين حيويته وبشكل خاص آخر الأديان الدين الإسلامي فإن هناك استطلاعا للرأي في أمريكا عام 2008 أبرز الاستطلاع أن 92 في المائة من الأمريكيين متمسكون بالدين ما يعني أن كل محاولات اقتلاع الدين من حياة الشعوب قد باءت بالفشل، لذلك لجأ الماديون إلى مزج الدين بالخرافة والإرهاب وبشكل خاص الدين الإسلامي نتيجة تأخر المسلمين عن الغرب.

لكن في العصور الوسطى حينما كان المسلمون متقدمون والعكس الغرب متخلفون كانت هناك جهود جبارة للمسلمين في ربط الدين بالفلسفة والعمل على التوفيق بينهما خصوصا عند بن رشد الذي يتضح من خلال كتابه ( فصل المقال بين الحكمة والشريعة من اتصال ) تمكن من بلورة رؤية للحقيقة المزدوجة، أي حقيقة في متناول العامة وهي القائمة على حرفية النص والأخرى في متناول الخاصة والقائمة على التأويل.

استثمر الغرب الفكر الفلسفي الإسلامي بعدما فشل الفلاسفة الغربيين في مثل أوغسطين على دمج المسيحية بالأفلاطونية، ومحاولة القديس في القرن ال13 على دمج أرسطو بالنصرانية من أجل أن تصبح توليفة متناغمة ليصبحا وجهان لعملة واحدة، لذلك بقي الفكر الفلسفي الإسلامي مصدرا مهما للغرب حاول الماديون تشويهه عبر عدد من الأدوات مستغلين تخلفهم عن ركب الحضارة الغربية الحديثة خصوصا وأن الفاعلين في هذا العصر مثل أسبينوزا وكانط وشلايرماخر وهيغل وهيدغر الذين يعتبرون أن مكانة الدين في الزمن الحديث قد تغيرت ليصبح الشأن الديني مسألة داخلية وقضية مرتبطة بالاقتناع الشخصي.

رغم أن هذا الاقتناع أخذ درب الوهم والزيف والاستلاب، بسبب أن الدين نزوع متجذر في العمق الإنساني ومحوه أمرا صعبا جدا مهما حاول الماديون وغيرهم تشويهه خصوصا عبر المتطرفين من أصحاب الدين الإسلامي بشكل خاص خصوصا وأنهم يشاهدون أن هذا الدين ينتشر عبر الهجرات التي نتجت عن أزمات الشرق الأوسط وانتشروا في جميع أنحاء العالم.

لذلك كان محاربة الهجرة من أولويات الدول الغربية تبعها إنهاء الحرب على الإرهاب لتتوقف موجة الهجرة إليهم، وأيضا سيكون هناك بحث لعودة الاستقرار إلى منطقة الشرق الأوسط، فلم تعد زوال الدين مسألة وقت كما يظنون فنحن نشهد اليوم عودة للديني وبأشكال متعددة.

لا تعليقات

اترك رد