البرلمان.. انتفاضة ومؤامرة


 
العراق - البرلمان العراقي

مايحدث في البرلمان اليوم، رغم ان ليس من المناسب تماما الحكم عليه وتقييمه باعتباره تجربة مازالت في طور الحدث، وان بعض اسبابها ودوافعها مازالت خافية ، مع ان الاسباب ترتبط دائما بالاهداف، والاهداف المطروحة الان من قبل البرلمانيين المعتصمين، تتناغم في شكلها الخارجي مع الحراك المدني الداعي للتغيير، وملبية الى حد ما طموحات الجماهير التي تامل الكثير، وتؤمن في ان حركة مثل هذه ربما ستقود لاحقا الى ما هو أفضل وأبعد، والشعب في وضعه المزري الان تواق الى اي حركة تعطي الامل لاستمرار الحراك المدني الثوري الحر، ولكن جوهر الاهداف التي ينادي بها البرلمانيون المعتصمون حتى وان تحققت فانها لن تغير من واقع العملية السياسية الفاشلة مطلقا، فتغيير الرئاسات الثلاث وهذا مطلب النواب المعتصمين الرئيس، لن يغير من نظام المحاصصة في اختيار الرئاسات، وتغيير سليم الجبوري بجبوري اخر، او العبادي بدعوتي اخر، أو معصوم بملصوم اخر لايعني اننا سنغير الواقع المر، وبذلك فان المراقبين واعضاء البرلمان المعتصمين مهما حاولوا من اعطاء اهمية كبيرة لما يجري فان تسويته بتحقيق مطالبهم او بدونها لن تكون ذات تأثير عام على الواقع السياسي والانساني العراقي..

ومع ذلك فاننا كشعب مستباح كان قد فقد الثقة بسياسييه وممثليه، وطالما اعتبرهم مجرد لصوص وسراق وفاسدين فضحتهم افعالهم، وتصريحات البعض منهم، الا ان علينا ان نشجع اي حركة من شانها في الاقل فضح الفساد السياسي وشل مسار العملية السياسية العقيمة، مع الايمان دائما في ان للثورة بدايات مختلفة وافرازات مختلفة ونتائج مختلفة ومتعددة، وبتقديري لولا الحراك المدني الذي ابتدأ منذ اب الماضي لما حصل ما يحصل في البرلمان اليوم وهذا يؤكد لنا ايماننا بان شرارة الثورة لن تخفت ولن تنطفيء وان الحراك الشعبي حتى وان بدا في لحظات ما بطيئا ومملا وفاترا ومترددا ولكنه يبقى في النهاية نتاج غضب عارم لشعب تحدى حاجز الخوف، وتجاوز مشاعر اليأس ولكنه ايضا مازال يصارع ببطء وبقواه الخائرة قوى الشر وميليشياتها ودجلها وخرافاتها..

وقد يتسائل البعض : الم يتاخر النواب في انتفاضتهم؟..

اذا افترضنا وطنية بعضهم او غالبيتهم في الاستجابة لموقف ناخبيهم المطالب بالتغيير؟.. بالتاكيد ان الجواب سيكون: نعم تأخروا كثيرا، ولكن تاخرهم هذا كان اساسا بسبب تاخر الشعب نفسه في المطالبة بحقوقه، ونواب البرلمان كانت قد غيبت عقولهم وضمائرهم الرواتب والامتيازات والحمايات والمصفحات والصفقات، واي ثورة او تغيير يعني تنازلهم عن هذه الامتيازات ولذلك فان النواب الان لايريدون الغاء العملية السياسية التي يعرفون فشلها وعقمها وانما يطالبون بما يضمن في النهاية مصالحهم وامتيازاتهم، والتي هي اساسا جزءا من نتاج العملية السياسية..

واذا لم نفترض ان هذه الخطوة قد جاءت نتيجة الشعور الوطني المستفز لدى البعض، فان مايجري الان هو جزء من الصراع السياسي القائم بين القوى التي تشعر ان وجودها مهدد بخطر الازاحة بعد الدعوات الفاشلة للاصلاح، وان عليها استباق الاحداث خوف ان تشاء الصدف او الخطأ في التصرف او الضغط الجماهيري الذي من الممكن ان يتصاعد أو ينفجر في لحظة ما، الى المضي باصلاحات قد يصعب السيطرة على نتائجها، وبذلك ستفقد امتيازاتها وربما سيساق البعض من عناصرها الى المحاكم كما يفترض مسار الاصلاح إن بدأ، ولذلك فان خطوة استبدال الرئاسات الثلاث ستضمن أمرين مهمين، الاول اشغال الجماهير واخماد ثورتها وكأنها قد حققت مطالبها وان عليها الصبر لاشهر وربما سنوات لاكتساف فيما اذا قد طرأ تحسن في اوضاعها ام لا، وهذا يعني استمرار الفاسدين في فسادهم واخفاء ما يمكن اخفاءه ايضا من صفقات ومؤامرات قد جرت وقائعها سابقا، وبالتالي تمكن الفاسدين والمجرمين من النجاة من الطوق الذي ضيقه الحراك المدني ودعوات الاصلاح على رقابهم، اما الامر الثاني فهو اعادة رسم خريطة الرئاسات بما يضمن للقوى المتحكمة بالابقاء على وجودها وامتيازاتها على اساس ان ذلك هو جزء من الاصلاح المطلوب، وهذه القوى ستطالب الجماهير بمساندتها والخروج الى ساحات التظاهر والاعتصام لتأييد حركة النواب المعتصمين كي تبدو النتائج التي ستحصل لاحقا وكأنها من صنع الجماهير الغاضبة، وبذلك يجري تخدير الشعب بمشاعر نصر كاذب واوهام خادعة..

مازلنا اذن في طور الافتراضات، وليس من الصحيح تماما اطلاق احكام نهائية على مايجري ولكننا نؤمن جازمين ان طريق استرجاع الشعب لحريته وكرامته قد ابتدأ وان محاولات التسويف والالتفاف حتى وان نجحت فانها لن تستطيع سوى تاجيل يوم الثورة العارمة التي ستحطم اسوار الغبراء وتزلزل عروشها.. والبرلمانيون قبل غيرهم باعتبار مزاولتهم للسياسة واطلاعهم على اسرار لا يتكمن البسطاء من معرفتها، يعلمون علم اليقين ان التغيير الحقيقي لن ياتي عبر اساليب دستورية، وانما عبر ثورة الشعب العارمة، اذ ان الدستور نفسه كان وسيبقى خيمة للفساد وان الشعب العراقي لايمكنه استعادة كرامته وحريته ووحدته وهويته الا بعد الغاء الدستور والشروع من خط جديد تكون فيه المواطنة فوق الدين والمذهب والعشيرة، والسياسة ليست سوى وظيفة لخدمة المجموع وليس للاستعلاء عليهم والتنعم والاستثراء على حسابهم..

لا تعليقات

اترك رد