الدين والبشر علاقة ود أم صراع مصالح ؟


 

ليست مفارقة ان تتحول الاديان الى مجرد اداة بيد البشر حيث يقومون بتوظيفه حسب متطلباتهم ورؤاهم الخاصة مبتعدين كل البعد عن الاصول والثوابت الرسالاتية التي تمجد الانسان وتعطيه قيمة تفاضلية على باقي المخلوقات الكونية، ولعل من ينظر الى الاديان بعين خارجة عن مصادرها التشريعية سيلاحظ عمق الهوة التي اصبحت ظاهرة للعيان بين النص الاصلي وبين التأويل البشري للنص والفعل البشري بمقتضيات النص نفسه، ناهيك عن عمق الهوة بين التيارات المفسرة للنص الاصلي، وحجم المعاناة التي يجدها الانسان في فهم وادراك ايهما الاصح، بعيداً عن المقولة التي دائماً ما يتمسك بها رجالات الدين ، “لديك المصدر الاصلي تمسك به تفلح “، في حين ان النص الاصلي المصدر لايمكن الاستناد عليه في كل المسائل لاسباب عديدة ومنطقية لعل ابرزها كونه في الكثير من الاحيان يُفسر على اكثر من وجه، او انه غير مفصل ولايمكن القياس من خلاله، او انه غير مُحَدث كي يناسب الوقت والمكان.

لقد شهدت النصوص الدينية ضمن السياقات التاريخية معارك عنيفة بين جذورها التأصيلية وبين حاملي راياتها بالاخص المفسرين( لانخص بكلمة مفسرين رجال دين دون اخر)، الذين سيطروا على مقاليد الحكم الديني وفق نزعاتهم الشخصية ونزاعاتهم الانتمائية في اغلب الاحيان، سواء أكانوا كهنة ام سدنة، ام رُسل، او حتى فقهاء وائمة، وبعيداً عن مقولة كونهم اصحاب اجتهاد ولهم اجرهم على ما قدموه من اجتهادات خدمت الانسان، في حين ان الامر لايمكن ان ينحصر بالاجر، انما هناك فكر وعقل وحتى عاطفة تجعل من تلك التفسيرات تحت المجهر، وتبرز السمة البشرية الرائدة في صياغة الامور حسب ما يحقق وجودها بعيداً عن التكليفات التعجيزية بنظرها، وهذا ما جعلنا ان نعيش وفق معيات متحولة ،لم تعد تحمل مساراً او نمطاً واحداً يمكن الاعتماد عليه لتحقيق الغاية من وجود الاديان نفسها، فالدين تحول من علاقة الانسان بالمُشرع الاصلي الى اداة يستغلها

الانسان كي يحيل المشرع الاصلي الى التقاعد المبكر، ويحقق باستخدامه طموحاته الشخصية، والتاريخ ممتلئ بالامثلة سواء في عهود ما قبل التاريخ او مابعد التاريخ، ففي كلا المرحلتين جاءت الاديان متسمة بالصبغة البشرية الساعية لفرض الاتاوة على وجوده، فلانه موجود يجب ان يكون هناك دين يدعم وجوده، ولكن في البدء عليه ان يؤسس تعاليم تخلده على حساب بني جنسه، وتجعله بنظرهم اقرب الى الاله من كونه انسان، وهذا ما سعى اليه قديما، وضمن الصياغات التي تركتها الاثار القديمة لامسنا عمق الهوة بين مفهوم الدين كدين وبين العمل الذي يراد تحقيقه بالدين، ولم تتغير الصورة في الصياغات المابعدية التي جاءت ترسخ ما ترتب عليه في السابق، فكان الدين من حيث المبدأ وسيلة للتغيير، سرعان ما تحول الى وسيلة اخضاع وتهديد للبشر بيد البشر انفسهم الذي استطاعوا ان يتغلبوا على العوائق التي تفصلهم من الهيمنة على مصادر التشريع، ومن ينظر بعمق الى السعي البشري عبر المراحل التاريخية كلها سيجد بلا شك هذا السعي وسيلاحظ كيف تحولت المعابد( نقصد بها دور العبادة لجميع الاديان) الى ادوات قمعية بيد البشر لاخضاع بني جلدتهم.

ودائما ما نستشهد بالملوك القدماء كيف اسسوا ممالكهم عبر تبني اديان وفرضها على ابناء الشعب بالقوة والترهيب، وذلك من خلال منظومة مؤسساتية من الكهنة والمعابد، وتلى ذلك ترسيخ مبدأ النبوة وما سعى اليه الانبياء في تحقيق مقصادهم الدينية والتي سرعان ما تحولت الى منظمات ومذاهب متفرقة كل واحدة منها تقوم بتأول وتفسير اقوال الانبياء حسب منطقهم ورؤيتهم التي تنافت وتعارضت وتقاطعت في بعض الاحيان مع الاخرى، وقد لايختلف اثنان على انه كلما زادت الفرق الدينية زادت صعوبة فهم الدين نفسه ، وذلك لوجود اختلافات جوهرية بين الفرق في العقائد والأصول، وفي الوقت نفسه انقسام الفرقة الواحدة إلى عدة طوائف، وزوال بعضها ونشوء اخرى جديدة، كما ان الاختلاط الذي يحدث بين تلك الفرق الدينية وغيرها مع المنظمات الدينية والحركات الاخرى يشكل عائقاً كبيراً في الفهم الصحيح للدين، وهذا ما تحول في برهة قصيرة الى صراع لاثبات الرأي والتفسير والتأويل والصراع تحول الى عقيدة مذهبية هذه الاخيرة تحولت الى صراعات سلطة والسلطوية حين تتدخل تتحول الامور الى حروب وقتال وسبي وتدمير.

لم تتغير مفاهيم الدين بوجود الانبياء ولا حتى الكتب الرسالاتية بالعكس تماماً تحولت تلك الوثائق والمدونات والكتب الى اداوات اخرى بيد البشر استطاعوا من خلال تأويل ما بين السطور الى تحويلها لادوات قمعية اقصائية للاخر بدرجة ان الويلات نتجت عنها، سواء بين اصحاب الدين الواحد كما في فترة انقسام المملكة اليهودية بين مملكة الشمال ويهوذا الجنوبية وما تلاها بعد ذلك من تأويلات وتحويرات للرؤية اليهودية نفسها حول الدين والتي فرضت من خلال قوة السلطة الدينية المركزية القائمة على الانتقاء العرقي، والامر الذي تسبب بالتالي الى الانهيار الكامل الذي أصاب الحكومة الدينية وحكم الكهنة، او المفاهيم بعد اليهودية التي لم تتغير ،بالعكس تماماً فقد تحولت المسيحية السمحة بوقت قصير بعد (وفاة / صلب المسيح) الى صراع مذهبي وفرق ومن ثم تسلط بعض الرجالات الدينية باسم الرسل والبابوية والكنيسة فوجدت باسم الرب محاكم التفتيش لتعذيب الهراطقة ولقتل الخارجين عن الكنيسة، كما وجد باسم الرب جيوش وحروب ودمار وقتال ليس بين الدين الجديد والاديان الاخرى فقط، انما بين الدين الواحد بسبب الاختلافات والانقسامات في الرؤية والتفسير حول النبي نفسه وليس تعالميه فقط، هذا المنطق تحول الى اداة بشرية ساهم في احداث شرخ عميق بين الدين والبشر ( الحرب اللاايقونية – حرب المائة عام – الحروب الصليبية)، وحين اتى الاسلام كانت النظرة الظاهرية تعتمد على تحويل العبودية القائمة لغير الاله الى الاله نفسه، ولكن الالية التي اعتمدها اصحاب الدين الجديد لم تختلف عن سابقاتها، حيث حرمت هي الاخرى الانسان من انسانيتة لاعتبارات جبرية من جهة، واعطت الفرصة للساعين من البشر للاطاحة بهيكل الدين وتحويله الى اداة سمجة بيدهم لتحقيق رغاباتهم وطموحاتهم الشخصية، ولن يغير الامر الخوض في المعيات التي رافقت ما سمي وقتها بالفتوحات الاسلامية، لان الفتوحات لم تأتي وفق رغبة الاقوام الاخرى باعتناق الدين الجديد انما اتت بفرض رأي احادي من المسلمين على الاقوام الاخرى باعتبارهم على ظلال ويحتاجون الى نور الهدى، والسؤال هل كانت الشعوب تنتظر هداهم,,,؟ ان الامر لم يختلف تماما بل السعي البشري لفرض فكر ديني واحد واقصاء الاديان الاخرى رسخت مبدأ عمق الهوة بين التشريع الاصلي وبين التأويلات المابعدية التي ظهرت اللمسات البشرية عليها بشكل واضح، فكانت وبالاً ودماراً داخل جغرافية الدين الواحد، والتاريخ الاسلامي مليء بهذا الشرخ التأويلي منذ العهود الاولى، حيث قتل ثلاث خلفاء راشدين من اصل اربعة، ناهيك عن الطوائف التي ظهرت وعن المعارك الاسلامية الاسلامية من (الجمل – صفين ) وما تلاها من انقسامات وشروخات اخرى اتسعت باتساع رقعة التسلط البشري باسم الله وتشريعات الله.

ساهمت الاديان في احداث شروخ بشرية اخرى، وذلك من خلال زعزعة البنية الاجتماعية في المجتمعات بصورة عامة، لاسيما تلك التي اعتمدت على الطبقية الدينية في علاقاتها، حيث حصنت الطبقة الدينية اسوارها بعدم السماح للاخرين بالتزواج مع المنتمين لطبقتهم من النساء والفتيات، في حين سمحوا لانفسهم بالارتباط بالنساء من الطبقات الاخرى كما في بعض الاديان الوضعية، وفي الوقت نفسه جاءت اديان تحرم التزواج ضمن الطبقة الدينية، مما ساهم في احداث خلل بايولوجي لدى هولاء فكانت الفضائح ترافق اماكن عبادتهم بسبب خروج البعض عن دائرة التحريم وعدم الانصياع للترهب الديني المفروض عليهم، وهذا ما ادى بالتالي الى خروج مذاهب وفرق منهم سمحوا بالزواج حتى ضمن تلك الطبقات الدينية، ناهيك عن البنى الاجتماعية الاخرى التي رافقت التحولات الدينية ضمن سعي الاديان للانتشار وفق منطق الحروب والتبشير والدعوة والاصلاح، فالسبي لم يقتصر على مرحلة واحدة من مراحل التطور البشري قديما وحاضراً، لذا كان السبي والجواري والمتجارة بالرقيق الابيض احدى اهم نتاجات العمل البشري ضمن سياقات استدلالية استمدوها من نصوصهم الدينية، وتلى ذلك تصدعات اجتماعية ونفسية اثرت على الرؤية البشرية نفسها للاديان.

ومن الشروخات الاخرى التي ساهمت في احداث متغيرات جذرية على الرؤية الدينية البشرية ما تعلق بالمذابح البشرية التي رافقت التطورات السياسية ولعل ما حدث للمسيحيين في اوربا ضمن الحملات الاسلامية عليها ، ومن ثم للمسلمين في الشرق بعد الحملات الصليبية عليها، وكذلك بعد مجيء المغول ومن بعدهم العثمانيين وما فعلوه بالارمن( مذابح الارمن)، وما فعله الارمن ايضا ضمن السياقات التاريخية الواضحة من مذابح تجاه المسلمين، كل ذلك حدث باسم الاديان ومحاولة اقصاء دين للاخر، ولم يكن النص الالهي الاصيل هو المحرك بقدر ما كان الطموح البشري لفرض ماهيته على الواقع الخرابي الارضي، وبالتالي نتج عن ذلك شرخ وهوة سحقية بين الدين والبشر مرة اخرى، ولم يكن العامل السياسي والمصالح الاقتصادية والسياسية في الوقت الحاضر الا اداة اخرى بيد المتحدثين باسم الاديان، وذلك لفرض رؤيتهم الخاصة ، ولتحقيق رغباتهم وطموحاتهم الخاصة بعيدين كل البعد عن الممضمون الحقيقي للدين الاصلي ( النص الاصلي الالهي)، ولعل زيارة اردوغان المسلم للبابا المسيحي رسالة واضحة لايمكن الشك بها، رسالة مضمونها ان الاديان هي غطاء لمصالح واتفاقيات … فالبابوية المسيحية التي لم تزل تطالب تركيا وريثة الدولة العثمانية الاسلامية بتقديم اعتذر بسبب تلك المذابح، تستقبل( البابا فرانسيس – اردوغان) احد اشرس القادة الترك في العقود الاخيرة الذي لايتوانى في فعل اي شيء من اجل تحقيق اهدافه حتى لو كانت على حساب شعبه بل حتى لو كان على حساب ابناء دينه، في خطوة تؤكد مرة اخرى ان الاديان ليست الا رداء عتيق هش يتوارى خلفه البشر لتحقيق مصالحهم واهدافهم التي لاتبت للدين بشيء، والامر لايحتاج الى توثيقات ورقية او تاريخية حديثة فقط يحتاج الى التأمل بالواقع البشري الحالي ” ماحدث في البوسنة والهرسك والبانيا – ما يحدث بين المسلمين واليهود في اورشليم” القدس” وماحولها ، ما يحدث بين الروهينغا والبوذيين، ما يحدث في ايران والعراق من تطهير عرقي مذهبي طائفي باسم الدين ، وما تفعله تركيا بالكورد في عفرين باسم الدين والارهاب والالحاد والى غير ذلك من التفاهات والشعارات التي تلبس رداء الدين وهي لاعلاقة لها بالدين الا ظاهراً” .

لا تعليقات

اترك رد