المنظور الإيطيقي لخطبة الجمعة الإسلامية


 

أصبح من الأهمية اليوم إحلال أخلاق العقل محل أخلاق النقل، فهذا الإصلاح الجذري لا يقل في جدواه المعرفية عن فتح فضاء جديد للتمثلات الرمزية والدلالية لكل ما يتعلق بالدين وتمثلاته اللغوية والخطابية وخصوصا ما يطلق عليه خطبة الجمعة بعد أن أحتلت درجات عالية ومستويات خطيرة في تشكيل الوعي وعسكرة الجماعة وتأطير المجتمع هوياتيا. فاليوم يعتصم المسلمون بالمعرفة التراثية والطهرانية الذاتية والإنسياق الأرعن مع مقتضيات الطاعة والخضوع والتقليد دون امتلاك أي قدرة أدائية أو إجرائية للتخلص من الوهن والضعف والجمود الذي أعترى تاريخهم وذواتهم لسنوات طويلة جدا.
وأمام إشكالية الأنساق الفقهية المتوارثة في مفهوم خطبة الجمعة بما تحمله من دعوات للحروب والجهاد ومواجهة الكفار ووضع الخطط وتحشيد الجماهير وبث الرعب في صدور المسلمين، يصبح تأسيس إيطيقيا أخلاقية جديدة لخطبة الجمعة مطلبا مركزيا يضع المعايير الأخلاقية القادرة على الحد من التطرف الكلامي والدعاء الغيبي لإقامة مجال أرحب للتواصل الحضاري والإنساني، مع المسلمين أنفسهم ومع الآخر المختلف في الكون.
إذن الإيطيقيا سنأخذها هنا بمعنى الأخلاق والقيم، رغم أن بعض الفلاسفة قد رأى في الإيطيقيا فلسفة أخلاقية، أو معرفة فلسفية تدرس قواعد الأخلاق وأسسها. ولئن كانت الأخلاق الإنسانية اليوم تعمل على إشاعة الفضائل العملية والدلالات الحضارية، فإن القطيعة المعرفية مع أسلوب خطبة الجمعة أصبح أمرا إلزاميا بدونه لا يمكن للمسلمين النهوض من سباتهم الغيبي وإيقاف الإنسداد التاريخي الذي هم فيه. فكل خطوة مهما كانت بسيطة، سوف تختمر في العقل لتشكل مصدات دفاعية وهجومية بالوقت ذاته ضد كل تطرف ووحشية تستخدم الدين. ولنا كمثال حول هزيمة الإيطيقيا التراثية، ما قامت به السيدة الفاضلة إلهام المانع في إمامة المسلمين وتقديم خطبة دينية مختلفة قدمتها إمرأة في جامع سويسري تخللها فاصل موسيقي بين الخطبتين. ومما لاشك فيه أن التنطع النرجسي الجمعي المنقطع عن الوعي بالتاريخ الذي سكن فيه المسلمون حتى اليوم، عمل على انتاج خطابات انتمائية لا إستكشافية، ودعوات كراهية لا تعايشية غاب عنها تأسيس النظر الإيطيقي لخطبة الجمعة على محددات المعرفة الموصولة بالكونية الإنسانية والثقافية.. فبدل الخضوع للقوة الإلزامية التي يفرضها الوالي أو الحاكم أو الفقيه لفكرة الخطبة ومضامينها، علينا كشعوب وعلى المثقفين كإصلاحيين، الخروج من اعتبارات الذاتية الإسلامية للإنخراط في فكر بدائلي مهموم بالإنسان باعتباره قيمة كامنة لا كائنا خاضعا للهويات الإصطفائية أو المنغلقة. فما تمثله خطبة الجمعة، وما مثلته خلال 1400 سنة لم يتجاوز المفهوم الميتافيزيقي للإنسان والكون وتبيان محدودية الإنسان وقصوره وعجزه، والأكثر من هذا، التحشيد الطائفي والمذهبي الذي ساهم في إطالة أمد الخلافات والصراعات بين المسلمين وغيرهم، حتى باتت خطبة الجمعة روتينا لا يكاد يخرج عن عادة مفروضة قسرا ومرحلة لتوضيح ماهية الإنسان المسلم ودليل على إرساء الحكم الأخلاقي على معايير غير مدللة عقلانيا، بمعنى يمكنك أن تسرق وتقتل وتغش وتخالف القوانين، ولكن وبنفس الوقت فإن صلاتك ورؤية المجموع لك في المسجد تغفر لك المحاسبة الدنيوية، وهو ما يمثل إختلالا كبيرا وعميقا بأهمية المسؤولية الأخلاقية للفرد والمصداقية في العمل والنزاهة الذاتية.
إذن كيف يمكن التعويل على خطبة الجمعة في دعم إيطيقيا كونية وإنسانية طالما بقت بأسلوبها ومضامينها المعرقل الابستيمي في مجال المعرفة الأخلاقية كما ذكرنا؟..بل كيف نضمن أن الفكر الديني حتى في أشد أشكاله انفتاحا منهجيا ومعرفيا، أن يصمد أمام أشكاله الأخرى المتطرفة والمتشددة والجهادية ليفقد بذلك مكانته في العقل والمجتمع؟. لذلك فالمطالبة بمشاركة الإيطيقيا التعددية والعلمانية والإنسانية هو الشكل الأسمى لتجنب إشكالية خطبة الجمعة المحمية باليقين المقدس. إن تحدي الجهل والتخلف والفساد في مجتمعاتنا يفرض وعيا إيطيقيا مستقلا عن النماذج التراثية في مفهوم الخطاب الإسلامي وعلى التراتبيات القيمية القائمة على مؤمن وكافر وعلى لصق الإنسان بالهوية الدينية قبل الإنسانية. فبهذه المفاهيم السائدة تكون أخلاق المسلمين الحالية في إنقطاع، لا عن أساسيات الحضارة المعاصرة فقط، بل عن أصولها الفلسفية والحضارية والأخلاقية.
فما تحتاجه خطبة الجمعة اليوم التجديد والتغيير كما فعلت السيدة إلهام المانع. فمالذي يمنع أن تكون الخطبة ساحة للحوارات الدينية الإلحادية مع مختلف الأديان والأفكار. بل ومالذي يمنع أن تكون الخطبة ويكون الخطيب عالما في مجال الطب والعلوم والفيزياء أو الفضاء ليحدثنا عن التطورات الحديثة بدل تعليمنا كيفية الوضوء والصلاة والدعاء على الكفار. وليس من المستحيل أيضا أن تكون خطبة الجمعة عبارة عن عرض فني موسيقي أو مسرحي أو تلفزيوني يخاطب العقل وينشر الأفكار المغايرة ويخترق ما تم السكوت عنه في تاريخنا.
لقد علمتنا الحداثة، أن النقد والإرشاد فعاليتان صميمتان في النسق الفكري والمنهجي للحداثة، وانطلاقا منهما علينا عوضا عن الحديث عن الفقه الديني واجترار اقوال السلف والصحابة والتراث في خطب الجمعة، يجب الحديث عن الديمقراطية والحريات وقوانين حقوق الإنسان..فهذه هي القضايا المصيرية التي تتطلب إطلاعا كبيرا من قبل المسلمين لمواجهة التحديات. وقبل هذا علينا إصلاح الدعاء الأخير في الخطبة والذي تمت ممارسته بشكل بعيد عن الأخلاق الإنسانية..فاليوم أصبح من البشاعة أن يطالب الخطيب بهلاك الكفار وترمل نساء الغرب وتعذيب الشعوب غير المسلمة بالأمراض والمحن والزلازل وغيرها، وأصبح من المؤلم أن يردد المسلمين بعد دعاء الخطيب ب آمين.
فما أجمل أن يكون دعاؤنا دائما داعما للحريات والتفكير والإلتزام بالحق والبحث والسؤال، وأن نطلب المحبة والتعايش وعدم الخوف من النقد والشك، وأن نبتعد عن التكفير وكراهية غير المسلمين ونبذ الآخر المختلف، وأن نطلب أيضا القوة في تمكين أنفسنا لعمل الخير والحوار والبناء، وأن نتعلم ونستفيد من أفكار الحداثة والعلمانية وحقوق الإنسان. فمثل هذا الدعاء وهذه المحبة وهذا السلوك، سنجني أفكارا جديدة وروحا صافية وتعايشا خلاقا وإنسانية كونية ابتعدت عنا وعن مجتمعاتنا، وآن لنا اليوم أن نوقض الإنسان فينا.

لا تعليقات

اترك رد