الحبّ بين معضلتين : الاختيار والقدر – ج 4


 

كيف يمكن للحبّ أن يكون خالداً ما لم يكن مستمدّاً من الحبّ ذاته. وكيف يمكن أن يكون حقيقيّاً ما لم يمتزج بالحبّ الحقيقة حتّى يزيل من النّفس كلّ اضطراب وقلق، ويمسي حبّاً للفرح والطّمأنينة والسّلام. فكلّ حبّ يجلب لصاحبه كآبة وأسىً لا يعوّل عليه. ولا يُفهم الفرح في إطار الرّفاهيّة والإحساس الظّاهريّ. وإنّما فرح الحبّ معادلة صعبة، لأنّه، أي الفرح، يُنتزع من عمق الألم الّذي ينتج عن هذا الحبّ. والألم غير الأسى والقلق. إنّه التّوق إلى الذّوبان في المحبوب بسبب عجز اللّغة عن التعبير، وإدراك جوهر الحبّ، حقيقة الإنسان.

أعود وأقول إنّ الحبّ لحظة جنون إلهيّ، بمعنى أنّه انفجار الحبّ لحظة الخلق، وهيامه في عيش اللّحظة المفتوحة على اللّانهاية. والحبّ فعل إلهيّ لا إنسانيّ. وبذلك احتاج الإنسان أن يحبّ بقلب إلهيّ كي يحبّ بكلّه. وكي يحبّ بمعزل عن التّناقضات العاطفيّة، فيتجلّى ثابتاً من جهة ومتصاعداً من جهة أخرى. ينطلق من قلب الله إلى الإنسان والعكس صحيح. لسنا أمام حالة تديّن وإنّما أمام حالة عشق. فالمتديّنون يحبّون بحسب منطقهم البشريّ. قد يقتلون بدافع الحبّ الملتبس. أو يستحكمون بالآخر فيتّسمون بحبّ الامتلاك. وأمّا العاشقون فيحبّون بقلب إلهيّ لا يعرف إلّا الحبّ.

حالة العشق تمتدّ من الأزل إلى الأبد. ولا تصبح عشقاً حقيقيّاً إلّا إذا تجسّدت بين شخصين ثالثهما الله الحبّ. وهنا يمكن الحديث عن نوعين من الحبّ الإلهيّ. الحبّ المتّصل بالله فقط، والحبّ المُستمدّ من الله لتخليد العلاقة بين شخصين. ولا بدّ للحبّ الإلهيّ من أن يتّجه عموديّاً ثمّ أفقيّاً ليقترب من قوّة الخلق والحكمة والقدرة على احتمال الشّوق غير المحدود. وفي كلتا الحالتين هو عشق اختباريّ حقيقيّ. فالحبّ المتّصل بالله لا يمكن أن يكون حبّاً خياليّاً لأنّه ببساطة لا يمكن بذل طاقة غير عادية في سبل حبّ خياليّ. كذلك علاقة حبّ مستمدّة من الله، من العسير أن تكون مجرّد خيالٍ، لأنّ المحبّون يختبرون واقعيّاً هذا النّزف الإيمانيّ. وإلّا فكيف يمكن تفسير حالة حبّ لا يتزعزع رغم كلّ الظّروف؟ وكيف يمكن شرح اتّحاد بين شخصين رغم المسافات والاختلافات الإنسانيّة الواقعيّة؟ يصعب إيجاد إجابات مقنعة؛ لأنّ حالة العشق تخرج عن المنطق البشريّ وترتبط بالمنطق الإلهيّ.

ولعلّ هذه الأبيات لابن الفارض من قصيدة “هو الحبّ” تعبّر جليّاً عن الخروج عن المنطق في حالة العشق، والهيام في المحبوب حدّ انتفاء المسافة وامّحاء الزّمن:

ترى مقلتي يوماً ترى منْ أحبُّهمْ
ويَعتِبُني دَهْري، ويَجتمِعُ الشَّملُ
وما برحوا معنى ً أراهمْ معي فإنْ
نأوا صورة ً في الذِّهنِ قامَ لهمْ شكلُ
فهمْ نصبَ عيني ظاهراً حيثما سروا
وهمْ في فؤادي باطناً أينما حلُّوا
لهمْ أبداً منِّي حنوٌّ وإنْ جفوا
ولي أبداً ميلٌ إلَيهِمْ، وإنْ مَلّوا

وقد يذهب الحبّ بالعاشقين إلى مواجهة الموت بالموت حتّى إذا ما عشقوا وهبوا حياتهم كمرحلة نهائيّة من العشق وبداية للولوج في الحقيقة نهائيّاً. فالعاشق ما عاد يرى من كينونته ومن الوجود إلّا المحبوب. فإن عاش أو مات، الأمر سيّان، ففي حياته موت وفي الموت إحياء:

أعطنيهِ،
حيث إنّني سأسكر بكأس الله
وأفنى تمامًا.
سأفرد جناحيّ في الغياب
وأطير إلى مكان هو الّلا-مكان. (جلال الدّين الرّومي)

ثمّة من لا يؤمن بالحبّ الإلهيّ من جهة الحضور الإلهيّ، لكنّهم إذا أحبّوا اجتمع في قلوبهم هذا السّرّ غير المدرك وإن لم يعوا ذلك. لأنّ الإنسان بطبيعته البشريّة لا يسعه أن يخرج عن دائرة الزّمان والمكان إلّا إذا ارتبط بمن هو خارج الزّمان والمكان. من أحبّ، شاء أم أبى، غرف من مخزون الحبّ وجوهره. فالحبّ طاقة إلهيّة مزروعة في الإنسان تنتظر تلاحماً خاصّاً لك تتفجّر

لا تعليقات

اترك رد