هيشون .. وخمسة عشر حرفاً

 

لم تكن كلماتٍ عابرة ، إنما كانت بحجم نفوسٍ تلفحها المرارة وعالمٍ يسيّره قانون الشطارة ، بحجم الطائفية والعنصرية بحجم كل الأنظمة والمذاهب التي كبلت البشرية ، بحجم الأحقاد المتراكمة والاعتداءات الدائمة وضحكة ساخرة سوداء بحجم لوحة صغيرة وخمسة عشر حرفاً اختصرت كل المسرحيات الهزلية وكل هذا البلاء ، أتت تلك الكلمات في الختام حين قادني إلى غرفة الأحلام حيث استعرض ما أبدعته يداه والأيام ، فارداً بعضاً من لوحاته الواحدة تلو الأخرى ثم عرض علي أن أختار من بينهم درة ، وقبل أن يغلفها بأكياس أشار بأصبعه إلى إحدى مفردات لوحته وفسر ما تنبض به الحواس نطقها بلهجة العامة وبلهجة كل الناس ( صبي يشخ على الحدود ) ثم تبعها بضحكة ساخرة نقلت عدواها لتتوج سهرتنا الثملة والساحرة ، ولتتوج قعدتنا التي طالت واستطالت كما المدفأة التي كانت تلتهم الحطب المعد ليوقد ناراً تغذي حوارنا المتناغم ، مع ذاك الاشتعال ومع الحسيس والأجيج والهجيج قدم هديته في نهاية المطاف وكنت محظوظاً بذاك القطاف فقيمتها تتعدى كونها لوحةً ساخرة إلى ذكرى ساحرة امتدت فيها قعدتنا لتلتهم الكلام والطعام والوقت و(جاط) السلطة المشبع بما توفر لديه من فواكه وخضار إلى نشوة النبيذ المعتق و الشاي المعطر بأعشابٍ غريبة طالما رأيتها متدلية على حبال الشك والريبة ، فلا مالك لسرها إلا هو هيشون … هيشون هل بات العالم خالياً وقد رحل الطيبون ؟ .. أترانا إلى هذا الحد .. نحن مسالمون ؟

 

بعد رحيلك بعام وبضعة شهور عرضت على السيد أحمد موسى مدير الصالة والمقهى إقامة معرض استعادي لأعمالك الموزعة عند الأصدقاء ، فقد كنت أعلم جيداً أنك كنت في الآونة الأخيرة تكثر من التوزيع والإهداء .. وبعد عام من ذاك التاريخ زارني صديقي وصديق طفولتي التشكيلي بسام ناصر ليعرض علي أن مدير الصالة بدأ يقتني لوحات ل هيشون بغية إقامة معرض استعادي حينها علقت في دوامة الحيرة فبيع عمل لك وهو ذكرى منك يعتبر خيانة كبيرة ، حين التقيت مدير الصالة أقنعني كما أقنعت نفسي ولكني حين عدت لأعمالك الموجودة عندي تبعت حدسي فأبقيت على ذاك الفتى الذي يتبول على الحدود وحفظته في غرفتي الخاصة كي يبقى بمنأى عن العيون الطامعة وعن الوجود ، وأرسلت عملاً يمثل راعياً وأربعة ذئاب ، ولكني حين قبضت المقابل بقيت مشوشاً وأفكاري يغلفها الضباب ، استسمحتك وتصدقت من أموالك وعدت أدراجي أغني التراب .
هيشون .. لن أتساءل ولن تسألني لم غبت أو غيّبت عن معرضك التكريمي كل تلك المدة .. لن أتساءل ولن تسألني لم غيّبت عن اجتماع النقاد .. لن أتساءل ولن تسألني عن تلك المماطلة التي جعلت صحافتنا حصينة لا يخترقها الجمال .. لن أتساءل ولن تسألني … سيتساءل الناس عنا وسيكتشفون بأنفسهم الجواب .
( بتاريخ (10-2- 2018) جاءني اتصال من السيد أحمد موسى بعد غياب طويل ودعاني مشكوراً للمشاركة في معرض تكريمي يقام في ذكرى رحيلك السنوية واشترط علي أن تكون المشاركة بعمل صغير ( نسبياً ) لأن المشاركين كثر ، وأنه يتوجب علي تسليم العمل بعد يومين أو ثلاثة أي الثلاثاء ، والحقيقة أني في المدة الأخيرة كنت قد بعت غالبية أعمالي الصغيرة ولم يبق سوى ذات الأحجام الكبيرة ، كان هذا جوابي ثم أردفت سأحاول إيجاد عمل صغير ومناسب قدر الإمكان وإن لم يتوفر فلا حرج . صباح الثلاثاء اتصلت به لأخبره أني لن أستطيع تسليم العمل إلا غداً أو بعد غد لقضايا تتعلق بشد العمل وتأطيره ، حينها اعتذر مني بقوله لضرورات تتعلق بالوقت طبعت الأسماء ولكن بإمكانك المشاركة إن أحببت رحبت بالفكرة فلا بأس إن لم يكن اسمي بين الأسماء )
والفكرة مما سبق أنه لا ضرورة لاستعراض اسمي أو أي اسم في معارض التكريم فحقيقة الأمر أن هيشون لا يحتاج إلى تكريم وأننا نحن بهذا الفعل نكون مكرمين فشكراً لأحمد موسى على جهوده المبذولة لإحياء الفن في المحافظة وشكراً لجميع من هم على الفن قائمون


هيشون أي قدر من الذكاء نحتاج لنعلم أن الحدود بين الأوطان مرتبطة بحدود أكثر ضيقاً كبّل بداخلها نفسه الإنسان ؟ أي قدر من الذكاء نحتاج كي نعلم أن السدود تولد انفجاراً ؟
فلندع الأنهار تجري .. ولنترك للطبيعة الخيار
هيشون لازالت الإخبارية والإسكافية والحافية تستعيدني وتعيدني إلى مرارة الضحكة الأخيرة ، ولازلت أضحك و أردد خمسة عشر حرفاً وصورة .
هيشون اليوم أفرجت عن درتك علقتها وعرضتها على الوجود
(صبي يتبول على الحدود )
ها أنا ذا قد فعلتها .. ولا أعلم بعد هذا كم عددهم
لكني أعتقد أنهم كثيرون أولئك الذين سيتبولون على الحدود …

لا تعليقات

اترك رد