الفنان حيدر الياسري بين صياغة التعبير السوريالي الكاريكاتيري وبوجوه واقعية

 

في أعمال ألفنان – حيدر الياسري – وخاصة في ما يتعلق بمجال الفن الكاريكاتيري التعبيري، ثمة أمور كثيرة تتوافر في داخل محتويات مضامينها الهادفة لترسيخ القيم التشخيصية المكلمة والمتداخلة مع إختياره لشخصية إبداعية شاملة في ألفن والأدب والثقافة والفكر بشكل عام، تلك المكملات تكمن في معرفة وإطلاع ألفنان على تلك الشخصية من كل جوانبها النفسية والسلوكية والإبداعية. لذلك فإن أعماله تسرح فيها البصيرة والأبصار والتمعن لمفردات متنوعة، تنفذ بطريقة تعبيرية سوريالية كاريكاتيرية. أي إن المفردات تأخذ قياسات كبيرة ثم تتلاشى نهايتها منظوريا في الأعماق، مما تجلب الإنتباه لدى المشاهد، ولذلك فإن أعماله لا تقتصر على جانب الإنتباه في السخرية الكاريكاتيرية ألتي يتناولها البعض لأمور تخص شخصيات سياسية أو غيرها، وإنما هنا في أعماله تتوازن معها جوانب المقترنات المكملة الإيجابية الداعمة والرافدة لتلك الشخصيات المبدعة، وبذلك يعتز ويحتفظ بها أصحابها كي تكون مخلدة في التدوين والذاكرة،

بطريقة إسلوبية غير تقليدية مملة ومكررة، خاصة بطريقته الواقعية المنفردة المتعارف عليها، وإنما بطريقة إسلوبية يتحرك من خلالها التوقف والإنتباه بسبب وجود عامل الإثارة ألذي يعد من أهم عوامل التميز في الإبداع سواء في ألفن التشكيلي أو الأدب بأنواعه في الشعر والروايات والمسرح والموسيقى، لذلك فإن أهم ما يسعى إليه المنتج لغرض إيصال إنتاجه الإبداعي إلى المتلقي هو عامل الاستبدال بأطر وصيغ متجددة ومختلفة عن ما يسبقها من مقلدات روتينية. فضلاً عن توافر منطقها اللوني ألذي يتناسب مع أدائها التكويني الإنشائي، وما يحصل لدى ألفنان – الياسري – هو ليس بحدود التضادات اللونية فحسب، وإنما بتقنياته الأدائية ألتي تمر عبر مراحل من الإضافات التجريبية. هذه السمة الرئيسة قد منحته تجارب ألفنان الرائد – فائق حسن – من حيث المتابعة والتمعن والإستفادة من تجسيد الإفصاح عن هيئة الملمس وكثافة اللون في قربها وعمقها المنظوري وأبعادها التأملية. وفي الوقت ذاته فإن البدايات والأسس التمهيدية لمستوى ما وصل إليه في وقته الحالي.

كان من لدن أبيه في النسب, ومعلمه في التعليم إنه والده السيد فاخر عمران الياسري، حينما كانت بداياته تكمن في رسم الوجوه المبسطة من حيث بنائها التخطيطي والذي يصبح فيما بعد البنية التكوينية ووحدة القياس الترتيبي والأدائي لتفاصيل فروع الجسد. وفي الوقت ذاته فإن بداياته كانت تقترن مع رغباته وميوله النفسية والفكرية نحو المسرح والتمثيل بشكل عام، والتي سبقت إتجاهه وتخصصه نحو الرسم حين دخوله المتوسطة التي كانت نقطة التحول والإختيار والأنشداد أكثر نحو ممارسة وتخصص الرسم، بعد التلقي من دعم أساتذة الرسم، ومنهم نعيم الجبوري ونوئيل وغيرهم، وطبعاً هذا الأمر جداً مهم في تنمية وتطوير المواهب في بداياتها ألتي تقترن مع خلجات نفوس البراعم في أعمارهم المبكرة والحساسة ألتي تتطلب الدعم المعنوي والمهاري.


على عكس ما لمسته أنا شخصياً من معلم أرعن في مرحلة الخامس إبتدائي، حين رأى عملي ألذي يتضمن منظر طبيعي، إندهش وأستغرب وصرخ في وجهي أمام الطلبة لماذا كلفت أحد برسم هذا المنظر، وعندما أخبرته بأنني أنا ألذي رسمته، لم يقتنع ويقول وهل من المعقول أنك تعرف أبعاد المنظور وترسم النخيل القريب بحجم كبير والبعيد بحجم صغير؟ وحينما اختبرني برسمه على الصبورة إندهش الطلبة وأعجبو، في حين بقي متماديا معي وأرسبني في درس الرسم، علماً بأن أختصاصه سيراميك وليس رسم، وهذه من الأخطاء ألتي تحصل بمنح دروس لمعلمين من غير الإختصاص، وخاصة الدروس الفنية، لعدم إعطاء قيمها الحقيقية ألتي تتطلب الإختصاص وأصحاب المواهب والرغبة المتجانسة مع النفس والوجدان. والآن في العراق الأمور نحو الأسوأ، حيث طغت موجة من الأفكار والاتجاهات التي تتعارض مع الفنون والثقافات المتحررة.

لقد تناوبت المتغيرات في تجارب ألفنان – حيدر الياسري – طبقاً إلى المتغيرات الزمانية والمكانية. حيث غادر العراق أبان بداية التسعينيات حين إشترك في الإنتفاضة الشعبانية عام 1991 وبعدها غادر وأستقر في أمريكا عام 199، حينها تجددت لديه المتغيرات الأسلوبية والأدائية والثيمات الفكرية تبعاً إلى الأجواء الأخرى، ولكن ترتبط تلك الخطابات والمضامين والصيغ الأدائية بما تحتبس في داخل النفس من معاناة مؤثرة وإرتباط كبير ومتحرك مع الذاكرة ألتي توالت عبر محطات الزمن القاسي في بلاد الأصل والمنشأ. والأمر ينطبق على من ماثلوه في قرار الهجرة بعامل الأجبار والقسوة وليس بعامل الإختيار لغرض التمتع والإسترخاء في بلدان السياحة. وهذا ما يتضح واضحاً وجلياً في تجسيد محتويات وتكنيك أعماله التشكيلية الحالية المعاصرة.

تضمنت شخصيات أعماله متنوعة.. متجاوزة الشخصيات السياسية الزائلة ألتي لم تترك أثراً منفعياً للمجتمعات عبر العصور. وإنما تدوين تعبيري لشخصيات لها وقع مؤثر في الحركة التشكيلية والثقافية بشكل عام ، من الناحية الإبداعية المتميزة ومن ناحية أثرها العام، ومن هذه الشخصيات أدونيس, ومظفر النواب وغيرهم. تلك الأعمال في آخرها هي إعداد لمشروع وإنجاز ينفتح على آفاق وجودها ورؤاها دوليا، ضمن معرضه في مكان إقامته في أمريكا.

أعمال الفنان – الياسري – من ناحية الهئية الشكلية للتكوينات، إنها تجمع بين البورتريه وتعبيرها الكاريكاتيري، مطابقاً إلى التسمية ألتي يطلقها على أعماله بمصطلح (بورتكاتير)، وهذا مايتطابق مع رؤى أعماله من حيث التآلف والأمتزاج المتكامل لفعالية إيصال الثيمات الفكرية والشكلية لنصوصه البنائية, بصيغها التعبيرية الواقعية المعاصرة، بعيدة عن الإختزال والتجريد المبسط ألذي ينحو نحو شكلانية الغموض والتفسير المزدوج غير الواضح لدى المتذوق. وإنما بصيغ واضحة وصريحة ومباشرة. تصل إيقاعات أنغامها السمعية والمرئية بمسافة قصيرة، ولكن في الوقت ذاته ينقاد المتأمل للتوقف عبر مراحل لأكتشاف أسرار ما يحيط بؤرة عمله المركزي للوجوه الواضحة، تلك المفردات المجاورة لها خصوصية الإختلاف من ناحية شروطها المنظورية التقليدية. أي إنها تنحو نحو آفاق سماتها الفنتازية من ناحية التنفيذ الشكلي الأدائي،

ولكنها ذات صلة بوضوح أهدافها المباشرة المتصلة بتكوينه الرئيس للعمل ألذي تم تنفيذه بشروطها الأكاديمية الواقعية، وبألوانها المبهجة ألتي تتوافق صلتها بمنطق شكلها الإستيطيقي الجمالي المجلب للأنتباه والتمعن. علماً بأن أعماله الكاريكاتية لصيغ أداء الوجوه لايبالغ بها كثيراً لغرض السخرية والأمتعاض كما يحصل للشخصيات السياسية أو غيرها من الأوساط الإجتماعية ألتي تستوجب التشخيص المثير لغرض إيصال الفكرة،كما ذكرت آنفاً وإنما بصيغة أكاديمية وبتوافر نسبها الذهبية، بإستثناء متغيرات البنية الأدائية للأجساد ألتي تنفذ بالطريقة الكاركاتيرية المعروفة، وفي اللوحة الواحدة نجد تعدد في التكوينات كل واحدة لها عالمها الأدائي والمنظوري، ولكن تكتمل في المحصلة رؤيتها المبهجة ألتي تسرح فيا العين للتأمل والإسترخاء،


وهنالك بعض الأعمال تدخل بين خلاياها حروف عربية بأجزاء متناثرة تمنحالمساحات والفراغ الفضائي بين الوحدات الشكلية أحياءاً، ومن الصفات الواضحة في هيئتها التكنيكية، هي التدرج الهايرموني، وبمنطق لوني يجمع بين الواقعية والانطباعية بهيئة سوريالية كاركاتيرية تعبيرية، متعددة الأشكال الدقيقة. ومن طبيعة ألفنان – الياسري – إنه يسلك نفس المنهجية السلوكية في إيصال طرح الأفكار في الكتابة والشرح والتعبير، مقترنة مع هواجس الانفعال الوجداني والفكري نحو موقف ما، بإصابة ووعي وتشخيص وانتقاد صائب. ومثلما نوهنا آنفاً، بأن تنفيذ إختياره لشخصية ما، لديه معلومات كاملة عنه كي تتجسد بحقيقة إيصالها للآخرين.

إذ يؤثث البورتريت والكاريكاتير بما يلم به عن منجز الشخصية أو ما عرف عنه. على سبيل المثال نجد أن صورة نزار قباني مثلاً محاطة برسم للمرأة التي كانت أبرز ثيمات شعره. كما أثبت الياسري رمزاً أو دلالة أخرى تتلخص في فهم نزار (للشعر) كرسم بالكلمات كما يقول في كتاباته النثرية. هكذا بدأ نزار يرسم شعره بريشة في الجانب السردي من العمل، استكمالاً لما ثبت من صورته المرسومة في الجانب الوصفي، من خلال ذلك نجد أن هذا الانشطار حول وصف وسرد دقيق، يستوقف الناقد والمتلقي أو المتذوق معاً. فالهدف الثقافي من العمل يتحقق عبر هذا الصنيع المزدوج استكمالاً لازدواجية البورتيريت والكاريكاتير. فضلاً عن رسم أعمال بصيغة أدائية متقنة للفنان بابلو رويز بيكاسو، حيث يبدأ الجانب السردي بالخلفية التي نفذها الياسري وهي كِسَر و تفاصيل من الغورنيكا ملحمة بيكاسو الخالدة، والمقترنة بتاريخه التشكيلي في الذاكرة البشرية كإرتباط المجزرة بتاريخ الشر والخراب الذي تولده الحروب. إضافة إلى رسمه للفنان السوريالي سلفادور دالي بخيالاته السوريالية، يتم ذلك من خلال تشخيص ملامح وجهه ذات الشوارب المرتفعة للأعلى. ونظراته الغريبة وقامته الفارعة. ومن المعروف إن شخصية سلفادور دالي وهيئتها الشكلية تتطابق أصلاً مع تجسيداتها الكاريكاتية.

وفي جانب آخر يجسد ألفنان – الياسري – بطريقة البورتريت التعبيري وجوه لنساء يسودها طابع الحزن، بطريقة تراجيدية مثيرة من خلال رسم وجوه حزينات، يمزقن خدودهن المتغضنة، حزناً على أبناء أو أزواج تأخذهم منهن الحروب.. أو أمور أخرى مختلفة في مؤثرات الحياة. الياسري ولد في مدينة السماوة 1965، وغادر العراق بعد الإنتفاضة الشعبانة 1990 وتنقل في بلاد الغربة إلى ان استقر في الولايات المتحدة الامريكية.حاصل على دبلوم معهد الفنون الجميلة من العراق ودبلوم CmputerDesgin جامعة هنري فورد – ميشغان .عمل في تدريس الفن والصحافة العراقية وصحافة المهجر في أمريكا كمدير فني ورسام كاريكتير ومصمم فني ومنفذ ديكور في عدد من المسرحيات. يعد خبيرا في ترميم وصيانة الأعمال الفنية القديمة.

المقال السابقالحب وعيده في العراق
المقال التالىبين الصحافة وجهاز الأمن
ماضـي حســن نعمــة فنان عراقي وكاتب وناقد في الفن التشكيلي..حاصل على بكلوريوس فنون تشكيلية ..ماجستير طرائق تدريس الفنون التشكيلية .. دكتوراه طرائق تدريس الفنون التشكيلية . اقام العديد من المعارض الشخصية والمشتركة اخرها معرض شخصي في قاعة ادمينتن الكندية. لديه العديد من المؤلفات منها كتاب ( تنمية....
المزيد عن الكاتب

1 تعليقك

  1. Avatar الفنان التشكيلي حيدر الياسري

    شكرا للصدى نت وللدكتورالعزيز الفنان ماضي حسن نعمة لما تفضل به من سرد جميل لتبيان بعض الجوانب المهمه في مسيرتي الفنية وعلاقتي مع اللوحه واللون والوجوه .
    شكرا من أعماق قلبي الم وجوه بهم الوطن الام لكم احبتي. ولهذا الجهد الجميل دمتم الأقرب للقلب

اترك رد