محو الصبغة الدينية عن الأحزاب السياسية

 

إن النشاط الدعوي الديني لا يستوي مع العمل السياسي، هذه حقيقة ثبتت أركانها في الوعي الجماعي العراقي. فالمواطن العادي بات ينظر إلى قدرة الحزب -أي حزب- على تلبية حاجاته اليومية ورفع مستوى معيشته، فيما المشورة الدينية يستطيع الحصول عليها هذا المواطن من أماكن أخرى لا دخل للسياسة بها.
هذا ليس خروجا عن الدين بالطبع وإنما هو اعتراف بالتخصص. ففي حين يمكن لمن يريد العمل في السياسة أن يعتمد المبادئ الدينية إطارا فكريا قيميا، تبقى للعمل السياسي قواعد دنيوية لا يمكن حشر الدين فيها. إذ طالما أن ليس هناك إكراها في الدين، فإن من الطبيعي والمنطقي أن تُترك النشاطات الدعوية الدينية لفضاء يختلف تماما عن الفضاء السياسي الذي يخضع لتوافقات بين مكونات المجتمع الأخرى كافة، وهي ضرورية من أجل بناء دولة المواطنة المتساوية الحاضنة للتنوع.
فصل الدعوي الديني عن السياسي سيساهم في الوصول إلى عقد اجتماعي جديد بين الدولة وفئات المجتمع كافة، يحفظ لكل هذه المكونات حقوقها، فلا تتعدى إحداها على الأخرى، ويؤدي إلى استقرار مجتمعي مستدام ننشده جميعا.
إن عصر الأيديولوجيا المطلقة في طريقه للأفول، سواء أكانت هذه الأيديولوجيا مدنية أم دينية، ما لم تصاحبها برامج عملية تلبي حاجات الناس الاقتصادية والاجتماعية. وإذا نظرنا إلى الأحزاب السياسية الدينية التي تشهد ازدهارا وارتفاعا في شعبيتها، فسيظهر أنها الأحزاب التي لديها برامج واضحة، وتلك التي وصلت لعقود اجتماعية مع باقي مكونات المجتمع كما نشاهده في إيران مثلا. أما الأحزاب التي تصر على إبقاء الأنشطة الدعوية مع السياسية كما في العراق ومصر والأردن مثلا، فتشهد أزمات سياسية متكررة. لهذا سيأتي وقت يغلّب فيه المحبون لأوطانهم من الدعويين مصلحة الشعب على كل المصالح الأخرى وهذا مانأمله من الأحزاب الدينية الحاكمة في العراق.

المقال السابقهل هي بارقة امل ؟
المقال التالىوهم الخلافة – ج 1
الدكتور قيس العطواني * مواليد بغداد 1968 . * دكتوراه في أدب اللغة العربية - قسم اللغة العربية – كلية التربية – ابن رشد – جامعة بغداد . * تدريسي في قسم اللغة العربية – كلية التربية – الجامعة المستنصرية . * مذيع ومقدم برامج ف....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد