الحب وعيده في العراق


 

قبل يومين، عاشت معظم دول العالم طقوسا وكرنفالات وفعاليات عديدة، احتفوا فيها بعيد أطلقوا عليه تسمية عيد الحب، ولم تكن هذه التسمية اعتباطا، فالحب شعور سامٍ بنيت على أساسه العلاقات الإنسانية كلها، وهو ركن من أركان حياتنا، لايمكن الاستغناء عنه في كل الأزمان والأمكنة، وفي كل الظروف ولكل أبناء آدم فيما بينهم. إذ هو يبتدئ لحظة خروجنا الى الدنيا من أرحام أمهاتنا، من أول شهقة هواء تدخل رئاتنا، وتبادلناه مع أول حضن احتوانا، واعتمدناه مع كل من صادفونا في محطات حياتنا، وما فتئنا نعتاش عليه في مراحل عمرنا، وكم من أجيال رحلت وهو باقٍ، ودول دالت وأخرى اندرست وهو باقٍ، فالاحتفاء بالحب إذن، قرين الإنسان منذ بدء تكوينه.

في عراقنا الذي يشغل حيزا مساحته (437,072) كم2 من أصل (510,066) كم2 برًا وبحرًا، نعوم في الكون اللامتناهي، غارقين جميعنا بجملة مشاعر وأحاسيس، مخيرين بين الحب والكره، والود والبغض، والطمأنينة والظغينة، والسلام والحرب، والانسجام والتنافر، والوئام والعداء، فأيها نختار؟.

قطعا كل من آمن بالحب أمامه مساحة واسعة يترجم بكل شبر فيها ماآمن به، وأول شبر هو ماتحت قدميه، وما تطأه أقدامنا نحن العراقيين أرض تستحق منا كل الحب والولاء، وكيف لا! وهي أم الارض، هي مهد الحضارات، هي مهبط الأنبياء، هي مرقد الأولياء والأوصياء، هي منبع العلوم والفنون والآداب، هي أرض الرافدين والبيت الكبير الذي يضمنا جميعا، أوليس حريا بنا ان نوليه اهتمامنا! وهو الذي يجود لنا بخيراته.

كم يكون الجواب محزنا، لو استطلعنا عدد العراقيين الذين يعرفون أن عيد الحب يصادف الرابع عشر من شهر شباط، ولِمَ لم يعرفه الباقون؟ ومن المسبب في ذلك؟ وكيف حصل؟… الى ان نغرق في دوامة التساؤلات، والاجابة ليست صعبة، لكنها مُرة. فأنّى للعراقي معرفة عيد الحب او يوم الارض او يوم الشجرة او يوم المرأة او يوم شم النسيم، وهو لاهث بين الخوف والخبز والموت والتهجير والمنفى، وما ذلك إلا نتاج مايفعله الساسة والسادة المسؤولون الذين تعاقبوا وتناوبوا -على مر العقود- في مسك السياط وجلده لأنه.. عراقي وحسب، وقد عاش حياته مذ وعى لايعرف غير (جاك الذيب جاك الواوي).

معذور انت ياعراقي، كيف يتسنى لك تمييز الأعياد والأيام وانت كما يقول المتنبي:

لا يُعجبنَّ مضيمًا حسنُ بِزَّته
وهل يروق دفينا جودةُ الكفن؟

أذكر ان زميلا إعلاميا قام باستطلاع آراء في عيد الحب العام الماضي، ومن ضمن الأماكن التي زارها سوق شعبي في حي من أحياء العاصمة بغداد، فرأى امرأة كبيرة السن متوشحة سوادا من هامتها الى أخمص قدميها، كباقي العراقيات اللائي دأبن على ارتداء هذا اللون في المناسبات كلها، كانت هذه المرأة تحتضن صفيحة صدئة بائسة مثقبة بعشوائية، فيها قليل من الجمر وكثير من الرماد، يقيها -كما تظن- قرَّ الشتاء، ويدفئ أوصالها التي ترتعد بردا، وهي تفترش أمامها (بسطيـّة) فيها أشياء عديدة الأشكال ومتنوعة الاستخدامات، إلا أنها تشترك في شيء واحد هو ثمنها..! إذ كان صوت المرأة المبحوح ينادي بانكسار مايبوح بالتسعيرة الثابتة وهي: (حاجة بربع… حاجة بربع… حاجة بربع) سألها زميلي: حجيّة ما رأيك بعيد الحب؟ أجابته بسليقة أمهاتنا العراقيات اللائي نسين الأفراح، بعد أن لازمتهن الأتراح والمصائب، جوابا لاأظنه يحتاج تعليقا او إيضاحا مني كاتب هذي السطور، فللقارئ حق إطلاق العنان لمخيلته، لتأويل ماقالته هذه العراقية، فلقد قالت له: (خايب آنه عيد الله واكبر ما اعرفه شنهو).

لا تعليقات

اترك رد