هل هي بارقة امل ؟


 

التصريحات النارية التي ادلى بها الامير محمد بن سلمان مؤخرا لصحيفة الغارديان البريطانية تدفعنا للتوقف عندها والبحث فيها بتمعن، فهي تصدر عن الملك المستقبلي للسعودية، والمؤثر الاساسي في سياستها حاليا، وقد اثارت صولته الاخيرة على بعض الامراء والمتنفذين من العائلة والمقربين منها جدلا واسعا ارى انه يشكل علامة ساندة لتصريحاته تلك، فالصفة المميزة هنا انه رجل افعال وليس اقوال..

ماقاله بن سلمان يتجاوز الحاضر المختلف عليه من قبل الجميع الى المستقبل الذي تثير اماله فيه شكوك الجميع ايضا، يقول بن سلمان: على العالم ان يساعد المملكة على التغيير وان التغيير فيها سيساعد المنطقة ويغير العالم!!!!

هذه الكلمات لها دلالاتها الكبيرة خاصة وانها تصدر عن شخص يفترض انه يعي ما يقول، والسؤال هنا ماهو التغيير المتوقع في المملكة الذي سيساعد المنطقة ويغير العالم؟..

اقليميا لايشك جل المراقبين في ان اي تغيير واضح ومؤثر في السعودية سوف يؤدي الى تغييرات في المنطقة فعلا، وحجم هذه التغييرات يتناسب طرديا مع ما يحصل هناك، فالسعودية الان واحد من اهم ثلاثة اوتاد ترتكز عليها اللعبة الدولية في الاقليم قبل او بعد اسرائيل وايران، وان اي تغيير في اي من هذه البلدان لابد ان يؤدي الى تغييرات متناغمة معها في المنطقة، كما ان اي تغيير سيصل هدفه المطلوب اذا كان مخططا له، او يؤدي الى المجهول اذا كان مفاجئا وعفويا..

لايمكن لنا ان نتخيل ان المملكة ستكون منبعا للعلم والتقدم والتكنلوجيا الجديدة التي ستغير العالم، فمدن العلم ومنابعها قد استقرت نهائيا لدى الغرب، ولايمكن لنا ان نكون اندادا له بل افضل ما يمكن ان نحلم به كعرب ان نتمكن من مجاراة العالم بحداثته وحضارته واستقراره وتواصل التنمية فيه، فما هو نوع التغيير المؤمل في السعودية اذن والذي سيغير المنطقة والعالم؟….

سياسيا لايمكن ان نتوقع ان التغيير سيطال النظام السياسي بكل مفاصله، فليس من الممكن وليس ثمة سابقة في تخلي الملوك عن السلطة طوعا ودون مقدمات الى الجمهور خاصة في بلد يفتقد الى نشاطات سياسية او مدنية مؤثرة وفعالة مثل المملكة، ولنفس الاسباب لانتوقع ان تعم الديمقراطية بكل قيمها هناك اذ ان ذلك سيؤدي حتما الى زوال حكم العائلة المالكة التي يراد لحكمها ان يترسخ ويتجدد من خلال الامال العريضة التي يحملها ويفصح عنها الامير الشاب بشكل متواصل..

وما يطمح اليه الامير، وفق رؤيته الى السعودية مستقبلا، كثير جدا، هناك اشارات عن ضرورة الانفتاح وعن جعل الترفيه خاصة للاطفال والشباب ميسورا واعتياديا، وهناك امال بتوسعة مشاركة المراة في الحياة العامة حيث العمل والتعليم وقيادة السيارة وما الى ذلك، هناك ثورة اقتصادية متوقعة خاصة مع توفر المال والارادة، ولكن كل ذلك موجود وقائم في هذا العالم، فما الجديد الذي سيغيره اذن؟..

تاريخيا، تمكنت هذه البقعة الجغرافية التي تسمى اليوم السعودية من تغيير العالم فعلا، فمنها انطلق الاسلام الذي انار زمنا ما عوالم الظلام ليعود الظلام اليها اليوم باحلك مما كان، ومنها ايضا انطلق الارهاب والتشدد وتكفير الاخرين والجهاد والتمييز، ومحاولة الامير في تبرير اسباب التشدد وتعليقها على شماعة الثورة الخمينية تبدو غير مقنعة، فهو يقول: ان السعودية لم تكن طيلة الثلاثين عاما الماضية بحالة طبيعية، وان السبب يكمن في الثورة الايرانية وما نتج عنها من تاثيرات في المنطقة وطبيعة التشريعات التي حكمت المملكة كردة فعل للثورة.

ومع اننا لانتفق معه في الاسباب التي جعلت المملكة بحالة غير طبيعية اذ انها طبيعية تماما، فالوهابية والتشدد عمرهما اطول من عمر الثورة الايرانية، والجهاد وتنظيم القاعدة بدآ قبل ثورة ايران واستغل من قبل اميركا استغلالا أثمر عن انسحاب السوفييت من افغانستان، وهيمنة رجال الدين على الحياة الاجتماعية قائمة منذ قيام المملكة وفق حلف قائم بذاته، الا ان ذلك لايعنينا الان ونحن ننظر الى المستقبل والى مغزى وطبيعة الوعود والافعال ميدانيا..

قد ابدو متفائلا اكثر من اللازم في ما يهدف اليه الامير، ولكن علينا دائما ان نربط الحاضر بالماضي، والنتائج باسبابها، وكنت ومازلت مع اخرين اؤمن منذ ان تم احتلال العراق وتسليمه الى الاحزاب الاسلامية بعكس شعارات واهداف نشر الديمقراطية وازاحة الظلم عن العراقيين، وما تبع ذلك من تمظهرات للتيار الديني في مصر وشمال افريقيا والاقتراب من سوريا ومن ثم اليمن، ان المخطط الغربي الصهيوني يقضي بان يستعمل الدين ذاته لضرب الاسلام من الداخل، فليس من طريق اسهل من ان يكفر الفرد بدينه حين يجده عائقا لسعادته ووسيلة لاستغلاله وظلمه، ونظرا لطبيعة الاسلام واكتمال تشريعاته وعمق تجربته وتجذره كهوية للفرد المسلم فان لا طريق اخر يمكن اقناع المسلمين من خلاله بالتخلي او بالتخفيف عن تقاليدهم ومعتقداتهم او بالتغير سوى ممارسة تجارب فاشلة حقيرة قذرة كتلك التي تجري في العراق و ليبيا واليمن ولوقت قصير في مصر، ناهيك عن ايران والسودان وغيرها، فقد اثبتت النظم الاسلامية انها بعيدة تماما عن قيم الاسلام وانها تستخدمه لمصالحها الخاصة، وان الحياة داخل النظم الاسلامية تتسم بالرذيلة والانحطاط والتمييز والحقارة والظلم والاستهانة والنصب والاحتيال والفساد، وهكذا بدات ملامح جادة بظهور الالحاد والاعتراف ان الدين لم يعد سوى مظاهر وطقوس وليس قيما ومبادئ انسانية عظيمة وانه سبب رئيس في تخاذل الامة وتراجعها وجمودها..

لقد حاول الغرب على مدى عقدين تقريبا ومن خلال ماسمي بحوار الحضارات دفع كبار رجال الدين المسلمين للتحول والتغير والانفتاح، ورغم ان هذه الحوارات استغلت مخابراتيا، الا انها فشلت في المطلق بالتقدم خطوة واحدة نحو هدف الغرب بتحويل الاسلام الى دين سياحي ، ومن هنا بدات خيارات التدمير والتخريب والصراعات الطائفية ونشر الارهاب والفساد ومساعدة المتشددين والفاسدين والتغطية على نشاطاتهم، كبديل فعال وسريع وقد جاءت بثمارها فعلا ولم يتبق سوى الاعلان رسميا عن ثورة تنويرية تكون مقبولة من غالبية المسلمين الذين يعتريهم الملل والياس والشعور بعدم الجدوى وبالجمود والتراجع ويبحثون عن اي فرصة وباي شكل ووسيلة للتغيير..

ومع ان الالية التي رعتها اميركا مدمرة، واثارها كارثية على بعض البلدان العربية الا انها وبعد ان وقعت فان اي تغيير من شانه ان يؤدي الى حال افضل فانه سيكون خيارا مقبولا ويحظى بتاييد واسع خاصة اذا صدر هذا التغيير من بلد كالسعودية التي تعتبر بشكل او باخر مركز الاسلام، وتملك تاثيرا قويا وفاعلا على دول اسلامية عديدة تدور في فلكها وتستمع لفتاواها بل وتقلد ممارساتها..

قام بن سلمان بخطوات تعتبر مقدمة في هذا الاتجاه ، منها سحب صلاحية هيئة الامر بالمعروف التي كانت تشكل كابوسا على حياة الناس، ومنها السماح للنساء بقيادة السيارات، وايضا والاهم انشاء مركز لاجازة الاحاديث النبوية، وتعتبر هذه الخطوة واحدة من اساسيات الثورة التنويرية الدينية المتوقع قيامها على يد هذا الامير الشاب الذي على مايبدو انه انهى التحالف القائم بين دعاة الوهابية المتشددين وبين العائلة المالكة..

قد اكون متفائلا فعلا، ولكن اذا نظرنا قليلا الى الخلف وعرفنا ان هذه العائلة لايمكن لها ان تتخذ قرارا بمفردها ومن صلب رؤيتها وباستقلالية تامة، فاننا سنتيقن ان كل ما سياتي لاحقا مثلما كل ماحدث سابقا، هو كل ما يريده الغرب وليس ما نريده نحن..

الغرب يريد اسلاما جديدا متناسبا مع مصالحه، مهادنا خافت الصوت متماشيا مع ثقافة الغرب، مكانه المساجد والجوامع، لايتدخل في السياسة ولا فتوى له في الجهاد والنكاح، وما نريده نحن التجديد والتحديث والتنوير بما يحقق لنا العدالة والمساواة والحرية والمشاركة في الحياة العامة وبدأ التنمية والتقدم.. ربما ولاول مرة تتفق رغباتنا مع رغبات قاتلينا .. ولكن هل ستتفق مصالحنا؟…

لا تعليقات

اترك رد