القوة العظمى .. الدور والمفهوم العام


 

How to Win a Great-Power Competition
Alliances , Aid , and Diplomacy in the Last Struggle for Global Influence
By : Benn Steil
Foreign Affairs, February 9 , 2018

كثر الكلام في أعقاب الانكفاء الامريكي عن الانغماس الفعّال في الشؤون الدولية خلال ولاية الرئيس باراك اوباما حول مفهوم القوة العالمية العظمى ( Super power ) وما اذا كانت الولايات المتحدة مازالت مؤهلة لحمل هذه الصفة ؟ ، وما اذا كانت هنالك دول اخرى صاعدة مثل الصين قادرة او مؤهلة لحمل تلك الصفة ؟ ؛ ذهب البعض الى تحديد مواعيد لاتتجاوز عقدين من الزمن لتحقق ذلك . الامر الأهم الذي دفع الكثيرين الى هذه التصورات هو التراجع المؤكد في الموارد الاقتصادية الأمريكية بالمقارنة النسبية مع ماهو عليه الحال بالنسبة للصين او الهند ودوّل اخرى .

اخرون ذهبوا الى افتراض اخر ، فرسموا سيناريو لعالم جديد متعدد الاطراف تكون الولايات المتحدة واحداً منها وبالتالي فانها لن تكون القوة ذاتها التي تتفرد الى حد كبير بالنفوذ والقدرة على فرض الإرادة في الشؤون الدولية .

ماينقص هذه الفرضيات امران مهمان : الاول هو خطل الافتراض ان القوة الاقتصادية تعني قوة في المفهوم العام للقوة بأوجهها المختلفة ( الصلبة والناعمة ) ، والثاني هو الافتراض بان الولايات المتحدة قد شكلت القوة العظمى التي تفردت بشكل مطلق بالقرار الدولي خلال الفترة التي اعقبت انهيار الاتحاد السوفيتي . الواقع يقول غير ذلك وماحصل هو نوع من التبدل النسبي بين الأقطاب الدولية سرعان مااستعاد قدراً كبيراً من صورته السابقة خاصة بعد تورط الولايات المتحدة في حرب افتراضية ضد عدو ” شبحي ” اسمه الاٍرهاب ويعتقد الكثيرون ان الولايات المتحدة قد اهدرت الكثير من الموارد ، المادية والمعنوية ، في حرب لامعالم واضحة لها ، وضد عدو افتراضي صنعت قدراته المتحققة على الارض سياسات دولية خاطئة وان قدراً كبيراً من الزخم الذي حققه الاٍرهاب على المستوى العالمي ، فضلاً عن العوامل الذاتية ، يعود الى اخطاء في جوهر ستراتيجية المواجهة ؛ لقد ادى عدم التوافق على تحديد معنى الاٍرهاب اولاً وتوظيف الحرب ضده لخدمة مصالح خاصة لدولة بعينها ثانياً الى ان تجد الولايات المتحدة نفسها تخوض أكبر معاركها منفردة تقريباً ، او بمشاركة محدودة من بريطانيا ورمزية من دول اخرى ، مثل حربي احتلال العراق وافغانستان مع مانجم عن ذلك من تكاليف كادت ان تودي باقتصادها رغم تفوقه .

لقد دمرت هذه الحرب بلداناً باكملها وأودت بحياة اعداد من الابرياء يفوق بمئات المرات ما اوقعته في صفوف الإرهابيين ومازالت ، وذلك بحد ذاته وصفة نموذجية لإنتاج الاٍرهاب . لذا فان الحديث عن الولايات المتحدة كقوة عظمى مطلقة القدرة لم يكن قائماً بالأصل ولايمكن الحديث بالتالي عن تراجع امريكي في هذا الاطار لانه لم يتحقق تفردها المطلق اصلاً الذي حاولت الإيحاء به عبر سياسات اتخذتها بشكل منفرد ودفعت أثمانها غالية من مكانتها وقدراتها ؛ ان الساحة الدولية كانت ومازالت وستظل ميداناً للتنافس او التوافق والتحالف متعدد الاطراف ، لكن الظروف والمعطيات وموضوعات التنافس او التوافق والتحالف تتبدل حسب البيئة الدولية وتطور العالم في المجالات كافة ؛ يمكن الان لقرصان إلكتروني في بلد أفريقي فقير ان يؤدي من المهمات ماكان حكراً على القوات العسكرية المدربة والمجهزة ولديها تسهيلات لوجستية فائقة من التي تمتلكها القوى العظمى فقط ؛ صحيح ان الولايات المتحدة قد وجدت نفسها متفردة في القرار الدولي بعد انهيار الاتحاد السوڤيتي وانها مارست هذا التفرد بشكل مفرط لعدم وجود قيود او ضوابط مادية تكبح جماحها خلال تلك الفترة ، لكن النتائج كانت وبالاً على القدرة الامريكية نفسها كادت ان تودي باقتصادها وقد اصبحت بفعل ذلك اقل قدرة على تأمين ذات القدر من الامن والرفاه لمواطنيها مقارنة بنظرائهم في الخمسينات حتى التسعينات ، وهذا الامن والرفاه يعتبران وفق المعايير الامريكية الهدف النهائي لسياساتها الخارجية والداخلية .

نحن اذن امام صورة معقدة تقتضي مراجعة المفاهيم وما نعتقده من مسلمات حول طبيعة القوة العظمى ودورها العالمي واليات ادائها لهذا الدور ، وهنا لابد من العودة الى الاصول والى التعريف الأصلي لعبارة ” القوة العظمى ” Superpower ” . ظهر المصطلح وتم تداوله منذ عام ١٩٤٤ وتم تحديد القوة العظمى على انها قوة كبرى Great power ذات قدرة كبرى على تعبئة واستخدام قدر كبير من القوة وتم اعتبار كلاً من الولايات المتحدة والاتحاد السوڤيتي والمملكة المتحدة ، ثم تم استبعاد بريطانيا بعد ان اتضحت النتائج النهائية للحرب ومنها دخول الاسلحة النووية عنصراً في ترسانة تسلح القوتين العظيمين الاخريين ودخلت عوامل جديدة في صياغة نظام دولي جديد قام على مبدأ القطبية الثنائية التي قسمت العالم الى معسكرين وفقاً لمعايير ايديولوجية ووجهات نظر حول ماهية العيش السعيد للمجتمعات الانسانية وما يترتب عن ذلك من منظومات اخلاقية وقيمية متناقضة ؛ تم ايضاً نسج تحالفات دولية لتعكس هذا الاستقطاب الدولي فأقيم حلف وارشو ليضم دول المنظومة الاشتراكية بزعامة الاتحاد السوڤيتي وحلف شمالي الأطلسي بزعامة الولايات المتحدة وضم اغلب دول اوروپا الغربية . لم تقتصر هذه الأحلاف على الأغراض الامنية والدفاعية بل شملت أغراضها جميع مناحي الحياة والدفاع عن نمط معين للحياة رغم ان الحرب قد أسفرت عن قيام الامم المتحدة التي اراد مؤسسوها ان تكون بوتقة لعمل دولي جماعي لضمان الامن والازدهار ولكنها عانت من امتداد هذا الاستقطاب الثنائي اليها .

قامت في منتصف الخمسينات مجموعة من الدول حديثة الاستقلال في اغلبها على رأسها الصين والهند ويوغوسلافيا ومصر وإندونيسيا بعقد مؤتمر في مدينة باندونغ الاندونيسية عام ١٩٥٥ بهدف تأسيس اتجاه دولي ثالث يبتعد عن القطبين ويتعامل بفاعلية مع الشؤون الدولية ، لكنه ظل تنظيماً هشاً تمكنت الدول العظمى من اختراقه وامتدت الثنائية القطبية التي سادت النظام الدولي الى قلب الحركة وعطلتها عن القدرة على تأسيس أدوات تنفيذية او التحول الى معسكر ثالث حقيقي رغم القوة الاخلاقية والسياسية التي تمتعت بها الحركة .

في عام ١٩٨٩ بدات بوادر التفكك تظهر بوضوح في المعسكر السوفيتي انتهت بتفكيك حلف وارشو وتحول مجموعة المعسكر الشيوعي الى مشاريع دول ديمقراطية – راسمالية وكان ذلك إيذاناً بتحول العالم الى نظام القطب الواحد بزعامة الولايات المتحدة التي اصبحت القوة العظمى الوحيدة ، او هكذا كان تصوّر الموقف .

رغم انتهاء فترة الحرب الباردة اثر انهيار المعسكر الشيوعي الا ان الانفاق العسكري الامريكي قد تزايد على نحو غير متوقع وتوقع المراقبون ان الولايات المتحدة ستمضي قدماً في استكمال هيمنتها في اقاليم العالم المختلفة وانخرطت في سلسلة من الحروب العسكرية منها حرب الخليج ( عاصفة الصحراء ) ثم في حربي أفغانستان وحرب احتلال العراق .

ان العنصر الرئيسي الذي مكن الولايات المتحدة من كسب الحرب الباردة هو خروجها من الحرب العالمية الثانية باعتبارها الرابح الاقتصادي الأكبر من الحرب ، فبادرت الى بناء شبكة تحالف من الدول القوية اقتصادياً وتقنياً مثل دول اوروپا الغربية واليابان ومجموعة اخرى اقل وزناً من دول اسيا . لقد ساهمت الاموال الامريكية التي انفقت في هذه الدول بعد الحرب لاغراض اعادة الإعمار وإنعاش قدراتها الاقتصادية في بناء شبكة تحالف قوية بقيادتها لم يعرف التاريخ تحالفاً مثيلاً له في قوته على مختلف الاصعدة المادية والمعنوية ، ويعتبر المحللون ان سر قوة وتفوق الولايات المتحدة تكمن في هذا التحالف وانها حين تفردت بمعالجة بعض القضايا الدولية بقرارات انفرادية مكلفة مثل حرب العراق ظهرت عورات قوتها ومحدوديتها رغم ضخامتها اذا ماترجمت الى ارقام مطلقة ، ولكن سر الضعف يكمن في إهمال الجانب الدبلوماسي الذي شكل عنصر النجاح في المراحل السابقة . يلاحظ المراقبون ان ادارةٍ اوباما انشغلت في معالجة الاثار الاقتصادية للحروب كما حاولت ترميم الفجوات الدبلوماسية التي خلفتها وخاصة على صعيد العلاقات مع الحلفاء ولكن ادارةٍ ترامپ الجديدة بدات بعمل معاكس من شأنه تدمير هذه الجهد تحت ضغط الشعارات الشعبوية مثل ” امريكا اولاً ” .

يناقش المقال موضوع اليوم هذه القضية بتفاصيل ورؤيا عميقة جديرة بالدرس والتأمل لانها تلقي الضوء بشكل كبير على احتمالات المستقبل بالنسبة للقوة الامريكية وما اذا كانت ستظل ” قوة عظمى ” بقدراتها المنفردة التي لم تكن في اي يوم من الأيام عاملاً وحيداً في عظمة القوة الامريكية بل كانت رهناً بنسيج تحالفاتها وعلاقاتها الدبلوماسية والتجارية مع شركاء دوليين اخرين .

كاتب المقالة بن ستيل هو زميل اقدم ومدير الاقتصاديات الدولية في مجلس العلاقات الخارجية وخبير متخصص في قضية التحالفات الامريكية – الاوروپية .

لنتابع ….

” تواجه الولايات المتحدة ظرفاً دولياً يختلف تماماً عن التوقعات التي بنيت سياستنا الخرجية على اساسها ” هذا ماكتبه احد موظف وزارة الخارجية . ” بدلاً من توحد القوى العظمى … هنالك فُرقة كاملة ” وتوصل وزير الخارجية الى الاستنتاج بان الروس ” كانوا يقومون بكل ماهو ممكن من اجل تحقيق انهيار كامل ” . لقد دعى الرئيس الى عمل احادي الجانب من اجل مواجهة خصوم الولايات المتحدة وابلغ الكونغرس انه ” اذا ماترددنا في قيادتنا فاننا سنعرض رفاه الأمة للخطر على وجه اليقين ” .

هذه العبارات كانت قد قيلت عام ١٩٤٧ من قبل الدبلوماسي الامريكي شيب بوهلين ووزير الخارجية جورج مارشال والرئيس هاري ترومان ، وهي عبارات يتم اليوم ترديدها من قبل الادارة الامريكية الجديدة وهي تنذر بحقبة اخرى من التنافس الدولي حيث يتدافع الخصوم الى الهيمنة العالمية . لقد نصت وثيقة ستراتيجية الامن القومي الجديدة على ان التنافس بين القوى العظمى قد عاد ولكن ستراتيجيات ترومان وترامپ تختلفان الى حد كبير .

قبل اكثر من سبعين عاماً توصل صانعوا الستراتيجية الامريكية الى ان الصراع بين القوى العظمى يستدعي التدخل في الخارج من اجل حماية آمن ورفاه الولايات المتحدة . وقد كان حجر الزاوية في ستراتيجيتهم هو دعم قيام دول حليفة قوية ، مستقلة وديمقراطية في اوروپا الغربية واسيا وتكون قادرة على مواجهة التهديدات . وفقاً لذلك فقد كانت الولايات المتحدة قادرة على حماية أمنها ومصالحها الاقتصادية دون الاعتماد على قوتها العسكرية .

لقد سيطرت هذه الرؤيا خلال حقبة الحرب الباردة وبعدها وتبنتها الإدارات المتعاقبة ، الديمقراطية والجمهورية .. حتى جاءت الادارة الحالية .

هذه الادارة في حرب مع نفسها حول تحديد معنى شعار الرئيس ” امريكا اولاً ” ومدى توافقه مع بقية رؤاها . حول ماينجم من تعريف سوف يتم تقرير ما اذا كان النظام الدولي اللبرالي الذي أعقب انتهاء الحرب الباردة سيستمر ام ان العالم مقبل على مرحلة ” هوبزية ” جديدة من الصراع تحل محل ذلك النظام { ملاحظة : هوبزية نسبة الى الفيلسوف السياسي البريطاني هوبز مؤلف كتاب ( ليفيثان ) الذي يعلي من قيمة الصراع في الحياة الانسانية وكتب فيه عبارته الشهيرة ( الانسان ذئب لاخيه الانسان ) . } . ان المضحك المبكي هنا هو ان هذه الادارة تعلن بدء مرحلة جديدة من صراع القوى العظمى في الوقت الذي تهدد فيه بالتخلي عن واهمال الأدوات التي ساعدت الولايات المتحدة على كسب الجولة السابقة من الصراع .

قامت الولايات المتحدة خلال الفترة القصيرة التي اعقبت الحرب العالمية الثانية مباشرة بانشاء المؤسسات الرئيسية التي مازالت تمثل قوام النظام الدولي حتى اليوم وهي مؤسسات قامت بتلبية مصالح الولايات المتحدة في السلام والرفاه ؛ من هذه المؤسسات الامم المتحدة وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي وحلف شمالي الأطلسي وهي المنظمات التي شكلت الأسلاف لمنظمة التجارة الدولية والاتحاد الاوروپي ، وجميع تلك المؤسسات انطلقت بين الأعوام ١٩٤٥-١٩٤٩ .

يعتقد الرئيس ترامپ ان جميع هذه المؤسسات تمثل تهديداً لسيادة الولايات المتحدة . وفقاً له فان منظمة التجارة العالمية عبارة عن كارثة وهدد بإعادة التفاوض حولها او الانسحاب منها وفي مناسبة اخرى اعتبر اتفاقية التجارة الحرة لامريكا الشمالية أسوأ صفقة تجارية حصلت على الإطلاق ، اما الناتو والاتحاد الاوروپي ، وهما من تداعيات خطة مارشال الامريكية لاعادة اعمار اوروپا ، وأنهما ، ان احسنا الظن ، عبارة عن مفارقات تاريخية حصلتا في الزمن الخطأ ، وان أسأنا الظن فإنهما خطآن تاريخيان . لقد اشار الى الاتحاد الاوروپي على انه قد أقيم من اجل هزيمة الولايات المتحدة وانه لايهتم ان تفكك ام بقي متحداً . لقد قدم تعليلاً غريباً لذلك بزعمه ان العجز التجاري يمكن تقليصه من خلال مفاوضات ثنائية جديدة مع شركاء تجاريين اصغر .

في الادارة الحالية يتم تصنيف بعض أعضائها مثل وزير الدفاع جيمس ماتيس ومدير مجلس الاقتصاد القومي غاري كوهين على انهم ” دوليون Internationalist ” اي انهم ميالون للانغماس في العلاقات الدولية ، في الوقت الذي يعتبر فيه مؤسسوا النظام الدولي ومؤسساته بعد الحرب العالمية الثانية مثل مارشال وسلفه دين اتشيسون ونائب وزير الخارجية للشؤون الاقتصادية ويل كلايتون على انهم من اكثر الشخصيات في تاريخ الولايات المتحدة حرصاً على موارد وسيادة الولايات المتحدة ؛ لقد كانوا يسعون لتأسيس نظام دولي تقوده الولايات المتحدة يقوم على مبادئ السيادة الاخلاقية والحكم الديمقراطي وحرية التبادل التجاري .

لقد مثلت خطة مارشال ستراتيجية ادارة ترومان من اجل إتمام انسحاب ثلاثة ملايين جندي امريكي من اوروپا بعد الحرب العالمية الثانية دون السماح لاية قوة اوروپية بالهيمنة على البر الأوراسي وكان يكمن في قلب الخطة مشروع اقامة اتحاد اوروپي كونفدرالي تتم إقامته بمساعدات مالية امريكية { ملاحظة : أوراسيا مصطلح يقصد به الكتلة البرية التي تضم قارتي اوروپا واسيا والتي يعتبرها اغلب الاستراتيجيون مفتاح الهيمنة على العالم } .

لقد كانت سياسات التدخل هي مفتاح الستراتيجية العليا الجديدة New Grand Strategy الت وضعتها ادارةٍ الخطط في وزارة الخارجية برئاسة جورج كينان والهادفة الى احتواء الاتحاد السوڤيتي من خلال اقامة دعامة ديمقراطية راسمالية غرب الستار الحديدي . من دون تلك الستراتيجية كانت بعض اجزاء اوروپا الغربية ، فرنسا وإيطاليا بوجه خاص ، تواجه نمو عنف عمالي متزايد واضطرابات سياسية شديدة .

لقد سعت الولايات المتحدة الى دعم قيام حلفاء اقوياء بعيدون عن التأثير السوفيتي من اجل حماية مصالحها وتأمين حرية وصولها الى الاسواق الصناعية العالمية المهمة وضمان عدم هيمنة الاتحاد السوفيتي على خطوط الملاحة البحرية وتهديد أمنها . اما البديل فقد كان اعادة إرسال ملايين الجنود الامريكان الى اوروپا ثانية وهو امر مكلف بشكل هائل على المستويين السياسي والاقتصادي . لقد آمن ترومان ان انفاق عشرين او ثلاثين مليار دولار على مدى اربع سنوات من شانه تأمين السلام وذلك أفضل من الاضطرار لانفاق اضعاف ذلك في حرب جديدة ؛ في المحصلة النهائية كانت الكلفة الإجمالية لمشروع مارشال اكثر بقليل من ثلاثة عشر مليار دولار ( ١٣٠ مليار بقيمة هذا اليوم ) . لقد كان ذلك انفاقاً رشيداً .

لم تكن الاموال هي العنصر الأهم في خطة مارشال ولكن مانجم عنها من حث نحو التكامل الاوروپي . على عكس مايتوصل ترامپ فان اتفاقيات السوق الاوروپية المشتركة قد خرجت من وزارة الخارجية الامريكية وخاصة من مكتب ويل كلايتون ولم تكن ثمرة اطماع اوروپية لاستغلال الولايات المتحدة تجارياً . لقد كان هنالك غرض مزدوج من التكامل الاوروپي : منع هدر الاموال في نشاطات اقتصادية مكررة في عدة دول مثل انتاج الفولاذ وضمان نهوض المانيا الغربية بأسرع وقت ممكن من خلال إنعاش التجارة مع جيرانها .

لقد كانت الخطة ناجحة وقد أنتجت ليس فقط عنصراً ذهبياً من الازدهار الاقتصادي للولايات المتحدة والمستفيدين منها ولكن ايضاً بانشاء تعاون دائم عبر الأطلسي . لقد اعتبر ألسياسيون الامريكيون انذاك أمثال هنري كابوت لودج ان السعادة التي كانت تقدمها الولايات المتحدة ذات اهداف بعيدة المدى من اجل قيام أصدقاء اقوياء ؛ اذا مناظرها للامر عام ١٩٨٩ اي بعد أربعين عاماً من اقامة حلف الأطلسي سنرى حلفاء الولايات المتحدة في اوروپا الغربية كانوا في أفضل حالاتهم فيما كان الاتحاد السوفيتي يتمزق .

كان وزير الدفاع ماتيس سيجد نفسه في المكان المناسب لو انه عمل خلال ادارة ترومان ؛ لقد عارض باستمرار دعوات ترامب لتقليص ميزانية وزارة الخارجية . لقد قال في احدى المناسبات ان اي استقطاع لميزانية وزارة الخارجية يعني ان وزارة الدفاع ستنفق اكثر لشراء الذخائر العسكرية ، وفي ذلك فانه يتوافق تماماً مع توجهات هؤلاء الذين أقاموا النظام الدولي قبل سبعة عقود ؛ كان كينيث رويال وزير الجيش في عهد ترومان قد قال للكونغرس في احدى المناسبات انه كان بحاجة الى ١٦٠ الفاً من الجنود ومليارين وربع من الدولارات ( ٢٦ مليار بقيمة اليوم ) لو انه لم يتم اعتماد خطة مارشال لاعادة اعمار اوروپا .

ان ستراتيجية الامن القومي الجديدة التي صدرت تحت شعار ” امريكا اولاً ” عبارة عن مزيج غير متجانس من وجهات نظر كان قد تبناها من قبل ستراتيجيين من أمثال مارشال واتشيسون وترومان مع رؤى روج لها ترامپ خلال حملته الانتخابية ؛ انها تضم عدداً من الإشارات الى أهمية التحالفات وتشيد بنجاح دبلوماسية القرن العشرين بضمن ذلك خطة مارشال وإقامة حلف الأطلسي من جهة فيما تؤكد ان من جهة اخرى على ان مبدأ ” امريكا اولاً ” هو واجب على الحكومة والأساس لتعزيز قيادة الولايات المتحدة وكيف ان الاخرين قد استغلوا لمصالحهم الخاصة ما عملت الولايات المتحدة على إقامته ؛ ان هذه الستراتيجية الجديدة تفتقر الى المفاهيم المحددة وتعكس نوعاً من الشيزوفرينيا .

لقد تم بناء النظام الدولي في السابق وفق مفهوم يقوم على فهم ان امتلاك حلفاء ، خلافاً للمستعمرات او التوابع ، يعني ضرورة التوافق مع إرادات الاخرين . ( انتهى )

1 تعليقك

  1. مقالةاقل يقال فيها انها ثرية بالمعلومات الدقيقة والتحليل الصائب والنقد البناء … احسنتم وابدعتم استاذنا الكبير فائز السعدون

اترك رد