خربصــــــــــــــــــات : عيـــــد الحبّ

 

خربصــــــــــــــــــات : عيـــــد الحبّ
14 فيفري 2014 ـ 14 فيفري 2018

أنا كائن محبّ. أومن إيمانا قويّا بالحبّ على مختلف أنواعه وأشكاله ومستوياته. بل إنّي أرى الحياة لا تستحقّ أن تُسمّى حياة بدون هذه العاطفة النبيلة…

كنتُ قد قرّرتُ أن أصوم عن الكلام، هذا اليوم بالذّات وألّا أخوض في متاهات الحبّ طولا وعرضا وعمقا… غير أنّ تهاني الأصدقاء بهذا اليوم جعلتني ألغي قراري لأقول لهم جميعا: إنّي أحبّكم وسعيدة جدّا بحبّكم بل إنّني لا أرى للحياة نكهة أو معنى بدون حبّكم !

لماذا قرّرتُ الصمت هذا اليوم بالذّات وأنا الّتي يجبرني قلمي على الثرثرة والفضفضة و…؟؟؟

قرّرتُ الصمتَ لأني عاجزة عن تعريف الحبّ وقاصرة عن حدّه وقد قال فيه قبلي شعراء وفلاسفة وعلماء أجملَ قول وأرقاه ولكنّهم لم يحيطوا به علما ولم يفوه حقّه ولا حظّه إذ هو في رأيي جلّ أن يُسمى وجلّ أن يقيّد بمفهوم!!!

الحبّ ـ يا عافاكم الله ـ إحساس مبهم يُقذف في القلب فيرتجّ له العقل والعرف و” الأخلاق ” ولا يُستطاعُ له حصر ولا كبح ولا ردّ !!! والحبّ مزيج كيميائيّ زئبقيّ عصيّ عن التحليل والتشريح بل هو لغز وسؤال أبديّ وقفت أمامه الفلسفة والأديان والعلوم والآداب موقف العاجز عن استكناه خفاياه ومسبّباته وكيفيّة علاجه، وإن ادّعت المعرفة؛ فصُنِّفت فيه الكتب والمجلّدات والدّواوين…

والحبّ درجات، وقد أحصى العرب منها 35 درجة” : ـ 1 ـ العشق وهو فرط الحبّ وأمرّه وأخبثه ـ 2 ـ الهوى وهو ميل النفس إلى… ـ 3 ـ العلاق وهو الحبّ الملازم للقلب ـ 4 ـ الكلف وهو شدّة الحبّ ـ 5 ـ الشّغف وهو ارتفاع الحبّ على موضع من القلب ـ 6 ـ الشّعَف وهو إحراق الحبّ للقلب ـ 7 ـ الجوى وهو الهوى الباطن والحرق وشدّة الوجد من عشق أو حون ـ 8 ـ التتيم وهو التعبّد والمتيّم هو الذي تيّمه الحبّ إذا عبده ـ 9 ـ التبل وهو أن يسقمه ويمرضه الهوى ـ 10 ـ التدلّه وهو ذهاب العقل من الهوى ـ 11 ـ الهيام وهو شدّة العطش ـ 12 ـالصّبابة وهي رقّة الشوق وحرارته ـ 13 ـ المقةوهي المحبّة والوامق هو المحبّ ـ 14 ـ الوجد وهو الحبّ الذي يتبعه الحزن ـ 15 ـ الدّنف وهو المرض واستعمل العرب هذا الاسم للحبّ الملازم ـ 16 ـ الشّجو وهو الحبّ الذي يتبعه الهمّ والحزن ـ 17 ـ الشّوق وهو سفر القلب إلى المحبوب ـ 18 ـ البلبالوهو الهم ووسواس المحبّ بحبيبته ـ 19 ـ الكمد وهو الحزن المكتوم ـ 20 ـ الأرق وهو السّهر وهو من لوازم الحبّ ـ 21ـ الحنين وهو الشوق الممزوج برقّة ـ 22 ـ الجنون ومن الحبّ ما يكون جنونا وأصل مادة الجنون الستر والحبّ المفرط يستر العقل ـ 23 ـ الودّ وهو خالص الحبّ وألطفه وأرأفه ـ 24 ـ الخلّة وهي توحيد المحبّة وسمّيت الخلّة لتخلّل المحبّة جميع أجزاء الرّوح ـ 25 ـ الغرام وهو الولوع والحبّ اللّازم وأغرم بالشيء أولع به ـ 26 ـ الوله وهو ذهاب العقل والتحيّر من شدّة الحبّ ـ 27 ـ الرّسيس وهو الثّبات ورسوخ صورة المحبوب في النّفس ـ 28 ـ الجزع وهو عدم الصّبر على الفرقة ـ 29 ـ السهد وهو شدّة السّهر وتواتر أحوال المحبوب على القلب ـ 30 ـ الغلّ وهو شدّة العشق ـ 31 ـ اللّهف وهو حزن وتحسّر، اللّهفان المتحسّر واللّهيف المضطرّ ـ 32 ـ التّبالة تبله الحبّ أي أسقمه وأفسده ـ 33 ـ اللّوعة وهي الحرقة ولوعة الحبّ حرقته ـ 34 ـ الدّاء المخامر وهو من أوصافه وسمّي مخامرا لمخالطته القلب والرّوح ـ 35 ـ السّدم وهو الحبّ الذي يتبعه ندم وحزن.

تلك هي درجات الحبّ ففي أيّها يجد الواحد منّا نفسه؟!! لا خيار لنا فيما نحن فيه وعلى قدر نصيبك من الحبّ بذلا وتلقّيا تكون سعادتك أو شقاؤك!!! وفي كلّ الأحوال، الحبّ عماد الحياة ونبراسها ولا معنى للحياة بدونه…

الحبّ لا يحتاج إلى تقنين ولا إلى تفسير، لأنّه إحساس عميق مربك عصيّ على الحدّ وهو المتمرّد على كلّ القوانين والقواعد… وهو أيضا بمنأى عن المقايضة مهما يكن نوعها: أن تحبّ شخصا يعني أن تحبّه وتخلص لُه دون شرط أو قيد إذ الحبّ ليس سجنا للحبيب والمحبّ الصّادقُ ليس سجّانا ولا رقيبا يحصي عليه أنفاسه… الحبّ حريّة أو لا يكون ويخطئ من يعتقد أنّ الحبّ امتلاك وعبوديّة… أن تحبّني لا يعني أن أكون أمَتك المطيعة الذليلة وأن أحبّك لا يعني أيضا أن تكون لي عبدا رهين رغباتي ونزواتي… أحبّك وتحبّني ولكلّ منّا وجهه الذي يريحه…

وما قتل الحبّ بين المحبّين غير تلك القيود والشّروط المجحفة التي تجعل البيت سجنا بل زنزانة يسعى الطّرفان إلى فكّ أغلالها والهروب من وطأتها… الحبّ حرّية واعية والتزام بعهد مقدّس جمع الحبيبين ذات لقاء…

الحبّ إخلاص ووفاء الطرفين وتمسّك بالعروة الوثقى، مهما تعثّرت بهما الدّروب أو ارتبكت الخاطى أو تلعثمت الشّفاه… لا أفهم كيف يتحابّان ثمّ يخون أحدهما الآخر!!! لا أفهم كيف يقدر خائن على أن يعتذر لحبيبه !!! الحبّ يقتضي وفاء إلى ما بعد الموت… الخيانة تذبح الحبّ والحبيب من الوريد إلى الوريد… لسنا ملائكة، نخطئ ونصيبُ ولنا زلّاتنا وهفواتنا وعلى قدر تمكّن الحبّ منّا نكون متسامحين مع الحبيب إلّا في حالة واحدة: الخيانة لأنّها تعني التنصّل من الحبّ ونكث العهد والتحوّل من الإنسانيّة إلى الحيوانيّة !!! الحبّ يعني تعالق الأرواح بالدّرجة الأولى وإذا ما تمّ ذلك تجاوبت الأجساد وانتشت إذ شتّان بين أن تكون للحبيب روحا وجسدا وبين أن تكون له جسدا فقط!!! الجسد يفتر ويصيبه البلى، أمّا الرّوح فتظلّ شابة فتيّة فاتنة كلّما تعهّدتها بالعناية والرّعاية حتّى لا يتسرّب إليها الملل والوهن!!!

الأنانيّة أيضا هي السرطان القاتل للحبّ، إذ الحبّ عطاء وإيثار وتضحيّة وإدخال سرور على المحبوب…

والفشل في الحبّ مأتاه عادةً إمّا الانشغال عن المحبوب بغيره حتّى يتفشّى الفراغ وتكبر الفجوة أوالرّتابةُ والتكرار المولّدان للتنافر فالخصومة… لا تدع الفراغ يملأ حياتك، اشغل نفسك بما يفيدك ويسرّك ويصدّ عنك الملل والخواء الرّوحيّ…

الغياب ( وليس الهجر ) يولّد الشوق ويلهبه وربّ غائب حاضر وما أكثر الحاضرين الغائبين !!!

الحبّ أنواع وأشكال وأفضلها ـ من منظوري ـ أن تحبّ في صمت، دونما ثرثرة أو صخب أو أضواء أو بهرج لأنّه علاقة شفيفة بين شخصين متعالقين روحا فجسدا أو روحا فحسب… أحبّك أيّها الحبيب حاضرا وأعشقك غائبا وأشتاقك بعيدا وأبرّك قريبا… أهواك في عيد الحبّ ويشفّني الوجد في سائر الأيّام…

والحبّ درجات ولكلّ منّا حظّ ونصيب… والحبّ لا يقتصر على شخص واحد، قلب المحبّ يتّسع للجميع ولكلّ من المحبوبين ركن دافئ في القلب وبدرجات متفاوتة… والحبّ لا يقتصر على زمن ولا على مرحلة من العمر: قد يطرق أبواب القلوب باكرا وقد يغزوها دونما استئذان في الشّباب أو في الكهولة أو حتّى في الشيخوخة !!!

أخيرا الحبّ ليس عيبا ولا حراما ما دام صادقا صافيا وليس على أنقاض الآخرين !!! أن تُحبّ بصدق يعني أن تكون إنسانا راقيا، أحبّكم جميعا وسعيدة بحبّكم ولا امتلاء لي بغيركم… دمتم أحبابي ودمتُ حبيبتكم… أحبّكم وأشتاقكم…

صمتا، أنصتوا إلى خفقات الفؤاد ووجيبه حيثما كنتم… وكفى بذلك انتشاء !

لا تعليقات