النمو الممول بالتسهيل النقدي وانخفاض الفائدة سيجعل شبح الماضي يطاردالمستقبل


 

كانت خسائر الاقتصاد الأمريكي من الأزمة المالية عام 2008 نحو 22 تريليون دولار، فيما كانت خسائر دول السبع تتراوح بين 60 – 67 تريليون دولار، نمت أدوات المشتقات المالية وهي أدوات تبادل القروض غير القابلة للسداد من 900 مليار دولار عام 2000 إلى 55 تريليون دولار في العام الذي تفجرت الأزمة 2008.

وقبل الانهيار الخاطف الحالي كانت بورصات أمريكا رهينة الخوف من نسبة المضاعف إلى الربح، وبمقارنة أسعار الأسهم بمتوسط الأرباح الحقيقية على مدى السنوات العشر الماضية، أي أن سوق الأسهم الأميركية أعلى مما كانت عليه عشية الانهيار العظيم في 1929، وتبلغ النسبة قبل الانهيار الخاطف 29.76 نقطة مقابل 29.16 نقطة قبل الكساد العظيم أي أكبر انهيار مدمر في التاريخ يظل بلا مساس، وكانت السنتان الأخيرتان من فقاعة دوت كوم مطلع الألفية الحالية هما من شهدتا تقييمات مفرطة مماثلة لما حدث زمن الكساد العظيم.

بعد مرور عقد على الأزمة المالية يعتقد البعض أن الجزء الثاني من الأزمة المالية وصل بسبب أن أسواق الظل المالية مليئة بالرغوة، وأن أغلب الديون الجديدة تحمل تصنيف AAA وهو أمر غير مألوف لكن معمل به وهي تسمى بالديون المضمونة وعندما تجاهلها المنظمون نموها أصبحت أكثر غموضا وربحية، تلك التصنيفات العالية أخفت عدم استقرار الهيكل بأكمله، في حين فرض قانون دود – فرانك مسؤولية على الوكالات في حالة التصنيفات الزائفة، لكن لجنة الأوراق المالية والبورصات أعفتها، حتى قانون الاحتفاظ بالمخاطر لقانون دود – فرانك لم يدخل حيز التنفيذ لكن الممولين الأذكياء رتبوا أن تتخذ أطرافا ثالثة هذه المخاطر.

عصر الاقتراض الرخيص انتهى مع رفع الفائدة في الولايات المتحدة، وستحقق انتعاشا اقتصاديا في البلدان الرأسمالية عالية التطور ويعزز من الاستثمار الداخلي، وأن كان رفع الفائدة يحرم قطاعات صناعية وخدمية في الاقتصادات الكبرى من رفع تجارتها مع الأسواق النامية.

تواصل الأسواق تراجعها مع انخفاض مؤشر الأسهم ستاندرد آند بوزر 500 وبلوغه منطقة التصحيح، أي انخفاض يزيد على 10 في المائة حتى 10/2/2018 عن ذروته في أواخر يناير 2018 منهيا حالة سوق الثور وارتفاع المؤشر بنسبة 287 في المائة

منذ مارس 2009، مقابل نمو الدين العالمي من 75 تريليون دولار في عام 2008 إلى 217 تريليون دولار عام 2017، مما يجعل رفع الفائدة قد يفاقم مشكلة الديون حيث تبلغ فوائد ديون الدول الناشئة البالغة 56 تريليون دولار بمفردها الصين تبلغ ديونها 33 تريليون دولار فوائد تلك الديون تبلغ نحو 1.9 تريليون دولار.

المتداولون الذين قضوا السنوات الماضية في جمع ثروات يراهنون على أنه لن يتغير شئ على عجل، فسارعوا إلى البيع وانخفضت جميع الأدوات المرتبطة بمؤشر فيكس بنسبة 80 في المائة وأكثر ( استحدث مؤشر فيكس عن تقلب العقود الآجلة عام 2004، ومؤشر خيارات فيكس ومجموعة متنوعة من الأوراق المالية المتداولة والصناديق التي تركز على المشتقات عام 2006) في الشهر الذي سبق الانهيار الخاطف هناك نحو تريلون دولار استثمرت بطريقة واحدة في الأصول باستخدام استراتيجيات تهدف إلى كسب المال معتمدة على مؤشر التقلب الذي سجل أدنى مستوياته على الإطلاق، فيما كان المخضرمون يشعرون بان البيتكوين فقاعة قد بدأت في الإشارة إلى فقاعة تقلب منخفض أو بمعنى آخر فقاعة ضخمة في التهاون.

مؤشر فيكس تراجع لفترة طويلة بحيث لم يكن أمام التقلب إلا للارتفاع فإن كثيرا من الناس سيفقدون كثيرا من المال، خصوصا وأنه تزامن مع اجتماع النمو القوي للأجور في الولايات المتحدة والبيانات الضيقة لسوق العمل إلى أن تشعر الأسواق بالقلق من أن أسعار الفائدة قد ترتفع بوتيرة أسرع مما هو متوقع.

استقرار الأسواق على مدى السنوات الثماني الماضية جعل المراهنة على التقلب المكشوف مربحا لأن الأسواق سيتم دعمها من قبل البنوك المركزية التي أدمنوها في الفترة الماضية، ويدرك المستثمرون أنه إذا شحت سوق العمل وارتفعت الأجور ويزداد خطر التضخم الحقيقي بوتيرة أسرع مما يتوقعه الجميع، عندها سيتعين على السياسة النقدية أن تشدد بشكل أسرع مما يتوقعه أيضا الجميع.

لم يبدأ جاي باول رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الجديد أي تعليقات مهدئة على الإطلاق مع تراجع سوق الأسهم الأميركية حتى 13/2/2018 ، وحيث أن البنوك المركزية التي كانت مثبتات السوق الكبيرة في الماضي، قد لا تكون مكرسة لقضية دعم السوق الآن، لأن لديها قضية التضخم لتبدأ بالقلق حولها، إنها بداية نهاية لواحدة من أطول الأسواق الصاعدة، لكن قبل تعيين جاي هناك تعليقات لمسؤولين في البنك المركزي الأمريكي بأنه من المستبعد أن يؤدي اضطراب سوق الأسهم إلى تعطيل

زيادات أسعار الفائدة عام 2018، ويتوقع أن يرفع سعر الفائدة ثلاث مرات عام 2018.

سجل الاقتصاد الأمريكي في عام 2017 نموا بنسبة 2.3 في المائة مقابل نموا قدره 1.5 في عام 2016 وهناك توقعات نمو بنحو 2.1 في المائة في عام 2018، فيما يتوقع أن يتباطأ النمو في العامين القادمين 2019،20120 ، ويمكن أن يتراجع معدل البطالة عام 2018 أقل من 4 في المائة، وعن التقلبات الأخيرة في سوق الأسهم أوضح رئيس الفيدرالي في ولاية دالاس أنها لن تكون كافية لتغيير السيناريو الخاص به لوضع الاقتصاد، وهل أن هذا الاضطراب سيكون له تأثير حقيقي في الاقتصاد أم لا.

حيث يشير مقياس للأسواق من بنك جولدمان ساكس إلى أن الظروف المالية في البورصات عند الإغلاق يوم الاثنين 5/2/2018 كانت لا تزال عند 170 نقطة أساس وهي أقل مما كانت عليه عندما رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي أول مرة أسعار الفائدة في نهاية 2015، ما يشير إلى أن الأسواق تستمر في دعم النمو الاقتصادي في أمريكا، بسبب أن التصحيح لم يكن في أي مكان كبيرا بما فيه الكفاية ليلحق الضرر بالاقتصاد الحقيقي.

الأسهم هي أعلى مما كانت عليه عندما تولى ترمب المنصب، بل كان موظفو مجلس الاحتياطي الفيدرالي رسميا في التحذير بشأن ارتفاع قيم الأصول في يوليو 2017 قائلين إن نقاط الضعف المرتبطة بالمكاسب كانت قد زادت من ملحوظة إلى مرتفعة، كذلك صرحت جانيت يلين رئيسة الاحتياطي الفيدرالي السابقة في مقابلات أجريت معها في يومها الأخير أشارت إلى ارتفاع أسعار الأصول حيث وصفت القيم بأنها مرتفعة، لكنها رفضت الحديث عن الفقاعات، وجوزيف جانيون المسؤول السابق في مجلس الاحتياطي قال إن الأمر سيحتاج إلى تصحيح أعمق بكثير في سوق الأسهم قبل أن يبدأ مجلس الاحتياطي الفيدرالي إعادة تقييم سياسته، وانتقد المستثمرون الذين تهاونوا بشكل ساخر في رفضهم الاعتقاد بأن السياسة النقدية السهلة سترفع التضخم في نهاية المطاف، خصوصا وأن التصحيح في سوق الأسهم لم يصاحبه انخفاض في توقعات التضخم، ما يعني أن المستثمرين لا يتوقعون فجأة فترة ركود.

بدلا من ذلك فإن الجمع بين قراءة النمو الأعلى من الاتجاه، والارتفاع في نمو الأجور سنة بعد سنة إلى 2.9 في المائة في يناير 2018 بجانب التحفيز الإضافي من عجز الموازنة الأمريكية الذي يتجه إلى تريليون دولار في عام 2019 كل هذا أدى إلى

الاعتراف بأن البنوك المركزية ربما ستحتاج إلى مزيد من التشديد في السياسة النقدية من أجل الاستجابة لارتفاع التضخم.

دفعت موجة الهبوط في أسواق الأسهم العالمية المستثمرين للإقبال على الدولار، باعتباره ملاذا آمنا نسبيا، ما دفعه للارتفاع من أدنى مستوى في ثلاث سنوات، وترك الذهب وراءه للتراجع من أعلى مستوى في 18 شهرا الذي بلغه في أواخر يناير 2018 لينخفض في شهر 0.6 في المائة إلى 1310.92 دولار للأوقية.

لا تعليقات

اترك رد