من مذكرات كارلوس الألماني – الجزء الأخير


 

أذكياء نحن الألمان وهو ما يميزنا عن الشرقيين وعن باقي الأمم؛ ومارتن هو واحد من السلالة الألمانية العريقة. بجلسة واحدة استطاع أن يخدّر أعصاب مخاوفي، وكطبيب ماهر أزال بمشرطه الذكي جميع هواجسي، واستطاع أن يختصر لي كتاب الشرق المهلهل بموجز صغير وعرّفني عليهم قبل أن ألتقي بهم؛ فنحن الألمان لم نُخلق عبثاً، ولم نأتِ إلى هذه الحياة لنجتر الأيام كما يجترها العرب، مثل الخراف يكثرون لها العلف لتسمن ومن ثم تُذبح ليكونوا وليمة دسمة لغيرهم.

أخبرني مارتن بأنني سألتقي بالرجل الذي وقعّنا معه عقود تأمين الخدمات، وأخبرني بأنه شرقي مهجّن، ولد في الشرق لكنه عاش وترعرع في أمريكا ولكي يطمئنني أكثر قال لي مارتن:

❖ كارلوس، لن تجد أية صعوبة في التعامل مع السيد نبيل، فهو لا يدين بما يدين به العرب، ولا يؤمن بخرافاتهم وخزعبلاتهم وسوف ترى كيف أنه يهزأ منهم ويسخر من تصرفاتهم أكثر مما يهزأ الغرب من العرب؛ كل ما يهمه هو المال، ونحن مصدر أرباحه، والتاجر يتخلى عن معتقداته في سبيل أن لا يخسر مصدر ربحه.
وصلت إلى مقر الشركة. وعند الباب على الفور تقدمت مني امرأة في الثلاثين أو ربما أصغر، باذخة الجمال، ولا أبالغ لو قلت بأنها كانت أكثر أناقة من الموظفات الألمانيات؛ لم أتصور للحظة أنني سأصادف امرأة شرقية بهذه الأناقة وبهذا الجمال الناعم؛ فكل الذي أعرفه والصورة العالقة في ذهني؛ أنهن بدويات يفتقرن للذوق ولا يفهمن في تنسيق الألوان وأنهن بثياب فضفاضة فاقعة الألوان كثياب الغجر تثير الاشمئزاز. “اللعنة عليك يا مارتن، أخبرتني عن قباحتهم وغباءهم، ولم تخبرني بأن في الشرق نساء جمالهن دافئ وينافسن الشقراوات، وجعلتني أتصور بأن الشرق كومة خرق بالية لا شيء فيه إلا القبح والتخلف”

وأنا أنظر إليها قلت في نفسي: “من المؤسف أن تكوني أيتها الجميلة من أصول عربية” كان اسمها ” تالة” وحروف اسمها تسللت إلى مسامعي كالموسيقى.!

التجربة الذاتية ومعايشة الأحداث وجهاً لوجه دون أي وسيط أو مراجعمحرّفة يجعلنا نرى الأشياء بصورة مختلفة عن الانطباعات المسبقة. ففي كل مرة كنت أكتشف أشياء جديدة عن الشرق ” فليس كل ما سمعناه في ألمانية والدول الأوربية عن الشرق كان حقيقياً”

بعد أن واجهت الشرق بنفسي لمدة عامين عرفتُ بعض الأسباب العميقة التي ساعدت في تخلف الشرق وأدركت الأسباب الدفينة التي جعلت منه ضعيفاً ومهلهلاً.

التقيت بأشخاص عرب مثقفين ومبهرين. يملكون الذكاء الحاد ويتكلمون أكثر من لغة ويحملون الشهادات العلمية العالية، ومع هذا لم يحققوا أي نجاح أو تقدم في حياتهم ولا يقدرون السفر إلى الخارج بسبب هويتهم العربية التي ترفضها العديد من الدول الغربية بسبب الانطباع السيء عن العرب والنظر إليهم على إنهم إرهابيون. وبسبب الظروف القاسية يضطروا أن يعملوا بمهن عادية. فالمحامي يعمل كمشرف حقل يتابع أمور الإطعام والنظافة مع العلم بإنها ليست مهنته وحين سألته:

❖ لمَ لا تعمل بشهادتك واختصاصك؟
قال لي وهو ينفث دخان سيجارته المحلية ذات الرائحة النتنة:

❖ لكي أعمل باختصاصي كمحامي، احتاج إلى مكتب خاص، وعليّ أن أكون محامياً محتالاً أتآمر مع الشيطان لأن المحامي النزيه يداس تحت الأقدام ولا يقدر على تأمين ايجار المكتب ولا يقدر أن يدفع راتب السكرتيرة. فقط الأثرياء من يستطيعون ذلك يا سيدي.
وجدت الطبيب يعمل في الحقل كممرض كل ما يفعله هو الإسعافات الأوليةومعالجة الحالات الطارئة؛ لأنه هنا يتقاضى أجراً أعلى بكثير مما يتقاضاه في المشافي الحكومية البائسة، فلا يكمل تخصصه ويكتفي في العمل في شركات النفط ليتحول من طبيب إلى مجرد مسعف.

هنا في الشرق، في كل عام يتخرج الآلاف من الجامعات، لكنهم لا يجدون فرصاً للعمل، يتكدسون في المقاهي يدخنون السجائر و” الأركيلة” ويلعبون الورق. يسهرون لساعة متأخرة من الليل وهكذا هم يستهلكون أنفسهم وطاقتهم في اللاشيء. لآن حكوماتهم لا تقدم لهم الدعم النفسي ولا تملك دراسات وخطط مسبقة للخرجين الجدد. فكيف لمثل هذه العقول أن تكون منتجة، وكيف لها أن تتطور وهي تمضي الوقت في المقاهي؟

فنانون تشكيليون وأدباء وشعراء لا يملكون قوت يومهم، لأن القائمين على الحكم لا يعطون للفن أدنى اهتمام وكذلك رجال الدين يعتبرون بأن الفنون هي من المحرمات. أعمال جميلة وقيّمة تباع بأسعار زهيدة.

بعد تجربتي الذاتية بدأت أفهم سبب الفوارق الطبقية في الشرق؛ فالعائلة الحاكمة والمقربين ال منها هم من يحتكر ويسيطر على كل الثروات. فالنفط والمواد الخام لا ينال منها الشعب أي حصة. والمناقصات الكبرى تتم بإدارة أفراد الأسرة الحاكمة وهم من يوزعها ويفرض على المستثمرين المبالغ الطائلة للحصول عليها.

فرد من أفراد الأسرة الحاكمة رصيده في البنوك السويسرية 18 مليار دولار،وما أكثرهم أفراد الأسرة الحاكمة!! ولا أحد من عامة الشعب يستطيع أن يتفوه بكلمة ومن يعترض أو يكتب عن الأسرة الحاكمة تحجز له تذكرة سفر إلى الجحيم.

أمراء الخليج يتربعون على عرش الثروة، يملكون الطائرات الخاصة ويتنافسون فيما بينهم في بناء القصور المترفة والأبواب المذّهبة وأيهم أكثر ترفاً من الآخر. يسافرون إلى الخارج ليقامروا بملايين الدولارات ويقيمون في قصورهم السهرات الصاخبة ويحضرون الراقصات والفنانات المشهورات؛ بينما عامة الشعب يعيشون بالحد الأدنى، وبعضهم يعيش تحت خط الفقر،وما يرمى في قمامات الأثرياء يكفي لمئات الفقراء.

خلال العامين التي عشتها في الشرق، كنتُ أراقب وعن كثب ما تفعله جيوش التحالف في حربها ضد العراق، وكيف إنهم دمروا البنية التحتية للعراق.

وتابعت الأخبار الحقيقية وما تفعله إسرائيل بالفلسطينيين ورأيت بأم عيني كيف يمارسون عليهم أبشع أنواع العدوان وتمنيت لو أن هتلر يقوم من موتهليعيد المحرقة اليهودية مرات ومرات.

إن الفارق ما بين وحشية هتلر وما بين وحشية الحكام العرب:

• هتلر كان على استعداد أن يحرق الكون كله في سبيل أن يجعل من الشعب الألماني هو الأعظم.
• الحكام العرب على استعداد أن يحرقوا شعوبهم في سبيل أن يظلوا على عروشهم.
كيف لهذه الشعوب أن تنهض من تحت حطام التخلف، وكل ما على الكون يقف ضدهم. الحكومة والدول المستعمرة وحتى الشيطان يتآمر ضدهم. وما يزيد من تخلف هذه الشعوب هم كهنة الدين الدجالين فهم يعززون من مكانةالخرافة في عقول الدراويش، ويحركون رماد التناحر الطائفي ليطيلوا عمر سطوتهم وسرقة ثروات الشعوب تحت شعار الدين والطاعة العمياء لولاة الأمر.

إن الأحكام المسبقة هي الجهل بحد ذاته، وتصديق الشائعات والإعلام الممنهجهو التخلف بعينه، والنظرة الدونية واستصغار الآخرين دون التعرف عليهمهو الغرور الفارغ.

ولكي تستطيع أن تصف احساسك بشكل صادق، عليك أن تعيش هذا الإحساس. إن التجربة هي خير برهان ودليل؛ وتجربني مع الشرقيين تتطلبمني الاعتذار على كل حكم مسبق قد أطلقته عليهم قبل أن أزور الشرق؛ ولهذا قررت أن أدون تلك المذكرات كنوع من التكفير عن ذنوب احكامي المسبقة؛ لعلها تخفف عني تبكيت الضمير حول الشعوب الشرقية البائسة والمقهورة.

النهاية…

شارك
المقال السابقصفقة القرن : البيئة والجذور – ج٤
المقال التالىضد من … ولأجل ماذا ؟!
الشاعر السوري لؤي طه، الذي يراوغ رؤاه في كل مرة، ويبحث عن شتات الإنسانية وولع الذات التي تكون حاضرة في أشياؤه وأشياء الآخر. ليس هذا فحسب إنما يسمح لعاطفته أن تقوده إلى كتابة مالا يكتبه الآخر في أمكنة تستنطق الكلمات لتوقظ مساحة البوح. الشاعر لؤي طه، سوري الجنسية من مواليد 1970 يعتبر أن القصيدة توأمة....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد