فردناند دو سوسور وعلم اللغة الحديث


 

لا ينكر أن فردناند دو سوسور من أهم رجالات الدراسات اللغوية الحديثة خاصة وأنه منحها الصفة العلمية التي افتقدتها طويلا . وقد طرح دو سوسوراتجاهات وأفكار في علم اللغة الحديث المعاصر وعلينا دائما أن نقرأ دوسوسوروأفكاره حتى ندرك ما جاء بعده من نظريات ومعلومات .

فردناند دو سوسور – لوحة حياة :

ولد فردناند دو سوسور عام 1857 في أسرة سويسرية من أصل فرنسي معروفة بتقاليدها العلمية من علماء طبيعة وجغرافية وفيزياء وقد أثر هذا المحيط الفكري كثيرا في صياغة تفكير ومستقبل فردناند دو سوسور.

تابع فردناند دو سوسور دراساته التقليدية الكلاسيكية في مدينة جنيف وبرزت لديه نزعة الاهتمام باللغة .امتازت دراسته الجامعية بالاهتمام الزائد بالعلوم البحثية والطبيعية والكيميائية كما اهتم بمعرفة علوم اللاهوت والقانون. ثم غادر جنيف في نهاية دراسته الجامعية متوجها إلى مدينة لايبزغ ليتابع دراسة أربعة فصول دراسية في عاصمة اللغة وتلقى دروسه على الأستاذ كوريتوس المختص بالدراسات الاغريقية ضمن مجموعة من الشباب النابغين الذين شكلوا فيما بعد الحركة اللغوية التي عرفت فيما بعد تحت اسم ” القواعديون الجدد ” .

القواعديون الجدد هم مجموعة من الشباب اشتهروا بالنزعة الوضعية ومن أهم طروحاتهم قولهم بثبات القوانين الناظمة للتغيرات الصوتية . وكان أهم شخصيات القواعديين الجدد بروغمان (27 سنة) و أوستوف ( 30 سنة ) وليسكين (35 سنة).

في لايبزغ درس فردناند دو سوسور اللغات السانسكريتية والايرلندية القديمة والإيرانية والسلافية القديمة والليتوانية طيلة أربع سنوات دراسية كما ساهم في اجتماعات ونشاطات وندوات القواعديين الجدد. في عام 1878 نشر فردناند دو سوسور أهم مؤلفاته ” مذكرة حول النظام البدائي للأحرف الصوتية في اللغات الهندو-أوروبية ” ، درس فيه الأحرف الصوتية في اللغات الهندو-أوروبية وحللها وفي عام 1879 نشر أطروحة بعنوان ” في استعمال حروف الجر في اللغة السانسكريتية ” حيث مالت نحو الطابع الفني والتقليدي .

عاد فردناند دو سوسور إلى فرنسا إذ لم يجد لدى الألمان الحماسة الكافية لدراساته ثم تابع دراسته في باريس لدى ميشيل بريال في المدرسة التطبيقية للدراسات العليا وتابع دراسة اللغة السنسكريتية والإيرانية وفقه اللغة اللاتينية . صادف فردناند دو سوسور وأبحاثه كل الترحيب في باريس وعرض عليه أستاذه بريال أن يحل محله في تدريس علم القواعد المقارن قبل أن يتم عامه الرابع والعشرين .

تعد فترة باريس (1880-1891) فترة نشاط كبير لفردناند دو سوسور فقد انكب على دراسة القواعد المقارنة للغة السلافية والجرمانية واللاتينية وأقام علاقات طيبة مع الكثير من اللغويين الشباب وانتخب أمينا عامل للجمعية اللغوية الباريسية ومشرفا عاما على منشوراتها . أجبره المرض على العودة إلى جنيف ليدرس في جامعة فيينا التاريخ المقارن للغات الهندو – أوروبية وعلم اللغة العام حتى آخر أيام حياته . كانت حياته في فيينا سلبية من الناحيتين الفكرية والعلمية فقد أراد الوصول للكمال في بناء علم اللغة العام ولكن أفكاره الثورية في علم اللغة قوبلت بالرفض وجمعت أفكاره من قبل تلميذيه شارل بالي والبير سيشيهي بعد وفاته في كتاب سمي ” دروس في علم اللغة العام ” .

فكر فردناند دو سوسور

لعبت بيئة فردناند دو سوسور الأسرية ودراسته الأكاديمية في كل من ألمانيا وفرنسا دورا هاما في تكوين فكره وفي محاولته لدراسة اللغة وتحليليها دراسة علمية ويجدر بنا هنا أن ننوه إلى تأثر فردناند دو سوسور بعالم الاجتماع دوركهايم واستقى الكثير من أفكاره وآرائه الفكرية . يتحدث فردناند دو سوسورعن اللغة كظاهرة اجتماعية وأفرد قسما من دراسته للرابطة الاجتماعية التي تكونها اللغة وتنميها ودور الأفراد والمجتمع في التطور اللغوي . كما ركز فردنانددو سوسور على استقلال اللغة عن كل فرد من أفراد المجتمع الذين يتكلمونهارغم أنها وسيلتهم في التواصل ويستحيل أن توجد اللغة خارج أفراد المجتمع وغير مرتبطة بأي فرد على حده بل يخضع لها كل الأفراد والبرهان على ذلك عدم ارتباط تغيرها وتحولها بأحد من هؤلاء .

تأثر فردناند دو سوسور أيضا بأفكار أستاذه ومعلمه أدريان نافيل الذي طور أفكار دوركهايم في الظاهرة الاجتماعية للغة واعتبر القسر أساسا وشرطا من شروط الحياة الاجتماعية وأن اللغة نفسها خاضعة لهذا القسر . فهو يرى في اللغة مؤسسة اجتماعية تخص جميع أفراد المجتمع مع فارق بسيط هو أن الرموز اللغوي غير معلله بينما العادات الاجتماعية معلله وتقوم على أساس علاقات طبيعية .

وتأثر فردناند دو سوسور أيضا بالتيارات النفسية التي سادت عصره فقد كان شديد الاهتمام بالاستبطان الذاتي ورأى فيه وسيلة لمعرفة ما يدور في ذهن الإنسان المفكر. كما ربط الكثير من الوقائع اللغوية بالوقائع الفكرية بصورة بديهية . ورأى أن الرمز اللغوي يجمع بين مفهوم وصورة وليس بين شيء واسم وأن مفهوما معينا يثير في الذهن الإنساني الصورة التي تلائمه وذهب إلى أن اللغة ظاهرة نفسية وأن الرمز اللغوي كيان نفسي. فالرمز غرفة مكون من اجتماع أصوات هي /غ- ر- ف – ـه/ وارتباطها مع بعض بصورة نفسية معينة وليس بالشيء /غرفة/ الذي قد يكون كبيرا أو صغيرا مربعا أو دائريا أخضرا أو ملونا ولو ارتبط الاسم بالشيء لاحتاج المتكلم إلى عدد هائل لا متناهي من الرموز اللغوية . ويظهر أثر التيار النفسي في فكره في مقولته الشهيرة :” بأن في اللغة جانب فردي وآخر جمعي وأن لا مكان للأول دون الثاني” .كما ميز بين اللغة الاجتماعية والكلام الفردي وقال تتم دراسة اللغة على أساس مستويين : الجانب الاجتماعي في أن اللغة اجتماعية في جوهرها ومستقلة عن الفرد ( الدراسة الأساسية) والجانب الفردي في تعلم اللغة والكلام ومعه الجانب الصوتي وهو الجانب النفسي الفيزيائي (Psycho-Physics).

وتأثر فردناند دو سوسور بالتيارات التاريخية والسياسية والاجتماعية والمقارنة السائدة كما تأثر بالدراسات اللغوية السائدة في ذلك العصر أمثال : فون همبولدت ووليم ويتني و أدولف نورن وشكل هؤلاء المفكرون الحديقة الخلفية لأفكار فردناند دو سوسور . ركز دو سوسور على التقسيمات اللغوية لدرجة أن نقاده سموه “الرجل المهووس بالتقسيمات ” فقد حلل الشكل اللغوي ( البنية في تعارضها مع الجوهر) و الرمز اللغوي والفونيم ( أصغر وحدة صوتية ذات قيمة تمييزية بين كلمتين /bas-pas / و / ضرب وترب/ واللغة والكلام والدال والمدلول والعلاقات الأفقية والشاقولية في النظام اللغوي.

اللغة عند فردناند دو سوسور

اللغة هي النظام اللغوي نفسه أو مجموعة القواعد التي تحدد في كل لغة استعمال الأصوات والأشكال ووسائل التعبير النحوي . وهي تشكل نوعا من التجريد يعتبر أساس عملية الاتصال بين البشر ولابد أن يمتلك كل فرد هذا النظام الذي يشكل القواعد المجردة حتى يستطيع التواصل مع الآخرين وفهمهم وتقبل مشاعرهم . اللغة حادثة اجتماعية وهي الأساس وتشكل موضوع علم اللغة .

الكلام عند فردناند دو سوسور

الكلام حادثة فردية شرطها اللغة ومن غير اللغة لا وجود للكلام لكن الكلام هو وسيلة دراسة اللغة واستشراف النظام اللغوي . وحيث أن الوصول إلى عمق اللغة وفقهها يتم عن طريق استقراء الكلام وحذف ما هو فردي من نبرة صوت وعادات عامة يكتسبها البشر عن طريق التعلم يقابل الفصل بين اللغة والكلام فصل بين ما هو اجتماعي وما هو فردي .ويعتقد فردناند دو سوسور أن تطور اللغة لا يتم إلا عن طريق الكلام و التجديد فردي يحدث في الكلام لينتقل إلى النظام اللغوي رغم أن التجديد الفردي خاضع لإمكانيات يتيحها النظام اللغوي .

الدراسة الوصفية للغة وفق فردناند دو سوسور

تهتم الدراسة الوصفية للغة عند فردناند دو سوسور بدراسة اللغة بعيدا أن أثر الزمن بها ويميل إلى دراستها كأي علم من العلوم والغاية من دراسة اللغة كشف النظام الصوتي وتطوره .وقد اعتبر فردناند دو سوسور الدراسة الوصفية للغة الأساس في فهم النظام اللغوي. ويمكننا أن نفهم أهمية الدراسة الوصفية للأسباب التالية :

– رد فعل فردناند دو سوسور على الدراسات اللغوية المعاصرة أنذاك
– أهمية الدراسة الوصفية في فهم النظام اللغوي وكشف خباياه
– اللغة التي يتكلمها البشر هي الحقيقة الوحيدة المتوفرة أمام الباحث اللغوي .
وقد دعم رأيه في الدراسة الوصفية بشواهد من اللغة الألمانية القديمة الفصيحة ناحية جمع الأسماء بإضافة /i / إلى نهاية الأسماء التالية :

Gast,gos,toth,fot,hant.

الدراسة التاريخية للغة وفق فردناند دو سوسور

تهتم الدراسة التاريخية للغة بدراسة التتابع الزمني ودراسة العلاقات التي تربط بين الكلمات المتتابعة التي لا يدركها وعي جماعي واحد والتي يحل بعضها محل بعض من دون وجود نظام بينها . تكشف هذه الدراسة تأثير الزمن باللغة ومجالها هو التغير اللغوي أو تبدل اللغة وكذلك المراحل المختلفة في تطورها . يذكر فردناند دو سوسور أمثلة على التطور التاريخي للكلمات من اللغة الألمانية فمثلا كلمة hantiتطورت وصارت henti ثم henteثم hende إلخ … وقد تعرض هذا المنهج للكثير من الانتقاد من قبل المختصين .فمثلا كيف يمكن تقديم الأدلة الوصفية طالما أن اللغة في تطور مستمر ؟ وكيف نحدد الفواصل الزمنية بين حقبة وأخرى ؟ وما هو مصير البقايا اللغوية القديمة ومكانها في اللغة الحديثة ؟

نظرية الرمز اللغوي عند فردناند دو سوسور

الرمز الصوتي لدى فردناند دو سوسور له طبيعة نفسية له وجهين يربط بينهما رابط يجمع بين المفهوم والصورة الصوتية وليس بين شيء واسمه ويرى أن الصورة الصوتية ليست الصوت المادي للكلمة بل الانطباع أو الأثر النفسي الذي تتركه في الدماغ. يسمي فردناند دو سوسور المفهوم مدلولا والصورة الصوتية دالا يجمع بينهما الرمز اللغوي . الرمز اللغوي ” ماء ” يجمع بين مفهوم الماء وبين أثر الصورة الصوتية المكونة من اجتماع الحروف / م/ و /ا/ و/ء/ في الدماغ. وأكد أنه لا يمكن الفصل بين الوجهين ( المفهوم ) و( الصورة الصوتية ) وقال إن العلاقة بينهما تشبه وجهي قطعة النقود يكملان بعضهما .

ويعد هذا التعريف للرمز اللغوي أساس علم المعاني الحديث الذي يفترض أن ليس هناك أي مفهوم أو فكرة من دون وجود رمز لغوي يحدد مدلولا ما ضمن كتلة المعاني غير المنتظمة . ونحن نستطيع أن نقتطع من كتلة المعاني هذه مفاهيم وأفكار ضمن حدود تدل عليها وتشكل الكتلة الصوتية مادة يمكن تقسيمها إلى أجزاء مميزة في حدود ارتباطها بمدلول ما .

ويتميز الرمز الصوتي عند فردناند دو سوسور بالمزايا التالية :

– غير معلل: فالرابط بين الدال والمدلول مستحيل التعليل إذ لا يوجد أي علاقة طبيعية بين مفهوم ” أخت ” والأصوات المكونة لها وهي /أ/ و/خ/و/ت/ وهذا التعبير مختلف في لغات العالم المختلفة .
– تتابعي : الدال ذو طبيعة سمعية ويجري ويتطور عبر الزمن مما يجعل الرموز الصوتية عبارة عن سلسلة تجعل الرمز اللغوي والبنية اللغوية قابلة للتحليل والقياس الكمي .
– ثابت وقسري: وحيث أن اختيار الدال يتم بحرية مطلقة بالنسبة للمفهوم أو الفكرة إلا أنه ليس كذلك بالنسبة للجماعة التي تستعمله إذ أنه يشكل جزءا من ميراث ينتقل عبر الأجيال ويفرض نفسه على الأجيال اللاحقة التي لا يستشيرها أحد في استعماله ولا تستطيع تغييره لكونها مرتبطة بمنظومة النظام اللغوي ككل ولهذا السبب نجد في منطقة اللاذقية مثلا من يتحدث حتى اليوم باللغة الفينيقية القديمة رغم مرور السنين .
– التمييز : يعمل الرمز الصوتي أثناء وجوده وغيابه فالرمز الصوتي “حصان” يعني حصانا لا أكثر ولا أقل وهو يحمل تلك الدلالة نتيجة لتميزه عن بقية الرموز اللغوية . وهذا ما قصده فردناند دو سوسورعندما قال : “الرمز اللغوي سلبي وتمييزي” فالرمز اللغوي حصان تزيح كل مفاهيم اللغة الدالة على مفهوم حصان . وقد فسر فردناند دو سوسور صفة التمييز بمفهوم القيمة إذ قال : ” يتكون الجزء الفكري في الرمز اللغوي من علاقات وفروق فقط تقوم بينه وبين الرموز الأخرى .” الصفة التمييزية هي التي تجعل الرموز الصوتية تتعارض مع بعضها ليدك كل رمز على شيء محدد بعينه دون غيره فالفرق الصوتي بين /pardon/ و /lardon/ يرتكز على الفرق بين الصوتين الأوليين للرمزين اللغويين وهو فرق وتعارض كاف ليعطي مدلولين مختلفين .
وفي هذا المذهب الفكري خالف فردناند دو سوسور مفاهيم أفلاطون السائدة حول الرمز اللغوي وقد عاكس افلاطون في رأيه الذي يقول هناك علاقة بين الاسم والشيء.

النظام اللغوي عند فردناند دو سوسور

اعتبر فردناند دو سوسور ومن اتى بعده أن اللغة نظام لغوي واعتنوا بدراسة العناصر المكونة له وعددها ووظائفها وعلاقاتها المتبادلة والأليات المعقدة التي تجعل من اللغة وسيلة تواصل وأكد فردناند دو سوسور أن ” النظام اللغوي مجموعة متماسكة ” وأن دراسة النظام هي المهمة الأولى للباحث اللغوي الوصفي ورفض فكرة العنصر اللغوي المنعزل ورأى أن تعريف هذا العنصر يتم على أساس علاقته بالعناصر الأخرى ووظيفته في النص وطرق الاشتقاق والبنية الصوتية وليس على أساس شكله .

يشبه فردناند دو سوسورالنظام اللغوي بلعبة الشطرنج. في لعبة الشطرنج تعرف الأحجار حسب وظيفتها التي تحددها قواعد اللعبة بينما يلعب شكلها الظاهري دورا ثانويا. إن شكل الجندي أو القلعة أو الفيل أو الوزير أو غيرها يمكن أن يختلف باللون أو المظهر أو المادة لكن قواعد اللعبة مصانة دائما . المهم أن تظل أحجار اللعب مختلفة عن بعضها البعض لتجنب الغموض . وقيمة أحجار الشطرنج ليست في مادتها بل في وظيفتها وعلاقاتها ونقصد هنا القواعد التي تحكم مواقعها على الرقعة وتنقلاتها وتأثيرها . ويرى فردناند دو سوسور أن النظام اللغوي محكون بنوعين من العلاقات هما : العلاقات الأفقية والعلاقات الشاقولية .

تشمل العلاقات الأفقية العلاقات بين عناصر الجملة المكتوبة والمنطوقة والعناصر السابقة والعناصر اللاحقة وقيمة العنصر ووظيفته هي بالنتيجة حصيلة علاقته مع عنصرين .

مثال:

S’il fait beau temps,nous sortirons.

If it is beautiful, we will go out.

سنخرج إذا كان الجو جميلا .

وتشمل العلاقات الشاقولية العلاقات بين عناصر الجملة المكتوبة والمنطوقة مع عناصر غائبة عن النص إذ أن كل عنصر يثير لدى المتحدث أو المستمع صورا شتى لعناصر أخرى .

مثال:

الرمز اللغوي “حب” على علاقة غير مرئية برموز لغوية أخرى نجدها في قاموس المترادفات : عشق ، غرام ، هوى ، صبابة ، جوى ، هيام ….الخ . هذا من حيث المضمون الدلالي أما من ناحية الشكل فالفعل ” أحب ” على علاقة غير مرئية مع الفعل ” يحب ” والفعل ” سيحب” .

ولهذا السبب يكون معنى ” حب” ووظيفتها اسم يدل على درجة عاطفة معينة يحددها موقعها في الجملة من ” عشق ، غرام ، هوى ، صبابة ، جوى ، هيام ….الخ” ويمكن أن نفهمها من خلال علاقتها مع بقية العناصر القريبة منها والمرتبطة بها كما أن قيمة الفونيم ” أ” في ” أحب ” تشير إلى الماضي في حين أن قيمة الفونيم “يـ” في “يحب” تشير الى الحاضر وقيمة الفونيم ” سـ” في ” سيحب ” تشير إلى المستقبل. وهذا يدل على أهمية الشكل في اللغة لأنه يؤثر على الجوهر كما يدل على أن العناصر اللغوية ذات قيمة تعارضية وهي لا تعتبر رموزا إلا بالقدر الذي تتميز به عن بعضها البعض . الوحدات اللغوية مختلفة واختلافها يميزها ليعطيها قيما مختلفة . انظر الجدول التالي الذي يحتوي مجموعة من الرموز اللغوي من اللغتين العربية والفرنسية :

ألم
ظلم

boule

poule

ألم
علم

foule

poule

ألم
قلم

coule

poule

ألم
ثلم

moule

poule

في مجموعة اللغة العربية نجد أن الفروق في الفونيم الأول من الرمز اللغوي وهذا الفونيم يغير المعنى للرمز الصوتي ويعطيه قيمة مختلفة ويميزه عن غيره وفي مجموعة اللغة الفرنسية يتغير الفونيم الأول فيعطي الرمز اللغوي معنى جديدا .

وعلى هذا المنوال تتغير الكلمات وتتطور بتطور التكنولوجيا فمثلا نجد أن المفردات التي لها علاقة بوصف السيارات أو الموصلات أو الدراجات أو الهواتف الذكية تتطور بسرعة خيالة وكل مفردة تدل على مفهوم مختلف وتتميز عن غيرها من المفردات وينطبق ذلك المفردات اللغوية بين الفصحى والدارجة واللهجات . وتنشأ الكلمات الجديدة في معظم الأحيان من النحت والاشتقاق من مفردات قديمة تدخل في تكوين المفردات الجديدة لتعطيها معنى جديدا مميزا .

ويعد مفهوم النظام اللغوي فكرة قديمة ارتبطت أولا بالفكر الفلسفي والرياضيات وعلم المنطق والرياضيات منذ الاغريق واستمرت حتى يومنا هذا . في البدء تحدث غاليلو عن النظام على أنه مجموعة أشياء مترابطة فقد تحدث غاليلو وكوبرنيكوس وأرسطو وسقراط عن النظام العصبي والنظام العضلي والنظام الفلسفي . يقول جيمس هاريس (1751) : ” نستطيع أن نعرف اللغة بأنها نظام أصوات منطوقة ترمز لأفكارنا ” ويذكر تورت أن ” اللغة كنظام كل شيء فيها مرتبط بالآخر ” أما بوب فقد تحدث عن “النظام في أنظمة الفعل الألمانية ” .

علينا أن نعترف بأن فردناند دو سوسور وأفكاره أساس علم النفس الحديث والمعاصر وكل ماء جاء بعده انطلق منه وطوره سواء في مجال علم اللغة الوصفي أو النظام اللغوي المتواجد لدى المتحدث والمستمع .

لقد رسم فردناند دو سوسور معالم الطريق للبحث اللغوي وتطوره وكان قد سبقه إليه عالم عربي آخر هو ابن الأنباري الذي مزج بين الرياضيات والنظام اللغوي ولكنه ما يزال مادة خام . لقد تأثرت المدارس اللغوية الحديثة / الوظيفية والتوزيعية والتوليدية التحويلية فأفكار فردناند دو سوسور وآرائه وأصالته في التنوير الفكري.

نشير هنا إلى أن المدرسة التوليدية التحويلية انتقدت بعض أفكار فردناند دو سوسور واعتبرت فكرته عن اللغة ناقصة مفترضة أن اللغة لا تتكون فقط من مجموعة قواعد مجردة تكتسب بالتعلم بل بتدخل الابداع اللغوي فيها وقدرة المتعلم على فهم جمل لم يسمعها من قبل.

في البداية لاقت افكار فردناند دو سوسور النقد والرفض والاستنكار من معاصريه لكن فيما بعد ترجمت كتبة إلى اليابانية (1928) ثم الألمانية (1931) ثم الروسية (1933) ثم الإسبانية (1945) ثم الإنكليزية (1959) ثم البولندية (1961) ثم الهنغارية (1967)

وبين الفلاسفة كان أول من اهتم به الفيلسوف ليفي شتراوس (1945) الذي نشر عنه بحثا في مجلة ” كلمة ” تحت عنوان “التحليل البنيوي في علم اللغة والأنثروبولوجيا” حيث اعتبر شتراوس أن علم اللغة هام ورائد كبقية العلوم الإنسانية.

لقد كان فردناند دو سوسور علما مهما من اعلام علم اللغة الحديث والمعاصر لا يمكن أن ينكر دوره في تطوير المنظومات اللغوية والصوتية التي يمجدها حاليا على اللغة الحديث في مختلف البلدان .

* مراجع

1.Ferdinand de Saussure,Cours de Linguistique Generale 1973, payot, Paris ,France.

2.Georges Mounin : Ferdinand de Saussure ,1968, PUF, Paris,France.

3.John Lyons : Linguistique Generale ,Introduction de la linguistique Theorique ,1970,Larousse , Paris ,France.

لا تعليقات

اترك رد