مؤشرات الديموقراطية في دول العالم لعام ٢٠١٧


 

الديموقراطية، مصطلح جميل لامع براق، البعض من دول العالم تعتبر نفسها هي الأقدم و الإرقى و الأكثر خبرة في مجالات تطبيق هذا النظام السياسي، كما هو الحال في بريطانيا و أميركا و فرنسا و معظم دول العالم الأول كأوربا و الدول الإسكندنافية، كما تعتبر نفسها اليوم مسؤولة عن نشر هذا النظام و التبشير به في كثير من دول العالم الأخرى، و تعتبر نفسها القيّمة على مراقبة تنفيذه في البلاد الأخرى الأصغر و الأقل شأنا و الأضعف حالا و هي بالطبع دول العالم الثالث كان الله في عونهم، إن لم يكن خيارا و إذعانا من الدول الصغيرة و الضعيفة خاصة، فعنوة و بقوة السلاح رغما و غصبا ..

مثلا، جاء بوش الصغير ، هو و عصابته إلى العراق بدباباته و طائراته، و هي محملة بالزهور و الديموقراطية الغربية الأمريكية، و هي معبأة بعلب السيلوفين، و أراد أن يقدمها هدايا للشعب العراقي، جاء فدمر البلاد و شرد و قتل العباد، و رمى بضاعته الفاسدة فتلقفها أولاد الشوارع الذين جاؤوا من كل حدب و صوب، ليتوجهم المحتلون قادة جدد في العراق تحت الظل الوارف لهذه الديموقراطية الزائفة ..

و هاهم الآن يتاجرون، يبيعون و يشترون بأرواح و شرف و أجساد و دماء أبناء العراق و أموالهم، تحت شعار الديموقراطية، و معهم مئات الأحزاب و الصحف و محطات التلفزيون، و معهم نصف الشعب العراقي مشرد و مهاجر و مهجر، و آلاف مؤلفة بين قتيل و جريح، و مليارات الدولات سرقت و لا زالت تسرق لحد يومنا هذا من ميزانية هذا البلد المبتلى، كل ذلك تحت شعار، الديمواقراطية الغربية المشوهة المنقوصة، و وصل الحال بعراق الديموقراطية الجديدة أن يستجدي العطف و المعونة و المساعدة لإعادة إعمار ما دمره الإحتلال و أعوانه، و ذهب العراقيون إلى مؤتمر المانحين و المتصدقين في الكويت، و ما أكبرها من مذلة للديموقراطية الجديدة في العراق ..

كذلك الحال في أفغانستان، و العديد من الدول العربية و الإسلامية، التي شاءت الإرادة الأمريكية و الغربية أن تقلب أنظمتها رأسا على عقب، و تقلب أوضاعها و أمورها رأسا على عقب، كل ذلك من أجل عيون هذه الديموقراطية، و هذا ما شاهدناه في ما يسمونه بالربيع العربي، أو الإنتفاضة العربية التي إنطلقت تقريبا عام ٢٠١١ لتنتشر كالنار في الهشيم في العديد من الدول العربية، لتخلف دولا بلا قيادات و لا أنظمة سياسية، و لتنقلب قيادات و شخصيات مشبوهة و تتولى زمام الأمور في العديد من هذه البلاد، و ليقتل عدد من القادة و الرؤساء، و لتدمر البلاد و يشرد و يهجر

العباد، و لا زال المسلسل مستمرا، هذا ما رأيناه في سوريا، مصر، اليمن، ليبيا، و تونس، و كما أشرنا قبلها في العراق و أفغانستان ..

قبل فترة قصيرة أصدرت وحدة التحليل و الأبحاث التابعة لمجلة الإيكونومست الدولية الشهيرة تقريرها السنوي عن حال الديموقراطية في عالمنا لعام ٢٠١٧، تضمن التقرير تحليلا دقيقا لعدد من العوامل و العناصر و المتغيرات التي تؤشر مدى إلتزام أو إقتراب أو إبتعاد دول العالم في تطبيقها و إلتزامها بهذه المؤشرات و المعايير، علما أن عدد الدول المشمولة بهذه الدراسة كانت ١٦٧ دولة و هي تمثل تقريبا كل دول العالم بإستثناء الدول و الولايات الصغيرة جدا، تم ترتيبها تنازليا إبتداءا من الدول الأكثر ديموقراطية في عالم اليوم، و حسب المؤشرات و المحددات التي جاءت بها هذه الدراسة، و نزولا إلى الدول الأسوأ في عالم الديموقراطية الزاهي، أو إن شئنا الدول الأوتوقراطية أو الديكتاتورية، على الأقل برأي قادة دول العالم الديموقراطي الذي نعيشه اليوم، و برأي هذه الدراسة الصادرة عن مجلة بريطانية عريقة، و تعتبر بريطانيا من أعرق التجارب الديموقراطية في العالم حسب علمنا ..

لم يكن غريبا أن نجد نفس الدول تقريبا في قمة ترتيب القائمة التي خرجت بها هذه الدراسة، و هي الدول الأوربية و الإسكندنافية إضافة إلى نيوزيلاند و آيسلند و أستراليا و كندا، فقد إعتدنا أن تتربع هذه الدول على قمة الترتيب و القوائم في العديد من الدراسات الدولية التي تنجزها المنظمات الدولية المختلفة ..

جاءت النرويج في قمة ترتيب دول العالم الديموقراطية، كأفضل نظام و تطبيق للديموقراطية في العالم، يتبعها كل من آيسلاند، السويد، نيوزيلاند، دانمارك، آيرلاند، كندا، أستراليا، فنلندا، سويسرا، و هولندا التي جاءت بالترتيب ١١، كما جاءت بريطانيا في الترتيب ١٤، و أميركا زعيمة الديموقراطية في العالم، إن شئنا أم أبينا، في الترتيب ٢١ مكرر، و إسرائيل زعيمة الديموقراطية في الشرق الأوسط أو كما تدعي أحيانا البلد الديموقراطي الوحيد هناك، في الترتيب ٣٠ مكرر ..

و جاءت الهند، أكبر ديموقراطية في العالم من حيث عدد السكان و الناخبين، في المرتبة ٤٢، كما جاءت روسيا في الترتيب ١٣٥، و الصين في المرتبة ١٣٩، أما أكبر ديموقراطيتين في منطقة الشرق الأوسط و اللاتي تعتبران منقوصتان و غير مقبولتان من قبل ديموقراطيات الغرب، و هما تركيا و إيران، فقد جاءت تركيا في المرتبة ١٠٠، و إيران في المرتبة ١٥٠ و هي قريبة جدا من منطقة الخطر في قعر قائمة الترتيب الدولي ..

كذلك لم يكن غريبا أن نجد كل من سوريا و كوريا الشمالية في قعر هذا الترتيب و آخر هذا الجدول، حيث حصلت سوريا على الترتيب ١٦٦، و كوريا على الترتيب الأخير ١٦٧، و بالمناسبة هاتين الدولتين تحاربان العالم اليوم، و لا أظن أن أي دولة في حالة حرب يصح عليها تطبيق معايير الديموقراطية، فظروف الحرب غير ظروف السلم و الأمن و الأمان و الرخاء ..

حال الديموقراطية في العالم العربي لا يسر عدو و لا حبيب، بل تدمع له العين و يدمي له القلب و يندى له الجبين، و نحن في بداية قرن جديد و ألفية جديدة نجد العرب في حسابات الديموقراطية

متخلفين و بعيدين جدا عن كثير من دول العالم و هذا الحال كحالهم و وضعهم في أمور و جوانب كثيرة، و إذا أعتبرنا أن الديموقراطية كنظام سياسي يعتبر مقياسا للتطور و الحضارة و المدنية، إن صح ذلك و أنا أشك و أشكك في ذلك، عندها نجد أن على العرب مراجعة إنجازاتهم و نقاط الخلل و التقصير، و محاولة إصلاح ما يمكن إصلاحه عسى و لعل يمكنهم اللحاق بالركب، و لو متأخرين، إن لم يكن متأخرين جدا ..

تونس، البلد العربي الرائد فيما يسمونه بالربيع العربي، كانت الدولة العربية الأعلى في سلم الديموقراطية العالمي، حيث جاءت في المرتبة ٦٩ مكرر و تقاسمت هذه المرتبة مع سنغافورا، و من المغرب العربي أيضا، جاءت المغرب في المرتبة ١٠١ مكرر، تبعتها لبنان في المرتبة ١٠٤ و بعدها و يا للغرابة دولة فلسطين في المرتبة ١١٠ على الرغم من إنها لا تمتلك شيئا من مقومات السيادة و الدولة المستقلة مع الأسف الشديد ..

العراق، بلد الديموقراطية الأمريكية الزاهية، جاء تاليا و بالمرتبة ١١٢، و كما يبدو فأن بذور الديموقراطية الأمريكية الغربية التي بذرتها و زرعتها أميركا أبان الإحتلال عام ٢٠٠٣، لم تزهر و لم تورد على الرغم من مرور ١٥ عاما من هذا الإحتلال، و على الرغم من فقدان و سرقة المليارات من أموال البلد، و قتل و تشريد و تهجير الملايين من أبناء الشعب، و تدمير عدد من المدن، كل هذا الثمن الفاحش لم يأت بأي نتيجة ليكون العراق متقدما و متميزا في عالم الديموقراطية الزاهي الذي أراده الغرب أو على الأقل إدعى ذلك، و الذي كان غطاءا و مبررا للإحتلال و كل ما يحصل هناك ..

الأردن جاء في المرتبة ١١٧ مكرر، و الكويت ١١٩ متقدمة على دولة ماينمار الحديثة في عالم الديموقراطية و التي يحكمها العسكر، و التي إشتهرت بجرائمها في قتل و إبادة المسلمين من أبناء البلد هناك ، على الرغم من ذلك فقد تقدمت عن كثير من الدول العربية التي تجمعت و للأسف في الجزء الأخير من القائمة ..

الجزائر جاءت في الترتيب ١٢٨، بعدها مصر و في الترتيب ١٣٠، و التي يحكمها العسكر كذلك، و التي خاضت تجربة في الإتجاه المعاكس للديموقراطية حيث تمكن العسكر و من خلال إنقلاب عسكري من إزاحة الرئيس المنتخب ديموقراطيا، د. محمد مرسي، و سجنه منذ عدة سنوات، تحت شعار إنتمائه للإخوان و عدد من التهم الأخرى التي لم يمكن إثباتها رغم مرور هذه السنوات الطوال، و على الرغم من ذلك فأن الرئيس المصري الحالي الجنرال السيسي يحضى برعاية خاصة من راعية و حامية حمى الديموقراطية في العالم، أميركا ، بالرغم من كل ما يحصل هناك ..

قطر جاءت في المرتبة ١٣٣ مكرر، و عمان في المرتبة ١٤٣، و من ثم البحرين ١٤٦، و بعدها الإمارات ١٤٧، و من ثم ليبيا بلد اللادولة في الترتيب ١٥٤، و السودان ١٥٥، و اليمن بلد اللادولة أيضا في الترتيب ١٥٦ ..

مما يثير الإستغراب و التعجب أن تستقر السعودية في آخر ترتيب للبلاد العربية و أسوأها، عدا سوريا طبعا، حيث جاء ترتيبها ١٥٩ مكرر، و تقاسمت هذه المرتبة مع دولة طاجاكستان، و

أعتقد أن على السعودية، خاصة و إنها تعتبر نفسها الآن قائدة للعالم العربي و الإسلامي، أن تدرس جيدا نتائج هذه الدراسة، و المرتبة المتدنية جدا التي حصلت علىها في سلم الديموقراطية، و أن تعمل بجد على معالجة نقاط الخلل و التقصير التي تسببت في ذلك ..

تشير الدراسة إلى أن البيانات التي جمعت و تم تحليلها من الدول ال ١٦٧ الخاضعة للبحث، تم تحليلها و تصنيفها وفق خمسة معايير رئيسية هي، العملية الإنتخابية، الحريات المدنية في البلد، نشاط و فعاليات الحكومة، المشاركة السياسية، و المجتمع و التكوينات السياسية في تلك الدول ..

كما صنفت النتائج إلى أربعة مستويات للديموقراطية حول العالم هي، الديموقراطيات الكاملة المتكاملة و كان عددها ضمن عينة البحث ١٩ دولة تمثل نسبة ١١،٤ ٪ من عدد الدول الخاضعة و يبلغ عدد سكانها ٤،٥ ٪ من سكان العالم أجمع، الديموقراطيات الناقصة غير المتكاملة و بلغ عددها ٥٧ دولة تمثل نسبة ٣٤،١ ٪ من الدول الخاضعة و عدد سكانها ما يعادل ٤٤،٨ ٪ من مجموع سكان العالم، و الأنظمة الهجينة و عددها ٣٩ دولة تمثل نسبة ٢٣،٤ ٪ من الدول الخاضعة للدراسة و مجموع عدد سكان يبلغ ١٦،٧ ٪ من سكان العالم، و أخيرا الأنظمة السلطوية الدكتاتورية و عددها ٥٢ دولة تمثل نسبة ٣١،١ ٪ من عدد الدول الخاضعة و نسبة ٣٤ ٪ من عدد سكان العالم ..

و كما يبدو من الأرقام أعلاه، فأن هناك ١٩ دولة فقط في العالم لديها تطبيق كامل متكامل للنظام الديموقراطي، و هذه الدول التي تبلغ كثافتها السكانية فقط ٤،٥ ٪ من مجموع سكان العالم، هي تحاول أن تفرض على ما يقارب من ١٥٠ دولة أخرى أن تلحق بالركب، و هي تنظر إلى ما يقارب ٩٥ ٪ من سكان العالم الآخر، غير الديموقراطي بالشكل المطلوب، نظرة فيها من التعالي أو الإستعلاء الكثير، و تطالبهم أن يلحقوا بالركب ..

ركزت الدراسة في جانب مهم منها على حرية التعبير و الرأي و حرية الإعلام و الصحافة، و أعتبرته واحدا من أعمدة الديموقراطية المهمة في أي بلد ديموقراطي، و بخلافه لا يمكن أن تتنفس الديموقراطية صحيا في ذلك البلد، حيث أشارت إلى أن هناك ٣٠ دولة فقط ضمن عينة البحث ممن يمكن إعتبارها تتمتع بحرية كاملة للتعبير و الرأي و الإعلام، و هم يمثلون ١٨ ٪ فقط من الدول المشاركة، و يمثلون فقط ١١ ٪ من عدد سكان العالم ..

٤٠ دولة أخرى تعيش في مجال حريات جزئية منقوصة في مجالات الإعلام و الرأي ، و هم يمثلون ٢٤ ٪ من الدول المشاركة، و عدد ٣٤،٢ ٪ من سكان العالم ..

٥٠ دولة أخرى تفتقد حريات الرأي و الإعلام و التعبير بشكل كبير، و هم يمثلون ٢٩،٩ ٪ من إجمالي الدول المشاركة، و بنسبة ١٨،٩ ٪ من عدد سكان العالم ..

المتبقي و هو ٤٧ دولة تعيش في جو كامل من إنعدام حريات الرأي و التعبير و الإعلام، و هي تمثل ٢٨،١ ٪ من الدول المشاركة، و حوالي ٣٥،٩ ٪ من سكان العالم ..

و كما يبدو و نفهم من الأرقام أعلاه فأن نصف العالم تقريبا لا زال يعيش في نظام يفتقد للحريات و

خاصة في مجال الإعلام و إبداء الرأي و التعبير، و للأسف الكبير فأن مجمل بلادنا العربية تقع كلها ضمن هذه المجموعة ..

و قد أستحوذت عشر دول على قمة الترتيب العالمي لحريات الإعلام و الرأي و التعبير، و هم كل من : أستراليا، كندا، الدانمارك، فنلندا، آيسلاند، آيرلاند، لوكسيمبورغ، نيوزيلاند، السويد، و الولايات المتحدة الأميريكية ..

في حين تسابقت الدول التالية للحصول على آخر و قعر و أسفل الترتيب العالمي، كعب الدست كما يقولون، ما معناه الإنعدام الكامل لحريات الإعلام و الرأي و التعبير فيها، و هي : أذربيجان، بيلاروس، الصين، كوبا، غينيا الإستوائية، أرتيريا، أثيوبيا، كوريا الشمالي، المملكة العربية السعودية، سوريا، طاجكستان، تركيا، تركمانستان، و أوزبيكستان، حيث يظهر بلدان عربيان هناك، و تتواجد بقية البلاد العربية في مستويات أعلى قليلا لكنها كلها في منطقة إنعدام أو ضعف الحريات، و هذا ما يقلق له و يحتاج إلى إهتمام و عناية خاصة من القادة العرب و رجال السياسة و الإعلام العرب ..

بالرغم من مرور سنوات و عقود طويلة منذ بدء تطبيقات النظام الديموقراطي، إلا أننا نجد أنه يصبح يوما بعد آخر و كأنه محصورا بيد قلة قليلة في هذا العالم، تحاول إستغلال أدوات الأمم المتحدة و المنظمات الدولية الأخرى كصندوق النقد الدولي و البنك الدولي، و تستخدم العقوبات الدولية و التهديد، لفرض تطبيق ما تسميه بالنظام الديموقراطي، و نحن كما نعرف الديموقراطية الغربية جاءت و نمت و تطورت عبر عشرات أو مئات من السنوات، و لا يمكن فرضها و تطبيقها بين ليلة و ضحاها، كما يراد أن يكون في العراق أو مصر أو أفغانستان مثلا ..

الديموقراطية الغربية نفسها لا زالت حتى في تلك البلاد الغنية المثقفة المتعلمة، و التي ترى نفسها الأعلى شأنا و الأرقى مرتبة من غيرها، لا زالت تعاني من العديد من النواقص و جوانب الخلل، و هي بالتأكيد ليست النظام الأمثل، لكنه الأفضل ربما من بين الأنظمة و التطبيقات المتاحة حاليا على الأقل، خاصة بعد فشل الأنظمة الشيوعية، و أنظمة دول عدم الإتحياز، و غياب نظرية الطريق الثالث للقذافي، و غيرها، و البعض الآن يروج لنظام الحكم الإسلامي الذي ربما يأخذ قليلا من هنا و هناك، و لديه بعض التطبيقات في عدد من الدول، لكن بإعتقادي لا يوجد حاليا أي نظام سياسي ممكن أن ينافس النظام الديموقراطي الغربي ..

الجميل أن الدراسة في بعض ما أفرزته من نتائج تؤيد ما ذهبنا إليه آنفا، و تضيف بأن الديموقراطية تعاني منذ سنوات حتى في دار أهلها و أقوى الديموقراطيات الغربية تاريخيا و المتمثلة بعدد من دول أوربا الغربية و أميركا، بل أن بعض السياسيين و المثقفين يذهب إلى القول أن النظام الديموقراطي في طريقه للزوال و الهلاك، و البعض يؤرخ هذه الظاهرة مع نشر أول نسخة من هذا التقرير عام ٢٠٠٦، و تشير الدراسة بشكل غير مباشر إلى أن أهم أزمات أو ضربات وجهت للديموقراطية الغربية خلال السنوات الأخيرة هو فوز ترامب الغريب في الإنتخابات الأمريكية، و قرار بريطانيا الغريب بالإنسحاب من الإتحاد الأوربي ..

و تشير الدراسة إلى أن هذا التدهور و الإضمحلال في تطبيقات الديموقراطية و إنجذاب و إحترام

المواطن لها يعود إلى عدد من الأسباب، أهمها :

* إنخفاض مستوى المشاركة الشعبية في الإنتخابات و السياسة بشكل عام ..

* الضعف الواضح في النشاطات و الفعاليات الحكومية خاصة تلك الداعمة للديموقراطية و تطبيقاتها ..

* إنخفاض و تدهور الثقة بالمؤسسات الحكومية و السياسية ..

* تدهور و إنخفاض مستوى التمثيل و القبول و المشاركة الحزبية ..

* تزايد و تصاعد قوة الشخصيات و الأجهزة و المؤسسات الحكومية و السياسية غير المنتخبة، بما في ذلك التشكيلات و المؤسسات الإستشارية، و منافستها لقوة الأجهزة و المؤسسات و الشخصيات المنتخبة، و تحت حجج و ذرائع مختلفة ..

* تباعد المسافات و تزايدها و ضعف العلاقات ما بين السياسيين و الناخبين ..

* تدهور و تناقص حجم الحريات في مجالات الإعلام المختلفة، و تزايد حجم و تنوع أجهزة و قوانين الرقابة تحت ذرائع و حجج مختلفة ..

* تدهور و تراجع الحريات المدنية و حرية إبداء الرأي و النقاش و الحوار و حرية الكلام بشكل عام ..

و برأيي الشخصي أن من أهم أسباب هذه التدهور في تطبيقات و إستخدامات الديموقراطية حتى في عقر دار الدول الغربية أمهات الديموقراطية الأول، هو إنتشار الفساد و توسعه بشكل غريب و مريب، و تدخل الأغنياء و رجال الأعمال و إستحواذهم على سلطات و قوة كبيرة و مهمة على مستوى الدولة، مما يجعل كلمتهم هي العليا و الطاغية لأي كلام أو سلطات أخرى لشخصيات و أجهزة منتخبة، مما يمكنهم أن يتدخلوا في القرارات و تشكيل الأحزاب و الأنظمة و التعليمات، بحيث يمكنهم ذلك من تفصيل نظام الدولة بما يتماشى مع مصالحهم و إهتماماتهم، و لنا في تجارب الفساد في أميركا و البرازيل و الأرجنتين و جنوب أفريقيا و العراق و مصر و غيرها أمثلة على كيفية تقويض الأنظمة السياسية هناك و تأثير ذلك سلبا على مكتسبات و حقوق إجمالي المواطنين العاديين، كما أن تجربة فوز ترامب الغريبة و غير المتوقعة في الإنتخابات الأمريكية لا زالت تعتبر واحدة من أكبر الإنتكاسات في تطبيقات الديموقراطية، لا سيما في الدولة التي تعتبر نفسها الراعية للرأسمالية و الديموقراطية في العالم ..

لا تعليقات