إعادة إعمار الإنسان ونظام حكمه قبل أيّ إعمار آخر

 

يناقش المجتمع الدولي من دول ومنظمات ومؤسسات وشركات استثمارية خاصة، خطط إعادة إعمار المناطق التي تم استعادتها من سطوة الدواعش الإرهابيين. وينعقد لهذا الغرض مؤتمر الكويت بين يومي 12-14فبراير .. حيث تذكر الأخبار أن العراق تقدم بطلب يفوق الـ88مليار دولار ولم يتحصل في اليوم الأول إلا على ما يزيد قليلا عن الـ300 مليون…

ومادياً هناك خسائر في البنية التحتية تصل ببعض المناطق إلى حجم الـ100% وبين 138ألف مبنى متضررة هناك 50% منها مدمرة بالكامل.. فضلا عن وجود 3.3 مليون عائد وبقاء 2.6مليون نازح لم يعودوا بعد.. وأذكّر هنا بأن من عاد قسم مهم منهم عاد بالإكراه وبالمجمل يخضعون لتهديدات وأشكال ابتزاز سواء من ظروف العيش نفسها حيث الخراب الشامل أم من طابع الحماية الأمنية بتعدد مرجعياتها وعقائدها الحزبية السياسية بما يفرض توجهاً وسلوكاً يتقاطع والأمن جوهرياً كما يثير احتقانات ويجدد إشعال فتيلها…

لا ننسى هنا أن أغلب أبناء المناطق المتضررة هم بين شيوع الأمية والتجهيل ومنطق الخرافة بخاصة الجيل الأكبر سناً وبين إشاعة الأمية وترك التعليم وسط الجيل الجديد حيث لا مدارس بعد تهديمها وتخريبها وبعد نزوح كادر التعليم والإدارات، دع عنك مشكلات العيش التي يجابهها الجميع…

وثارت في مجتمعات النزوح مشكلات اجتماعية عويصة وآثار نفسية خطيرة، لا توجد لها مراكز متخصصة كما أن السلطة مازالت هشة ويغلب عليها الضعف والتفكك وتنطبع بالصراعات والخضوع للأزمات المتوالدة..

حكومة أحزاب الطوائف ليست أكثر من غطاء مافيوي لطبقة الكربتوقراط المتحكمة بالوضع العام. حتى أن مقدار ما أُهْدِر من أموال ونُهِب لا تحده أسقف يقبلها تخيل.. إنها تتجاوز مئات المليارات وإذا ما أحصينا الأمور بدقة فإن الأرقام الفلكية من نرليوني دولار أمريكي لم يجر استعادة أي شيء ذي قيمة تُذكر تجاه هذه الأرقام المهولة..

وبدل تغيير النظام (الطائفي الكليبتوقراطي) والمجيئ ببديل يمكنه حمل مشروعات إعادة البناء والإعمار، تتواصل اللعبة العبثية وتحمل حكومة تقتسم العراق والعراقيين غنيمة وتأسرهم في كانتونات يحكمها زعماء حروب الميليشيات وما تفرضه لتفصيل قوانين شرعنت وتشرعن وجودها وما ترتكب يوميا بحق البلاد والعباد…

إنّ المجتمع الدولي يدرك تلك الحقيقة ولهذا وجدنا اليابان على سبيل المثال تشترط في دعمها تسليمه لإشراف دولي أممي يُبعِد مبدئيا ولو بمقدار بعينه وقوع تلك الأموال بأيدي المفسدين، ولا عجب فهناك عشرات الجهات والأطراف الدولية والاستثمارية الخاصة قد أكدت الشرط ذاته في تعاملها أو أجلت التوجه إلى مؤتمر الكويت أو ستؤجل وضع الدفعات أو تشترط أن يكون عينياً لا ماليا نقدياً…

إن إعادة إعمار العراق، يشترط أولا تغيير النظام ومن يحكم البلاد ويوجه مشروعات إعادة إعماره.. فعلى مدى حوالي 15سنة ضاعت أموال مهولة كان يمكنها أن تجعل من البلاد جنة من جنان الأرض لكنها أُهدِرت بلا إنجاز يُذكر…فهل ذات القوى التي نهبت البلاد وسبت العباد يمكنها أن تأخذ تلك الأموال لتبني بها أم أنها ستضخها مرة أخرى في خزائن زعماء المافيات والميليشيات!؟

من جهة أخرى كيف يمكننا بناء دولة بحجم العراق وملايين المناطق المعنية بالمؤتمر الداعم مازالت لا يتوافر لها استقرار ودار..!؟

هل يصح الإعمار ويمكن تلبية اشتراطاته بوجود أكثر من مليونين ونصف المليون نازحة ونازح!؟ وهلإعادة أكثر من 3.3 مليون قسريا ورميهم بين أكوام أحجار لأبنية مهدمة ولمدن مخربة سينفع في إطلاق عمليات البناء؟؟؟

هل بوجود الأطفال في الشوارع وبعيدا عن مدارسهم فرصة لاستقرار العوائل التي تنظر إلى فلذات الأكباد يضيعون، هل يمكن الشروع بإعمار؟

عن أي إعمار يتحدثون والبنى التحتية والركائز الأساس منعدمة تماما؟ عن اي إعمار يتحدثون والصناعة الوطنية تحديدا التي تخدم عمليات البناء معطلة بالتمام والكمال؟

عن أي إعمار يتحدثون والأنفس مخربة بأهوال تركت آثارها ولم تمَّحي بعد ولم تعالج وليس في الأفق توجه وبرمجة لمعالجتها؟؟؟

إن أغلب ما يجري يمرر تجييرا لمصلحة إعادة إنتاج سلطة هي التي خربت البلاد ومناطق العراق الوسطى والجنوبية وكل العاصمة بغداد ليست أقل حاجة لإعادة إعمار من تلك التي استكملوا هدمها بحرب على عصابات الإرهاب التي جاؤوا بها وسمحوا لها بأن تعيث فسادا وتقتيلا بأهل المنطقة..

إن الصائب الصحيح والصحي يكمن في إعمار الروح الوطني بإنهاء الطائفية وسلطتها ونظامها بكليته وجميع تفاصيله.. ومثلما فعل المجتمع الدولي في العام 2003 يلزم أن يتابع مهام المجيئ ببديل وطني وليس ما يعيد إنتاج وجوه بعد تلميعها وتبييض صفحاتها..

إن مؤتمر الكويت إذا استطاع جمع بعض أموال ونسبة من طلبات حكومة هي ابنة نظام أطاح بدولة إقليمية مهمة إذا استطاع ذلك ماديا ماليا فلن يستطيع إعادة إعمار من دون ركني الإعمار والبناء الإنسان والنظام الوطني النزيه…

وكلنا يدرك أن لا وطنية للطائفي ونظامه المفسد ولا نزاهة للكليبتوقراطية نظاما وضع العراق بين أتعس بلدان العالم فساداً حتى يومنا هذا محتفظا بصدارة الفساد بلا منازع طوال سنوات حكم الطائفية لدولة عدّوها وشعبها غنيمة….

إننا في وقت نوجه التحية للمجتمع الدولي وللمواقف البناءة ولانعقاد المؤتمر إياه نؤكد رسالة الشعب العراقي بكل مكوناته وأطيافه إلى المجتمع الدولي بأن مشكلتهم الأساس هي مع ركني الطائفية والفساد الأمر الذي لن يكافحه من شارك بهذا النظام ومازال ابنه ملتزما حزبيا بأحزاب البلاء وما أتت به من خراب…

إن مجرد استعادة أموال نهبها المفسدون تكفي لإعادة الإعمار وإعادة البلاد وضع البلاد موضعها المستحق…

لكن ذلك يبدأ بتوفير خطط ومشروعات لا يسطو عبرها وبها فاسد على ما يرسم ويصرف من أموال..

ولليونسكو والأمم المتحدة واليونسيف ومنظمة الصحة العالمية أن ترسم محددات التغيير ومشروعات إعمار الشخصية الوطنية كي نستطيع الشروع حقيقة، ببناء بلاد تم تدميرها كليا..

ولنكن يدا بيد مع الشعب العراقي المغلوب على أمره والمقسم حصصا كغنائم حرب وأسرى وسبايا بين زعماء المافيات والميليشيات في كانتونات ممزقة مهلهلة…

إعادة الإعمار تتطلب النظر في المجتمعات المحلية ومن يوجهها ويدير أوضاعها اليوم بلا رحمة.. وبغير تلكم النظرة والرؤية لا إعمار بتلك الأموال ولكن تقوية للمفسدين ومن يقف وراءهم..

وتلك هي طامة العراقيين الكبرى.

لا تعليقات

اترك رد